رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى الذكرى الـ 43 لرحيل العندليب: ملحمة نجاح غنائية تتحدى قوانين الزمان والمكان

أجرى الحوارين : صلاح البيلى

هناك من الفنانين من يشبهون أحجار الماس القيمة، التى تزداد قيمتها ويشتعل بريقها كلما مضى عليها الزمان، ولا شك أن عبدالحليم حافظ الذى تقترب ذكرى رحيله الثالثة والأربعين من الحلول، هو أحد هؤلاء الفنانين الذين نجحوا فى تجاوز قوانين الزمان والمكان، ليس فقط ليبقى خالدا بفنه الراقى فى قلوب عشاقه ومعاصريه، وإنما بقدرته على أن يكسب عشاقا ومستمعين جددا من الشباب الذين لم يعاصروه.

إذا حاول أحد اختصار حليم فى عبارة قصيرة فلن تكون أكثر من إنه كان فنانا صادقا صنع مجده بالعرق والدموع وسهر الليالى، لم تكسره الحوادث ولم تفت فى عضده النوائب على كثرتهما، تغلب على يتمه ثم نشوئه فى ملجأ الزقازيق، وارتقى من مجرد عازف على آلة «الأبوا» ومدرس للموسيقى فى مدرسة بطنطا، إلى واحد من أبرز مطربى القرن العشرين فى العالم العربى وربما فى العالم كله، حيث يحلو لكثيرين أن يقارنوا فن حليم وما أحدثه من تأثير فى موسيقى الخمسينيات والستينيات حتى سبعينيات القرن الماضى قبل وفاته فى 30 مارس 1977، بما فعله المطرب الأمريكى الأشهر ألفيس بريسلى الذى تزامن عصره مع عصر «جسر التنهدات» كما أطلق على عبدالحليم حافظ الشعراء والنقاد فى عصره.

ولأن القدر يمد يده دائما للمجتهدين والساعين إلى النجاح، زامنت الصدفة التاريخية بداية حليم الغنائية مع اندلاع ثورة يوليو 1952 ليتحول فى غضون سنوات بسيطة إلى صوت الثورة وموسيقاها، استفاد من الوهج الحماسى الذى أيقظته فى نفوس المصريين وعشرات الملايين فى الدول العربية والإفريقية، مثلما أفاد الثورة بصوته وكلمات صلاح جاهين وغيره من الشعراء الشباب المتحمسين للثورة التى أعادت تشكيل التاريخ فى الشرق الأوسط وقارة إفريقيا بأكملها تقريبا.

الحواران التاليان مع أثنين من الملحنين اللذين قدما الكثير من الموسيقى الملهمة، لكن الأهم أنهما نجلا أثنين من شركاء حليم فى النجاح، وهما محمد الموجى وكمال الطويل اللذان لا يمكن أن يتحدث أحد عن عبدالحليم حافظ دون أن يذكر اسميهما فى أول سطر من قصة نجاحه.


زياد الطويل

زياد الطويل:

قرار منع من السفر جزاء والدى على نجاحه مع حليم!

 اشتريت سيارة حليم المرسيدس الخضراء أنفقت على صيانتها 3 أضعاف ثمنها ولا أنوى بيعها مهما كانت المغريات

 كمال الطويل كان يتعامل مع العندليب كأنه «أخوه الكبير» وناضل من أجل اعتماده مطربا فى الإذاعة

 قصة غريبة وراء رفض عبدالحليم المشاركة فى أى فيلم للمنتجة الشهيرة آسيا






وفى الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل العندليب الأسمر، نحاول رصد ما خفى من أسراره الفنية فى هذين الحوارين مع زياد كمال الطويل والموجى الصغير..ربما لا يعرف كثيرون خصوصا من الشباب الذين لم يعاصروا عبدالحليم حافظ، أن الملحن الكبير الراحل كمال الطويل، هو صاحب الفضل بعد الله فى ظهور العندليب حينما اتصل به وهو فى طنطا يعمل كمدرس للموسيقى بإحدى المدارس البسيطة ليصبح عازفا، ثم بعد تعثره فى دخول الاذاعة لحن له الطويل قصيدة «لقاء» لصلاح عبدالصبور ليعتمد بها فى الاذاعة كمطرب، ثم صنع له لحن «على قد الشوق» ليحلق به فى سماء الفن.

وتبقى البصمة الأكبر للطويل على مشوار حليم ألحانه وأغانيه الوطنية لدرجة أن الطويل اشتهر بانه كان ملحن الثورة مثلما كان حليم صوت الثورة، واعترف عبدالناصر لحليم أن أغنيته تصل للجمهور العربى قبل خطبه، كل ذلك وأكثر نعرفه من الملحن زياد الطويل الذى جمعتنا به سهرة فى بيت الطويل بالزمالك والذى لا يبعد عن شقة حليم سوى خطوات معدودة.

يقول زياد: أبى ولد بالقاهرة فى 11 أكتوبر سنة 1923 أى إنه يكبر حليم بست سنوات، وسافر والده المهندس محمود زكى الطويل للدراسة بلندن وترك أبى عند جده التاجر الثرى بطنطا، حيث تلقى تعليمه قبل أن يعود الى القاهرة ليلتحق بكلية الفنون التطبيقية ثم عمل بوظيفة بمصلحة الطرق والكبارى فى الإسكندرية.

ولأنه يعشق الغناء والموسيقى التحق هناك بمعهد جمجوم للموسيقى ثم قرر أن يلتحق بمعهد الموسيقى لكنهم رفضوا قبوله لأن الدراسة كانت قد بدأت بالفعل، ولما عرف عميد المعهد محمود الحفنى والد د. رتيبة الحفنى أن أبى ابن المهندس محمود الطويل صديق عمره وزميله استثناه وألحقه بالمعهد. وكان جدى والحفنى قد صنعا معا أغنية «إحنا التلامذة يا عم حمزة ميهمناش السجن ولا المحافظة».

الدفعة الذهبية

التحق أبى بالمعهد وكانت الدفعة كما أطلقوا عليها «الدفعة الذهبية» فكانت تضم «عبدالحليم وأحمد فؤاد حسن وفايدة كامل وسيد اسماعيل وغيرهم ممن صاروا نجوما»، وبدأت الصداقة بين الطويل وحليم حين دخل أبى قسم أصوات وكان يعزف على البيانو والعود وكان حليم مقتنعا بأنه ملحن وكان يحفظ كل دندنة يقولها أبى لدرجة أن أبى وصفه بانه مثل المسجل أو «الريكوردر» الذى يحفظ كل ما يسمعه من ألحان ويغنيها.

بعد الدراسة التحق الطويل بالإذاعة بواسطة عمه عبدالفتاح باشا الطويل، وعمل مذيعا فى البرنامج الموسيقى بينما عين حليم مدرسا للموسيقى فى مدرسة بطنطا ثم بالزقازيق، الى أن استدعاه أبى وألحقه بفرقة الإذاعة كعازف «أبوا».

عن تلك الظروف يقول زياد «كان أبى مقتنعا بحليم كصوت وأقنعه أن يغنى، كان أبى قد لحن آنذاك قصيدة لجدى باسم «دعاء» يقول مطلعها: «إلهى ليس إلاك عونا، فكن عونا لى على هذا الزمان» وغنتها زميلته بالمعهد فايدة كامل ونجحت ثم لحن لمحمد قنديل «بين شطين وميه» ونجحت، ثم كان يضع ألحان فيلم «المصباح السحري» مع المنتجة آسيا وكانت أغنية الفيلم الأساسية للمطرب الشهير آنذاك عبدالغنى السيد الذى كان يوصف بأنه «جلاد القلوب» وكان عبدالحليم عازفا بالفرقة الموسيقية، وطلب أبى من المطرب أن يكرر التسجيل ثلاث مرات فغضب عبدالغنى السيد وغادر الاستديو، فلم يكن من أبى إلا أن طلب من عبدالحليم أن يغنى الأغنية وكان قد حفظها فغناها أمام الميكروفون ولا قت استحسان أبى والمنتجة آسيا.

وعن رأى الطويل فى صوت حليم يقول زياد «وصف أبى عبدالحليم بأن صوته ليس قويا ولكنه صوت به تفاصيل وموصل جيد، وتم تسجيل الأغنية ولكن اشترطت المنتجة آسيا ألا يظهر وجه عبدالحليم لأنه لا يصلح للسينما، وكان أن أسرّها فى نفسه لدرجة انه بعد ان اشتهر طلبت ان تنتج فيلما له فرفض.

قصيدة لقاء

يضيف زياد الطويل عن مسيرة والده مع حليم قائلا: كان عبدالحليم قد تقدم للإذاعة ورفض بدعوى إنه يغنى « خواجاتي» وكان أبى ألح عليه أن يغنى ويترك العزف فلحن له قصيدة «لقاء» من شعر صلاح عبدالصبور وتقدم مرة ثانية لاختبار الاذاعة وكان أبى قد أذاع الأغنية بالفعل فى ركن إذاعى قبل الاختبار، وكان مدير الاذاعة وقتها الراحل محمد حسن الشجاعى ومعه حافظ عبدالوهاب, وتقدم للاختبار مع حليم مطرب آخر مسنود من الضباط الأحرار, وأقنع والدى حافظ عبدالوهاب بصوت حليم فأجازته اللجنة مع المطرب الآخر واعترافا بفضل حافظ عبدالوهاب وعملا بنصيحة أبى جعل عبدالحليم اسمه الفنى عبدالحليم حافظ . بدلا من شبانة ولأن شقيقه اسماعيل كان مطربا معروفا آنذاك.

وكان عبدالحليم يلتقى أبى كثيرا فى الاسكندرية ودندن أبى «على قد الشوق اللى فى عيونى يا جميل سلم» فعجبت حليم، وطلبا الشاعر محمد على أحمد لاستكمال الأغنية ولحنها والدى وبدأ الشارع كله يغنيها لدرجة أن كامل الشناوى كتب أن هذه الأغنية بمثابة الطبق الطائر الذى حلق بحليم فى سماء الفن.

الأغانى الوطنية

أهم محطة فنية بين الطويل وحليم هى الأغانى الوطنية التى كتبها صلاح جاهين وكانت بمثابة تأريخ للثورة عاما بعام بداية من أغنية السد العالى مرور ا بأغانى «صورة» و»ابنك يقولك يا بطل» و»احلف بسماها وترابها» و»خلى السلاح صاحى» و»بلدى يا بلدى» و»مطالب شعب» لدرجة أن النقاد وصفوا أبى بملحن الثورة مثلما وصفوا حليم بصوتها وبسبب الأغانى الوطنية منع أبى من السفر بالمطار!

أصل الحكاية أن كمال الطويل كان سهرانا فى بيت عبدالحليم مع آخرين منهم رجل لا يعرفه أبى وطلب حليم من والدى تلحين أغنية الثورة السنوية كالعادة كى تذاع فى ذكرى الثورة فرفض أبى بحجة أن الثورة بدأت تنحرف عن مسارها مما سمعه عن ممارسات خاطئة وتعذيب وخلافه، وقال أبى إنه مسافر لأوروبا فقال الرجل الغريب: «يعنى إيه مش هتلحن؟» قال له «أنا حر» وانتهت السهرة.

وفى الأسبوع التالى توجه أبى للمطار فوجد نفسه ممنوعا من السفر, فذهب لعبدالقادر حاتم لأنه كان قد منعه مرة قبل ذلك وسأله فقال له إنه ليس مسئولا عنها, فذهب لوزير الداخلية فقال له: « اسأل صاحبك » وعاد لحليم فقال له الحكاية أن الرجل الغامض كان شمس بدران مدير مكتب عبدالحكيم عامر آنذاك قبل أن يصبح وزيرا للحربية, فاستشار أبى التابعى وكان صديقه, فقال له: « لحن الأغنية واخلص لأن الناس دى مفيش عندها هزار » وبالفعل كلم والدى صلاح جاهين وكانت أغنية « صورة صورة » وبعد مرور السنوات نشكر شمس بدران على منعه أبى من السفر لأننا خرجنا بأغنية جميلة!

من الأغنيات التى يفخر زياد الطويل بانها من تلحين والده النشيد الوطنى السابق «والله زمان يا سلاحي» الذى غنته أم كلثوم، اما آخر أغنية عاطفية لحنها الطويل لحليم «بلاش عتاب» فى فيلم «معبودة الجماهير» مع شادية، كانت ألحان الطويل تتميز بالشياكة والجمال والمصرية الصرفة وكان أبى عاشقا للجمال ولابد أن يتحمس للكلمات، من هنا تستمع لأغانيه مرات دون ان تمل مثل «بتلومونى ليه» و«فى يوم فى شهر فى سنة» وبسبب هذه الأغنيات لفت عبدالحليم انتباه عبدالوهاب وبدأ يتعاقد معه لاستثماره فنيا وتجاريا.

سيارته

وعن سر خلود حليم يقول زياد الطويل: الموهبة أولا والذكاء الشديد وثالثا جيل الكبار الذين أحاطوا به من شعراء وملحنين وكتاب وسياسيين، ورابعا قدرته على الاقناع بأحاسيس جديدة وهو ليس له خليفة لأن الفن وجهة نظر ولا أحد يخلف أحدا، بخلاف المطربين اليوم يدورون كلهم فى حلقة واحدة ويشبهون بعضهم البعض وعينهم على النجاح وليس تقديم أغنية جديدة بوجهة نظر جديدة! وللأسف الغناء والفن حاليا ليس فى هبوط بل تعدى ذلك إلى المشاركة فى إفساد الذوق العام.

وأخيرا يكشف زياد الطويل عن سر مفاده أنه اشترى سيارة حليم الخضراء المرسيدس ذات المقعدين والتى كان يقودها العندليب بنفسه، حيث اشتراها سنة 1986 بمبلغ 12 ألف جنيه وأنفق على تجديدها وصيانتها 35 ألف جنيه ولا تزال بحوزته حتى الآن، ولن يفرط فيها أبدا مهما تكن الاغراءات لأنها من رائحة حليم الذى يعشقه.




الموجى الصغير:

عبدالحليم حبس أبى من أجل «قارئة الفنجان»

صدق العندليب وتعبه وراء استمراره على القمة حتى الآن بعكس جيل «الفيروسات» الغنائية

 أبى كان يرى أن صوت حليم أكثر إحساسا حتى من أم كلثوم وعبدالوهاب





فى خمسينيات القرن الماضى سمع محمد الموجى صوت عبدالحليم وهو يشدو بأغنية «لقاء» كلمات صلاح عبدالصبور ولحن كمال الطويل عبر أثير الإذاعة، لتترك فى نفسه آثرا بالغا دفعه للبحث عن ذلك الصوت المجهول الذى كان وقتها يقدم أغنيته الأولى.

ورغم أن الأغنية لم تحصد الكثير من النجاح حينما أذيعت لأول مرة، إلا أنها فعلت فعلتها فى الملحن الشاب، الذى وجد فى الصوت الغامض ضالته الموسيقية، ليلتقى الاثنان ويرسمان معا مشوارا فنيا استمر ما يقرب من ربع قرن.

كانت بداية تعاون الموجى وحليم أغنية «صافينى مرة» وكانت آخر أغانيهما «قارئة الفنجان» التى اضطر حليم فيها لحبس الموجى فى فندق «مينا هاوس» بالهرم حتى يفرغ من تلحينها!

شهدت علاقاتهما محطات صعود وهبوط، صفاء وجفاء، ود وقطيعة لكنها لم تشهد أبدا إقدام أى منهما على التقليل من احترامه لموهبة الآخر، لحن الموجى لأصوات أخرى وغنى حليم من ألحان ملحنين آخرين لكن ظل يربط بينهما غرام إنسانى خاص فصوت حليم يخلد أى لحن أو كلمات وكل ملحن يعرف ذلك، ليس هو الأقوى ولكنه الأعمق تأثيرا والمشبع بتفاصيل الألم، وهذا ما يحكيه لنا الموجى الصغير عن سر تعلق الموجى بصوت حليم وكيف تطورت علاقة أبيه بحليم.

الأب الروحى

يقول الموجى الصغير: حليم كان بمثابة الأب لنا نحن أولاد الموجى الستة «أمين وأنا وألحان وأنغام ويحيى وغنوة » وكنا نناديه «عمو حليم»، ومرة أخطأت وناديته كما يناديه غيرنا «يا أستاذ» فغضب منى وقال لي: «قل لى عمو لأنى مثل والدك تماما»، وكان يتابع دراستنا ويفرح لنجاحنا ويأتينا بالهدايا والنقود، وفى إحدى المرات سافرت إلى لندن ومعى أخى الأكبر أمين على نفقته الخاصة وفى المطار وجدنا أخاه محمد شبانة يسلمنا شيكا بقيمة 150 جنيها إسترلينيا وكان مبلغا كبيرا آنذاك، ولما عدت وتركت أمين هناك توفيرا للنفقات، غضب منى وقال لى «لماذا لم تظل مع أخيك ولا يهمك المصاريف».

مرة أخرى كنا نجتمع على الغداء فحضر فجأة وكان أبى يعرف بقدومه ولم يخبرنا، ولما حاولنا النهوض لتغيير ملابسنا رفض وقال لنا «اجلسوا أنا سآكل معكم، أنا لست غريبا».

كذلك كنا نزوره يوم الخميس من كل أسبوع، حيث نصل إلى منزله بعد الظهر ونبقى هناك حتى منتصف الليل، واذكر أنه فى إحدى المرات اختلف مع أبى فامتنعنا عن زيارته، حتى فوجئنا به يتصل بنا واحدا واحدا ويسأل عنا ويقول لنا «أنتم عبط، أنتم حاجة وأبوكم حاجة تانية، وخلافنا سوف ينتهي». وأخبرنا أبى بذلك فقال لنا: «اسمعوا كلام عبدالحليم فهو أخى وحبيبي».

وبالفعل ذهبنا للمسرح فى ذلك اليوم وكان حليم يغنى ليلتها أغنيته «نبتدى منين الحكاية» ولم يكن معنا بوكيه ورد فغضب وطلب منا أن ندخل غرفته، لأنها مليئة بالورود ونأخذ عدة باقات منه ونقدمه له على المسرح وفعلنا ذلك.

قارئة الفنجان

يواصل الموجى الصغير البحث فى دفتر ذكرياته فيقول «وصف أبى حليم بأنه هدية السماء للأرض لأنه صاحب إحساس لا يتكرر لدرجة أن حفلاته خارج مصر كان الحضور فيها يتعدى المائة ألف متفرج وكان يسيطر عليهم ويسعدهم فهو غول على المسرح، كان أبى يكبره بست سنوات ولكنهما بدآ معا مشوار الفن وكان أبى يلازمه فى حفلاته عازفا على العود، واعتاد أن يقرأ الفاتحة قبل صعوده للمسرح راجيا من الله عز وجل أن يوفق حليم.

ويؤكد الموجى الصغير أن حليم حبس والده فى فندق «مينا هاوس» بالهرم حتى ينتهى من تلحين قصيدة « قارئة الفنجان »، لذلك قصة لطيفة، فقد تأخر أبى فى تلحين قصيدة نزار قبانى بطريقة أثارت قلق العندليب، فما كان منه سوى اصطحابه لفندق مينا هاوس بالهرم وحجز له غرفه وحبسه فيها، وفى اليوم الثالث لغيابه عن البيت سألت أمى عنه فأخبرها حليم أنه معتقل حتى ينتهى من اللحن، ومرة طلبه بالفندق فردت عليه أمى فغضب جدا وطلب منها أن تتركه حتى ينتهى من اللحن لأن موعد حفلة الربيع اقترب، وأخبرته أمى أنها جاءته بالملوخية التى يحبها، وفى ذلك الوقت كان عبدالحليم يرسل لنا سائقه عبدالفتاح بالنقود كل فترة، وكنا نسكن آنذاك فى منطقة العباسية!

نقطة ضعفى

كان أبى إذا وقع بينه وبين حليم خلاف توارى عنه خوفا من أن يضعف أمامه، حيث كان يقول لنا إنه بمجرد أن يراه ينسى كل غضبه ويأخذه بالأحضان!

ربما كان ذلك بسبب عيون حليم التى كانت تعكس كل آلامه وما عاناه فى حياته من حزن وانكسار ويتم، وبعد رحيل حليم قال أبي: أشعر أنى أعيش كنصف إنسان، لقد كنت أنا وهو إنسان واحد وعندما ألحن له ألحن لنفسى، وقد فقدت صوتى برحيله!

لقد وضع أبى 90 لحنا من بين 500 أغنية غناها عبدالحليم، وأعاد أبى بصوته غناء بعضا من تلك الأغانى مثل «صافينى مرة وكامل الأوصاف وأحضان الحبايب ورسالة من تحت الماء» وكان يقول: «حليم صوتى ونبضى واحساسي»، وفى آخر حديث مسجل لعبدالحليم فى الإذاعة سألوه عن صداقاته فى الوسط الفنى فقال بالحرف إنه لم يخرج إلا بثلاثة أصدقاء هم «كمال الطويل وأحمد فؤاد حسن والموجي».

سر حليم

وعن سر خلود فن عبدالحليم حتى الآن يقول الموجي: سره فى صدقه وإحساسه فهو يغنى من قلبه وليس من حنجرته، يأخذ من الناس ويعطيهم ويذوب فيهم بعكس عبدالوهاب وأم كلثوم اللذان كانا يغنيان من عقلهما كما قال أبى.

كذلك كان فى أفلامه لا يمثل الغناء بل يغنى بالفعل مع أنه مطلوب منه فقط تحريك شفتيه، اسمعه فى « جبار » كما فى باقى أغانيه، نفس الصدق والاحساس، لذلك يظل رقم واحد ويظل بلا خليفة، فى ذكائه وقبوله عند الناس وحنانه وصدقه واختياره للكلمات واللحن وتوقيت الأغنية، فعلى سبيل المثال استغرقت أغنية « رسالة من تحت الماء » 3 سنوات حتى خرجت للنور، وكذلك «قارئة الفنجان »، وكان دائم الاتصال بنزار قبانى لتغيير لفظ أو فهم معنى، هذا هو حليم الذى ليس له خليفة، حتى فى مرضه كان يستضيف الفرقة الماسية لأحمد فؤاد حسن عنده فى البيت ويجرى البروفات فى بيته وهو مريض، أعطى فنه وجمهوره كل شيء فأعطياه بالمقابل الخلود والشهرة فى فترة زمنية قصيرة .

وإذا كانت أغنية « رسالة من تحت الماء » قد استنزفت الموجى وتعب فيها لدرجة أن السنباطى وصف الموجى بأنه جدد فى تلحين القصائد وحرص ألا تكون بها جملا موسيقية كثيرة بل ثلاث جمل تعاشر عقله وأذنه، فأن هناك أغنيات اخرى استغرقت وقتا أقل، مثل «نار يا حبيبى نار » التى استغرقت ثمانية أشهر، و«جبار » لحنت فى يوم واحد، و«مشيت على الأشواك» فى جلسة واحدة بحضور حليم والأبنودى، وكان الموجى يمسك عوده ويبدأ فى الدندنة ويطلب من الله أن يلهمه جملة جميلة وبجواره جهاز التسجيل، فإذا لم يفتح عليه بشيء نزل للشارع ولف ودار بكل مكان وقابل البقال وبائع السجائر وغيره حتى يأتيه اللحن، فإذا جاءه وهو فى البيت سواء كان نائما أو يأكل أو يجلس معنا ينسحب الى غرفته ويفتح جهاز التسجيل ويمسك عوده ويسجل الجملة التى جاءته قبل أن تهرب منه، وكانت أمى تقول: اتركوه لقد جاءته الهفة»!

خلاصة الكلام كما يرى الموجى الصغير أن جيل الموجى والطويل وعبدالحليم لن يتكرر لأنه كان يتميز بالصدق والاتقان والتجويد ولم تكن المادة ولا الشهرة هى الغاية، لذلك نقول إن عبدالحليم وعبدالوهاب وأم كلثوم هم نجوم الغناء للآن وليس لهم امتداد، وعن نفسى أقول: «الميت أبقى من الحي» وليس العكس كما يقول المثل! لأننا وصلنا لزمن يبدو أن الفيروسات سيطرت عليه حتى تمكنت أيضا من الفن والغناء.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق