رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إنه الإنسان يا ذكى!

يبدو ان مقولة «إنه الاقتصاد يا غبيى! والتى انتشرت منذ أواخر القرن العشرين وحتى الآن، باعتبارها من أعظم البديهيات، قد قضى عليها تماما، عقب انتشار فيروس كورونا، فلم تعد المصلحة الاقتصادية هى الحاكمة، بل على العكس أصبح إنقاذ الأرواح حتى ولو تم ذلك على حساب الضرر بالاقتصاد، وأصبحت المقولة الأساسية الآن «أنه الانسان ياغبى»!. وإذا كان انهيار جدار برلين والاندماج بين شطرى الدولة الألمانية قد مثل بداية لانهيار النظام الاقتصادى الذى كان قائما وفقا لبريتون وودز. واعتبره البعض بمثابة نهاية التاريخ على حد تعبير المفكر الأمريكى فوكو ياما، فان قيام الشعب الإيطالى بإنزال علم الاتحاد الأوروبى واستبداله بعلم الدولة الروسية، يعد بمثابة الإعلان عن انهيار النظام الحالي، والقائم على أساس توافق واشنطن بآلياته ومؤسساته، وبدء البحث عن نظام جديد أكثر إنسانية واقل وحشية. ورغم محاولة البعض للتقليل من آثار الازمة الراهنة، فإننا نرى انها تختلف كثيرا عن كل الازمات التى مر بها النظام الاقتصادى الحديث منذ نشأته وحتى الآن، فقديما كانت الأوبئة تنحصر فى أماكن معينة ومناطق محددة يسهل حصارها ومعالجتها عن طريق إنتاج اللقاح والدواء المناسب، وذلك على عكس الوباء الحالى ليس فقط بسبب نطاقه الواسع والمذهل، ولكن بسبب إجباره الحكومات المختلفة باتخاذ قرارات لم تكن يوما ما واردة فى الاذهان، كما انها لاتعرف آثارها المحتملة فى ظل عدم اليقين السائد حاليا والذى اصبح الحقيقة الأساسية فى هذه المرحلة.

فاذا كان مفهوم العولمة قد ظهر على حساب الدولة. حيث كان الثانى يفترض مسبقا وجود دولة قومية، واسواق قومية، بينما يقوم الأول على آلية معاكسة تماما ويشير إلى أن فضاء الإنتاج والتسويق قد امتدا إلى السوق العالمية. وأصبح هناك المزيد من الاقتناع بتجانس حاجات المستهلكين، تحت تأثير التكنولوجيا الجديدة ووسائل الإعلام وتوحيد معايير الإنتاج. وهو ما أدى إلى اكتساب العملية الإنتاجية لطابع عابر القوميات، عن طريق لا مركزة الإنتاج جغرافيا.

ورغم ان هذه السياسة سارت سيرا حسنا على مدى العقود الماضية، فإن آثارها السلبية قد بدأت فى الظهور، خلال الفترة الماضية وجاءت أزمة كورونا لتسقط القناع عن الوجه الحقيقى للنظام، فالاعتقاد الجازم بان السوق يجب ان تقرر ما يتم إنتاجه وكيفية تطويره، قد سقط حينما بحثت الدول عن اساسيات العلاج فلم تجدها، وظهرت ظواهر غريبة كقيام الدول بالاستيلاء على الشاحنات الطبية المرسلة لدول اخري، مثل استيلاء تركيا على شحنة أجهزة تنفس كانت فى طريقها إلى إسبانيا، وكذلك قيام الولايات المتحدة بالاستحواذ على شحنة كمامات كانت فى طريقها لفرنسا، فى إطار مساعيها للتزود بالأدوات الطبية والوقائية، بل والاهم من ذلك إعلانها شراء أى كميات متاحة باى سعر ونقدا، وأصبحت السوق الدولية فوضوية تماما. ويرجع السبب فى ذلك إلى نظام الملكية الفكرية الذى تم وضعه فى إطار منظمة التجارة العالمية، حيث مد الحماية إلى براءات الاختراع فى مجالات المنتجات الغذائية والأدوية والصيدلية، وتضمنت الاتفاقية بالإضافة إلى المنتجات ذاتها، أساليب صنعها أيضا، ووضعت قيودا صارمة على قيام الحكومات بإعطاء تراخيص إجبارية للبضائع التى تتمتع بحماية براءات الاختراع. الامر الذى ادى إلى حرمان الدول من الحصول على الأدوية، حيث كانت تعتمد على إنتاج الدواء المماثل للأجنبى وتسويقه بأسعار مخفضة، تسهل على الأفراد شراءه، لكن جزءا كبيرا من هذه الأدوية خضع للاتفاقية. وقد أدت هذه الاتفاقية إلى انشغال القطاع الخاص بأنشطة المعرفة التى تحقق ربحية أكثر مثل مستحضرات التجميل وغيرها وإهمال البحث عن عقاقير ولقاحات مضادة للجراثيم والاوبئة وجميع الأمور المرتبطة بالصحة العامة لأنها تدخل فى نطاق ما يطلق عليه فى علم الاقتصاد بالسلع العامة، وهى التى تحقق عوائد اجتماعية للسواد الأعظم من المجتمع ولكنها قليلة، ان لم تكن عديمة الربحية، ولهذا كان من الصعب على القطاع الخاص الولوج فى هذه الانشطة. وهكذا أعادت الأزمة الاعتبار للدولة القومية، بدلا من السوق العالمية، فكل البلدان تقريبا أغلقت حدودها امام البضائع والافراد، حتى داخل الاتحاد الأوروبى نفسه، ناهيك عن استدعاء الجيوش الوطنية للمساعدة، وقيام الاتحاد الأوروبى بإزالة القيود على عجز الموازنات القطرية حتى تتمكن كل دولة من انفاق ما تراه مناسبا لمكافحة الفيروس، ناهيك عن حزم الإنقاذ المالية التى قامت بها معظم البلدان لدعم الرعاية الصحية والمستشفيات وتطوير اللقاحات وشراء وتوزيع الادوية وغيرها من الأمور التى ساعدت على تقوية دور الدولة وتراجع العولمة. وبالتالى أصبح من غير المحتمل العودة مرة اخرى للحديث عن العولمة المفيدة للأطراف، والتى بنى على أساسها النظام الاقتصادى الحالي. وتم تقويض المبادئ الأساسية للتصنيع العالمى من خلال سلاسل القيمة المرتبطة بعدة دول، ووضعت كل دولة مصلحتها الوطنية أولا، ووصل الأمر إلى الدعوة لإجراء التجارب العلاجية بالقارة الإفريقية حتى لاتتأثر البلدان الأوروبية، وهكذا ظهر الوجه الحقيقى للعولمة المتوحشة. وهو ما أشار اليه جون جالبرث فى كتابه «اقتصاد الاحتيال البرى» قائلا إن التقدم الإنسانى الذى تحقق يهيمن عليه موت ووحشية غير متخيلة، إذ قطعت الحضارة شوطا هائلا فى العلم والفنون ولكنها أعطت وضعا متميزا لتطوير الأسلحة والحروب والمجازر الجماعية التى اعتبرت المنجز الجوهرى لهذه السياسات. فالتغييرات الجارية والمتلاحقة على الساحة العالمية، لم تعد تدور، وفقا لقواعد وأسس محسوبة أو يمكن توقعها. بل على العكس من ذلك تماما. إذ زادت بشدة كمية الأحداث الفجائية والتى تخرج عن أى توقعات ممكنة. وهكذا تحولت جميع شعارات المرحلة لنقيضها تماما، فالعولمة أضحت الدولة القومية، والتواصل الاجتماعى أصبح التباعد الاجتماعي، والاعتماد المتبادل أصبح الانكفاء على الذات.. الخ.

وهكذا فان النتيجة الأساسية التى نخرج بها من كل ما سبق بكل يقين هى ضرورة إعادة النظر كلية فى المبادئ الأساسية التى يعتمد عليها النظام الاقتصادى الحالي. خاصة فى ظل الجغرافيا السياسية الحالية إلى جانب التحولات الهيكلية المرتبطة بها وهى كلها أمور تؤدى إلى العودة إلى الكينزية بثوب جديد.


لمزيد من مقالات ◀ عبد الفتاح الجبالى

رابط دائم: