رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفرص السانحة فى مواجهة الجائحة

دارتْ عجلة الزمان بالإنسان، حتى تَوَهَّمْ أنه قد مَلَكْ، وأحْكَم قبضَتَهُ على المُقَدَراتْ ولكُل أسبابها امْتَلَك، ومَنَحَ ذاتَهُ كل الحقوق، بدءا من تقسيم الأرزاق وتصنيف الأوطان، وانتهاءً باستلابِ الخيراتِ وإعادة ترسيم العالم، إِنَّهُ واقعٌ إنسانيٌ لا يختلفُ عليه صاحبُ فؤادٍ إنسانيِّ الاستشعار، وواقعٌ بيئى لا تَعُوزُه براهينٌ للإقرار، وإلّا ما طرحتْ الأمم المتحدة خِطَتَها للتصالح مع كوكبنا، وترجمتها فعالياتْ أُمَمِيَّة رفعت راية التنمية المُستدامة، وحَمَلتْ مشاريعها أَوَّلَ ما حملتْ صرخاتِ كَوْكبٍ يئن بفعل التغير المناخى، ورغمَ ذلك راحتْ تتعالى أسئلةٌ حول جدوى «الأمم المتحدة» كلها فى عالمٍ جديد ينتظر صُنَّاعُة لحظة ميلادِه؟!. حين توَهَّم إنسانُ زماننا أنه مَلَك، طوتْ يدُ مُلْكِه الجديد، صفحات الفِطَرَ الإنسانية التى خلت، وقررتْ أن تُعيد إنتاجِ إنسانِ العالم الجديد، نموذجًا واحدًا يُطبخ وعيه فى مطبخ العولمة، وتُغْزَل خيوطُ حياته عبر ماكيناتٍ رقمية ديجيتال، وتُحاكُ أثواب توجهاته على قد الاستثمار، حتى أصبحنا مُجرَدَ تروسٍ فى ماكينة العالم، تدور لتضمن لسدنته استمرار السيطرة والسيادة، ويطحنْ بعضُنا بعضًا ليضمن السادة ديمومة السيادة، وبِمُجَرَدِ إطلالة ذاتية على مكوناتِ حياتنا سنكتشف عُمْق الهوة التى تفصلنا عن فِطرتنا السوية، إيمانًا يدعو للتعايش، وتعايش يؤهِلُ للإعمار.

استبد وهمُ المُلك بإنسانِ زماننا، حتى باتت الرعيِّةْ فى حمى راعٍ لا يرعى إلا مصالحُه، والتى بدورها باتت تتحكم فى مكوناتِ الإنسان المعاصر، فشاعت عِلَلُ التعصب والتطرف والاستعلاء، واستبدَ كلُ صاحبِ مصلحة بدوائر سلطانه، فأحال أصل التعايش إلى تنافس ثم تنافر، ومضى التصنيفُ مبضع يمزق البدن الإنسانى هو الأصل الواحد، إلى عالمٍ أوَّلْ وآخر ثالث، ثم إلى فرقٍ جنسية وعرقية ودينية وطائفية، تتغذى على فُتاتُ أصحاب المصالح، وتُغذى سلطان مُلكٍ عالمٍ جديدٍ يتبارى سدنته فى توزيع قواعدهم العسكرية، وتوسيع دوائر حضورهم فى مشاهد الأوطان والشعوب علنًا وسرًا، مُعدينَ لكلُ ميدانِ سلاحه الفتاك، ولكلِ ساحةٍ عُدتها المُهلِكة، دونما اكتراثٍ لحق إنسانى أو قانون وضعيّ أو عرفِ أممى، وبذا تَوَهم السدنة أن الدنيا قدْ دانت، وأنْ ساعة قِطاف ثمارها قد حانت، حتى قررتْ الطبيعة أن تثأر لفطرتها المُنتهكَة ولإنسانها المُشوَهْ.

أجهزَت الطبيعة فى غضبتها على كلَ سيناريوهاتْ الفزع الاستباقية، وتجاوزت فى ثورتها كلَ أجهزة الرصد وتقنيات الإنذار المبكر، لتُخْرِجَ لسانها ساخرة من كل سدنة العالم الجديد، الذى أتاه بأسُها من حيث لم يحتسب، فيروس لا يُرى لكِنَّه امتلك من أسباب القوة ومؤهلات تطوير الذات، ما منحه مُلكًا سُليمانيَّ المهابة، أحال بنى الإنسان إلى نملِ فى حضرته ينادى مناديهم «يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ»، إنَّهُ النداء الذى عمَ حاضرات الدنيا الحديثة منها والقديمة، فأحال ضجيجها إلى الصمت، ومُحركاتها إلى السكون، وبيوتاتها إلى العُزلة، ووضع كلَ معنيٍ بالإدارة بين مسئوليته وفِطرة الخوف على الحياة من الغازى المجهول، ووضع كلَ صاحبِ سيادة من أفراد الشعوب، فى موقع المُتسيد على ثغر الحياة، إذ غدا مسئولًا بيده القرار وعلى عاتقه تقع التبعية فردية وجماعية،لم يغضب الفيروس الغازى للطبيعة المُنتهكة، وإنما أعادَ السلطان للإنسان الفرد، وولاه مهمة المواجهة انتصارًا للحياة وفطرتها.فى زمن الكورونا فرضُ عينٍ أن يمتلك الإنسان الفرد قراره، واضعًا على رأس أولوياته البحث عن النجاة، وفى الموروث الإسلامى يسأل الصحابى «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ» رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم مَا النَّجَاةُ؟، لتأتيه الإجابة (امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)، وبقراءة النص النبوى بعين التهديد المُتمثل فى كورونا، تُصبح استراتيجية الفرد المُستهدفةِ للنجاة، قائمة على أعمدة ثلاثة، أولها يهدف إلى توحيد الخطاب الإعلامى الكاشف بغير تهويل يُثير الفزع، والُموَعى بغير تشتيت يُخرجُ عن الغاية. وثانيها يهدف إلى الكمون الإيجابى فى البيتِ حيث الفُرصة لاستدراك ما فات من ترتيب الشأن الخاص، وتنمية القُدرات الذاتية واستعادة الصفات الإنسانية الفطرية. ثم أخر أعمدة استراتيجية النجاة، يهدف إلى مُراجعة الذاتْ فى كل المجالات والحقول والساحات، ومَنْ مِنَّا بلا خطيئة، وكمْ فينا من قصور أنتج إدارة عالمٍ تُشبهُ قصورنا وتشوهنا. إن البحث عن النجاة من جائحة كورونا، بقدر ما يفرض من قلق فطرى على المصير، إلا إنه يمنح الإنسانية فرصًا سانحة لتصويب المسير، ويعيد للشعوب بكل مكونها حق إدارة معركة النجاة، ويضع كلَ مُكَلَفٍ بالإدارة فى أقطار الدنيا، أمام تحَدٍ من نوعٍ مُختَلفِ، إذ أنه يُدير حرب الإنسانية من أجل البقاء مباشرة وإلى جواره أصغر أبناء شَعبه، معركة حين ينتصر فيها الإنسان سيخرج بشعوبٍ وإداراتٍ ترى إعمار الحياة وإدارتها بعيونٍ أكثر إنسانية.


لمزيد من مقالات عبدالجليل الشرنوبى

رابط دائم: