رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الدور المتغير للدولة فى زمن الكورونا

أحد النتائج السياسية المباشرة لازمة وباء الكورونا وأهمها هو التوسع فى سلطات مؤسسات الدولة فى مختلف ارجاء العالم، وتدخلها لضبط سلوك المجتمع واخضاعه للقواعد التى حددتها لحماية الصحة العامة من خطر الوباء، وتأثيراته المدمرة على الاقتصاد والروح المعنوية والامن. تعددت هذه القواعد من دولة لأخرى ولكن جوهرها كان واحدا، وهو تمدد سلطة الدولة، وقيامها بإحكام الرقابة على المجتمع وعقاب أفراده وهيئاته فى حالة عدم الالتزام بها. ففى مواجهة الوباء، استخدمت الدول قوانين قديمة صدرت أوقات الحروب او أصدرت تشريعات جديدة. ففى الولايات المتحدة، تم تفعيل قانون الإنتاج الحربى الذى أقره الكونجرس الأمريكى فى 8 سبتمبر 1950 مع بدء الحرب الكورية، وذلك بهدف تعبئة موارد الدولة والمجتمع من اجل خدمة المجهود الحربي، وإعطاء الأولوية لاحتياجات الجيش فى المخصصات المالية والإنتاج، وتمكين الدولة من السيطرة على موارد الاقتصاد وتوجيهها. ويعطى القانون الرئيس سلطة اصدار الاوامر للقطاع الخاص بإنتاج المعدات والسلع والخدمات المطلوبة، وسلطة اصدار التعليمات لمكافحة جشع الشركات وقيام بعضها بتخزين السلع وتأخير توزيعها على الأسواق او رفع أسعارها استفادة من زيادة الطلب عليها، وسلطة توجيه الافراد والهيئات لتوظيف مواردهم فى المجالات التى تحتاجها الدولة، وسلطة فرض التسعيرة الجبرية لبعض السلع وتحديد أجور العاملين، وسلطة استخدام الجيش فى تطبيق هذه الصلاحيات. وهكذا، فان هذا القانون يضع الاقتصاد الأمريكى تحت سيطرة الدولة. واستخدمت المملكة المتحدة قانون حماية الصحة العامة من الامراض الذى صدر عام 1984، وفى 9-3 أقر البرلمان تفعيل قانون حماية الصحة العامة، والذى أعطى الشرطة حق حجز أى شخص يشتبه فى إصابته بالمرض. وفى 26-3، صدرت قواعد فرضت مزيدا من القيود على حركة الافراد والتوسع فى اغلاق المحال. وأعلنت الحكومة حالة الطوارئ لمدة 21 يوما على ان تتم مراجعة الوضع يوم 16-4 لإنهائها او تجديدها حسب الظروف. علاوة على تدخل الحكومة لتوجيه شركات القطاع الخاص الكبرى لإنتاج المستلزمات الطبية. ومن امثلة ذلك، قيام شركة دايسون البريطانية المتخصصة فى صناعة الأجهزة الكهربائية وفرع شركة ايرباص الأوروبية فى بريطانيا المتخصصة فى صناعة الطائرات بتصنيع أجهزة التنفس الصناعي. هذا حال دول الديمقراطيات الراسخة، اما دول الديمقراطيات الجديدة فى أوروبا فقد كان لها شأن آخر. ففى المجر، وافق البرلمان على إعلان حالة الطوارئ، وعلى قانون يعطى رئيس الوزراء سلطات واسعة تمكنه من ممارسة الحكم من خلال قرارات ومراسيم حكومية دون العودة للبرلمان، وان يتوقف الدعوة الى اجراء أى انتخابات عامة على ان يستمر هذا الوضع لحين إعلان البرلمان نهاية الظروف الاستثنائية، ومعنى هذا امتلاك رئيس الوزراء للسلطتين التنفيذية والتشريعية. وفى هذا السياق، صدر قانون يعاقب كل من يطلق شائعة او ينشر بيانات غير صادرة عن الحكومة بشأن المرض بعقوبة السجن لمدة خمس سنوات. ولم يتوقف توسع سلطات الدولة على اقليمها ومواطنيها، بل تجاوز ذلك الى ممارسة اعمال القرصنة الدولية فى مخالفة لأبسط قواعد القانون. ففى 4-4 عندما توقفت طائرة كانت متجهة من الصين الى إيطاليا فى مطار براغ حاملة شحنة من الادوية والمستلزمات الطبية لمكافحة المرض، قامت السلطات التشيكية بالاستيلاء عليها وتوزيعها على مستشفياتها. وترافق مع التوسع فى سلطات الدولة، زيادة قدرة مؤسساتها على متابعة سلوك الافراد ومراقبتهم، والتأكد من عدم مخالفتهم للقواعد. ووفرت التقنيات الحديثة التى تستخدم الذكاء الاصطناعى إمكانيات هائلة كتكنولوجيا التعقب والتعرف على الوجوه، واستخدام التليفون الذكى لتحديد أماكن تجمعات الافراد بأعداد تفوق العدد المسموح به أيا كان موقع هذه التجمعات، وتحديد درجة حرارة الفرد بجهاز معلق عند أبواب عربات المترو والقطارات او من خلال نقر الأصابع لجهاز التليفون الذكي. وكان من آثار الوباء أيضا تصاعد النزعات الوطنية فى كل دولة، والانكفاء على الداخل بهدف حماية المجتمع من الفيروس الذى ينقله القادمون من الخارج. وتصاعدت الدعوة الى ضرورة زيادة الإنتاج الوطنى فى عدد من السلع الأساسية وخطورة الاعتماد على استيرادها من الخارج، وزيادة حجم الاحتياطى الاستراتيجى منها، وذلك فى ضوء توقف خطوط الامداد الدولية وتراجع حركة التجارة بين الدول، وتصب هذه النزاعات والاتجاهات فى مصلحة التوسع فى قوة الدولة ودورها. إزاء هذه التطورات، ارتفعت بعض الأصوات فى دول الديمقراطية الراسخة حذرت من التأثير السلبى لهذه الإجراءات على حقوق الانسان، وأعرب أحد قضاة المحكمة العليا السابقين فى بريطانيا عن مخاوفه من ان تتحول بريطانيا الى دولة بوليسية. وكانت هناك اعتراضات على طريقة تنفيذ الشرطة البريطانية لإجراءات التباعد الاجتماعى ومنع التجوال، وأنها اتسمت أحيانا بالقسوة، وأحيانا أخرى بازدواجية المعايير. ولكن تلك الأصوات ظلت ضعيفة ولم تلق تأييدا واسعا من الرأى العام، وظل الافراد راضين ومتقبلين لما يحدث بسبب الخوف والهلع والهشاشة النفسية، ولأن الدولة غدت مصدر الأمن والأمان.

هذه الإجراءات والقواعد الاستثنائية التى اتخذتها الدول سوف تنتهى بعد فترة تطول او تقصر، ولكنها من الأرجح سوف تترك بصماتها على نظرة مؤسسات الدولة لنفسها، وعلى العلاقة بينها وبين هيئات المجتمع من أحزاب ونقابات وجمعيات وهيئات مجتمع مدنى أخرى لصالح الأولي. القرارات والإجراءات سوف تزول ولكن آثارها سوف تعيش معنا لفترة مقبلة. ويتنبأ بعض المتشائمين بأن عالم ما بعد الكورونا سوف يكون أقل انفتاحا ورخاء وحرية، واعتقد ان هذا التقدير سابق لأوانه ومبالغ فيه فالعالم ما زال فى قلب الأزمة، ولا أحد يعرف متى تنتهي، ولا الكيفية التى سوف تنتهى بها، ولا حجم الخسائر المادية والبشرية التى سوف تخلفها.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: