رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هل يتمخض عن كورونا نظام اقتصادى عالمى جديد؟

خلافا للآثار الصحية الكارثية التى يعيشها العالم اليوم بسبب فيروس كورونا التى أظهرت مدى قصور منظومة الرعاية الصحية حتى فى أكثر الدول تقدما، فإن التوابع الاقتصادية للكارثة لاتقل خطورة. بل أثبتت الأزمة الحالية مدى أهمية وحرج العنصر البشرى فهو فى النهاية المنتج والمستهلك لما يجرى فى الاقتصاد ولا يقوم أى نشاط اقتصادى إلا به.

وخلافا للأزمات الاقتصادية السابقة التى اصابت اقتصادات العالم خلال العقود التسعة الأخيرة، فإن طبيعة الأزمة الحالية وظروفها وأسبابها مختلفة تماما عن كل الأزمات السابقة. فقد تمثلت أغلب أسباب الأزمات السابقة فى المضاربات التى تجرى فى النظم الرأسمالية وفى الانهيار المفاجئ للبورصات والاستثمار وتراجع الطلب الذى يتقلص معه توظيف عوامل الإنتاج فينتج البطالة وتتكدس السلع ويصيب الكساد كل القطاعات بحكم اعتمادها على بعضها البعض. أما الأزمة الحالية فهى نتاج قسرى لعدم قدرة البشر على الإنتاج أو الانخراط فى حياة طبيعية.

وخلال العقود الثلاثة الأخيرة حدثت تغيرات جوهرية فى النظم الاقتصادية جعلت مايحدث فى منطقة من العالم تمتد آثاره للعالم كله، بفعل العولمة الاقتصادية ونتيجة لأن الأزمات ما إن تبدأ فى بلد إلا وتنتقل آثارها سريعا إلى البلدان المجاورة نتيجة التكتلات والتداخلات بين القطاعات الاقتصادية داخل كل منطقة، ونتيجة اعتماد البلدان والمناطق على بعضها البعض.

ليس هذا فحسب بل اقترن تيار العولمة وتصاعد دور التكنولوجيا فى حدوث تركز كبير فى الثروة لدى الدول المتقدمة الغنية بل لدى حفنة قليلة من رجال الأعمال والشركات لديها، يقابل هذا اتساع قاعدة الفقر والتهميش الاقتصادى لدى قطاعات واسعة فى الدول النامية والفقيرة. وبذلك تحول الصراع بين الحفنة هائلة الثراء والطبقات الفقيرة ليصبح ليس فقط على مستوى البلد الواحد بل على مستوى العالم بأسره. والإحصاءات الدولية عن حجم عدم العدالة على مستوى العالم بالغة الدلالة. فمثلا لا تزيد نسبة ما يملكه 57% من سكان العالم على 2% من ثروات العالم، بينما أقل من 1% يملكون 44% من هذه الثروات.

وقد دفعت هذه الأوضاع المنتدى الاقتصادى العالمى إلى أن يخصص موضوع عدم العدالة ومشكلة البطالة ضمن الموضوعات المدرجة للنقاش فى مؤتمره الأخير منذ شهور. وتضخم فى إطار هذه الاختلالات حجم القطاع المالى وقطاع الخدمات والقطاعات الاقتصادية غير الملموسة مثل شركات الاتصالات والبرمجيات والتكنولوجيا المرتبطة بها على مستوى العالم بالمقارنة بقطاعات الاقتصاد الحقيقى وأهمها الصناعة والزراعة والخدمات الملموسة الداعمة لهما. وبلغ الاختلال المالى العالمى مداه قبيل أزمة الكورونا، ومثله الواضح حجم المديونية العالمية التى بلغت 320 تريليون دولار، هذا فى الوقت الذى لم يتجاوز مجموع الناتج المحلى الإجمالى على مستوى العالم 90 تريليون دولار.

أى أن مديونية العالم تعادل نحو ثلاث مرات ونصف قيمة ما ينتجه العالم سنويا. وقد تراكم هذا الاختلال وتفاقم رغم وجود مؤسسات مالية عالمية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى وغيرها من المؤسسات التى ترصد وتحلل وتراقب هذه المؤشرات وتعرف خطورتها ودلالاتها. إذا فقد جاءت كارثة الكورونا فى توقيت وأوضاع واختلالات اقتصادية عالمية بالغة التعقيد والخطورة بما ينذر بتفاعل آثارهما معا بانهيارات لن تقف عند ما حدث فى أزمات سابقة وإما ستزلزل أركان النظام الاقتصادى العالمى والنظام الرأسمالى المعاصر وآليات عمله. والاختلالات السابقة كانت عاجلا أو آجلا ستحدث أزمات كبرى قى النظام الرأسمالى العالمي، فجاءت كارثة الكورونا بأبعادها غير المسبوقة لتعجل بزلزلة هذا النظام.

وتحاول حكومات الدول التى ضربتها الأزمة بعنف أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من آليات السوق ومن قصور الطلب وعجز السيولة لدى شركات الطيران والسياحة والقطاع المالى وقطاعات مختارة توشك على الانهيار. وبعضها ضمن فى برامج الإنقاذ و دعم المشروعات الصغيرة وفئات العمالة والمجتمع التى تأثرت بشدة نتيجة تعطل قطاعات الإنتاج فى هذه الدول. لكن شبح استمرار الكارثة قد يجعل هذه البرامج غير قادرة على إيقاف الآثار الوخيمة للكارثة الصحية وتوابعها الاقتصادية المدمرة، ذلك لأن هذه الاقتصادات تحتوى كما ذكرنا اختلالات هيكلية فى بنيتها، هذا فضلا عن أن الكارثة الصحية والاقتصادية تمثل نمطا غير مسبوق حيث يصيب ويعطل على نطاق مجتمعى واسع وشبه شامل أهم قوى الإنتاج وهو عنصر العمل. هذا العنصر الذى هضمت حقوقه وتم استنزافه عبر عقود وتم تحويل الجزء الأكبر من القيمة التى ينتجها لمصلحة نخب قليلة من أصحاب المشروعات ومن المسيطرين على قطاع الاقتصاد غير الملموس (غير الحقيقي) والقطاع المالى وقطاع والمشتغلين بأنشطة المضاربة والأعمال الريعية وكلها تراكم ثروات هائلة دون أن يقابلها بالتناسب قيمة حقيقية مضافة. ويعتبر توقف عنصر العمل نتاجا للكارثة الصحية مؤثرا على إمكانية الاستمرار فى نهب القيمة التى ينتجها هذا العنصر. لذلك فلا تصلح العلاجات والسياسات التقليدية لتنشيط الطلب الكلى فى الاقتصاد

إن تعافى دول العالم من الكارثة الصحية والانهيار الاقتصادى الناجم عنها، لن يجىء إلا بإعادة الاعتبار للعنصر الإنسانى من حيث زيادة الاستثمار فيه صحيا وتعليميا وثقافيا، وكذلك وضع ضوابط تحد من استنزافه واستغلاله، وتوفر له الحماية الوظيفية والاجتماعية،وتضع قيودا جديدة على عمل آليات السوق والقطاع المالى وقطاعات الاقتصاد غير الملموس، لتحقيق العدالة لمصلحة المنتجين الحقيقيين للقيمة والثروة وهم المشتغلون بأجر وقطاعات الاقتصاد الحقيقى عامة. هذه التغييرات تعنى نظاما اقتصاديا جديدا غير الذى نعرفه حاليا. وقد بدأت بعض الكتابات خلال العقد الأخير تشير إلى هذه الاختلالات البنيوية فى النظام الاقتصادى الرأسمالى المعاصر، وتدعو إلى ضرورة التحول فى النظام الاقتصادى ليكون أكثر عدالة وأكثر إنسانية وأقل عرضة للانهيارات.


لمزيد من مقالات د. أحمد صقر عاشور

رابط دائم: