رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تركيا القَلِقَة والحائرة

هذا كتاب مهم وجدته أخيراً فى إحدى مكتبات وسط القاهرة عندما كنت أقوم بأحب الجولات إلى نفسى. والتى تعد رياضة روحية. الكتاب عنوانه: تركيا القلقة: فى الحداثة والكيان والعلاقة بين الجماعات. ومؤلفه، هذه أول مرة أطالع اسمه فيها: محمد نور الدين. المؤلف رغم أنه مولود سنة 1954 فى لبنان. يمكن أن نصفه بأنه خبير تركى. صحيح أنه غزير الإنتاج. ولكن تركيا تحتل مكان الصدارة والاهتمام الأول فى مؤلفاته. له من الكتب الأدب التركى الحديث، ملامح ونماذج. تركيا فى الزمن المتحول، قلق الهوية وصراع الخيارات. ويبدو من عنوانه أن موضوعه قريب من موضوع الكتاب الذى وجدته فى القاهرة. ثم كتاب: قبعة وعمامة مدخل إلى الحركات الإسلامية فى تركيا. تركيا الجمهورية الحائرة مقاربات فى الدين والسياسة والعلاقات الخارجية.

ومن كتبه أيضا: حجاب وحراب: الكمالية وأزمات الهوية فى تركيا. تركيا: الصيغة والدور. الدور التركى فى المحيط العربى. تركيا والربيع العربى: صعود العثمانية الجديدة وسقوطها. ثم أخيراً كتاب: انقلابات تركيا بين عدنان مندليس إلى رجب طيب أردوغان. منشور سنة 2016. يقع كتابنا هذا فى 256 صفحة قطع المتوسط. وفى كتابتى هذه ولكى أكون واضحاً مع القارئ سأركز بشكل أساسى على ما دار حول مصر. وتناول مصر. ليس مصر فى علاقتها بتركيا. فلا توجد أى علاقات بين مصرنا الحبيبة والكيان الموجود فى أنقرة. ولكن مصر التى أقصدها هى مصر كما تتبدى فى مشروع رجب طيب أردوغان.

فى مقدمة الكتاب يكتب الكاتب أن أردوغان بعد أن تعمد بدء احتلال أجزاء من شمال سوريا. جرى ذلك فى اليوم نفسه الذى وقعت فيه معركة مرج دابق، قبل خمسة قرون. التى فتحت أبواب سوريا ومصر أمام الاحتلال العثمانى بعد هزيمة المماليك. لقد دخل الغازى التركى الحالى شمال سوريا 24 أغسطس 2016، وهو تقريباً نفس التاريخ الذى تحرك فيه سليم شاه ابن عثمان 1516، قاصداً بلاد الشام ومصر. لا يقل لى أحد إن الحدث وقع صدفة. وأن اختيار اليوم دلالاته لا تحتاج إلى أى تعليق منى.

الغازى والمحتل الجديد يسير على درب من سبقوه. المشكلة أنه لا يدرك أن الأيام تبدلت، والأزمنة تغيرت، والشعب العربى تطور وعيه وتقدم وجدانه. كما أن عالم الأمس لا يمت بأى صلة كانت بعالم اليوم. ما يجمع بينه وبين سليم شاه ابن عثمان النزعة العثمانية. وفى كتب التاريخ آلاف الوقائع التى أقدم عليها غازى ومحتل الأزمنة القديمة. والتى لا يجرؤ أن يفكر فيها مغامر هذه الأيام. إنها عقدة التاريخ التى لا حل لها. وحلها الجوهرى أن يدرك من يعانى من العقدة عقدته. وفى فصل عنوانه: تركيا بين التحديات الداخلية والخارجية. يوجد الكثير عن التناقض التركى الراهن. أعود لما ألزمت نفسى به فى أول المقال. أن الشأن المصرى هو الذى يحدد اهتماماتى. وليس فى هذا أى شيفونية. يتوقف الكاتب أمام فترة الربيع العربى. ويؤكد أن التحالفات التركية كانت موجهة من أجل إضعاف المحور الذى تنتمى إليه دمشق، مثل العراق وإيران. وهكذا انطلق الخطاب التركى وقتها من مذهبية واضحة كانت سبباً كى يبنى تحالفاته مع الدول العربية أو المتأسلمة ذات النزعة السنية. لتكون تركيا جزءاً من محور سنى ضد محور شيعى. هذا الكلام تبسيط للأمور. وتناول الأوضاع على الأرض من خلال تحليق فى السماء. فهل يمكن القول إن من فى تركيا حاول التعاون مع محور سنى فى مواجهة محور شيعى؟. وهل يمكن لهذا الكلام أن يفسر عقدته المصرية؟ أو أزمته تجاه مصر؟ التى تبدو فى بعض الأحيان كما لو كانت أحد الأمراض التى تستلزم العلاج. يعود المؤلف فى الفقرة التالية ليقول ما يصحح به ما سبق أن قاله. وتحت عنوان: محور إخوانى، يكتب: على الرغم من أن تركيا كانت محورا سنيا فى البداية. فإن استنفاذ هذا المحور من الزاوية التركية متمثلاً فى محاولة زعزعة الأنظمة فى مصر وتونس وليبيا، ويجب ألا ننسى أن المؤلف يتكلم عن محور إخوانى، يكمل أن هذا التوجه كان يتبع الحاكم التركى إلى محاولة إسقاط الحكم الوطنى فى مصر وتونس وليبيا. هذا الكلام منشور فى ديسمبر 2017، أى قبل محاولاته إزاء ليبيا.

إن هذا كان يدفع تركيا إلى تخطى النزعة السنية لحصر سلوكها فى التيار الذى يمثله الإخوان. بل اعتمدت عليه. فكانت تركيا عاملاً داعماً بقوة لوصول الإخوان إلى اقتصاد السلطة فى مصر وتونس والمغرب. يقولون: وشهد شاهد من أهلها. فها هم يعتبرون أن مصر هدف لهم. وأن من اغتصبوا حكمها من الإخوان كانوا ينفذون مخططاً لها. ويسيرون على درب هم الذين رسموه. ويعتمدون نهجا من ابتداعهم وخيالهم. يستطرد المؤلف: وتجلى ذلك فى الموقف التركى من التطورات فى مصر وتونس وليبيا والمغرب وسوريا، وبعض الدول الخليجية. إذ انحازت السياسات التركية بشكل متعسف وفاضح للإخوان.

إن هذا التطور التركى أدى بشكل تلقائى إلى استثارة عصبة الدول السنية غير الإخوانية من جهة. والقوى السياسية العلمانية والليبرالية والدينية غير الإخوانية داخل كل دولة من جهة أخرى. ونتج من ذلك صراع مرير بين التيار الإخوانى مدعوماً من تركيا، والتيارات المقابلة مدعومة من دول خليجية. انتهى الأمر إلى الإطاحة بحكم الإخوان فى مصر. وإلى إزاحة حركة النهضة فى تونس.

تختلف جذريا وعلى طول الخط. ومن الكلمة الأولى حتى الكلمة الأخيرة. فيما تعمده المؤلف من إغفال بطولة الشعب المصرى العظيم وقوته المسلحة البطلة وشرطته الباسلة فى ثورته ضد اغتصاب الإخوان لحكم البلاد. والتى أدت إلى إزاحتهم عن الحكم بثورة شعبية كاملة مكتملة الأركان. وفق كل شروط ومواصفات الثورات الشعبية. وهذه الثورة كانت مصرية خالصة. وكل ما يدعيه المؤلف ولا يستحق الإشارة إليه غير صحيح كذبا وافتراء.


لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: