رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اليوم التالى لانتهاء أزمة كورونا

قد تطول أزمة فيروس كورونا المستجد لبضعة أشهر أخري، وقد تنتهى بشكل مفاجئ بإعلان التوصل إلى اللقاح المناسب، لكن ما سيبقى هو التحديات والدروس التى كشفت عنها خبرة العالم مع هذا الفيروس. بجانب التكاليف الاقتصادية والبشرية المباشرة التى دفعها المجتمع الدولى بسبب هذا الفيروس، سيظل هناك سؤال كبير حول مستقبل ظاهرة العولمة، والتى قامت بدورها على فلسفة أساسية جوهرها إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام تجارة السلع والخدمات، والاستثمارات، وحرية التنقل والتفاعل البشرى (السياحة بمختلف أنماطها، والبعثات التعليمية...إلخ)، بالإضافة إلى عولمة عمليات الإنتاج نفسها عبر ما يعرف بسلاسل الإنتاج.

المستوى المتقدم من العولمة الذى وصل إليه النظام الاقتصادى العالمى كان عاملا رئيسا فى سرعة انتشار الفيروس المستجد من منطقة المنشأ (مدينة ووهان الصينية) إلى باقى أقاليم العالم دونما تمييز. وظلت آلية العزل هى الآلية الأساسية فى مواجهة الفيروس، بدءا من العزل الفردى وصولا إلى مستويات متفاوتة من عزل الدولة والمجتمع عن باقى الوحدات الدولية (فرض قيود على السياحة والتجارة والطيران.. إلخ). وهكذا، كانت العولمة سببا فى سرعة انتشار الفيروس، وفى مقدمة المتضررين منه أيضا.

هذه الحقائق ستخلق جدلا كبيرا بعد انتهاء الأزمة حول طبيعة ظاهرة العولمة بسماتها الراهنة. هذا الجدل ليس من المتوقع أن يكون رشيدا أو موضوعيا، لكنه سيخضع لدرجة من التسييس والاستقطاب بين تيارين رئيسيين:

التيار الأول، سيتركز داخل الولايات المتحدة، مدفوعا بتوجهات إدارة ترامب ومبدأ أمريكا أولا. هذا التيار سيعمد إلى الربط بين الاقتصاد الصينى ونشوء الأزمات الاقتصادية الدولية والتهديدات غير التقليدية. وسيتم فى هذا الإطار استحضار أزمة سارس (2002- 2003)، والأنماط الاستهلاكية والغذائية الصينية وربطها بهذا النوع من الأزمات الاقتصادية. بمعنى آخر، سيسعى هذا التيار إلى الترويج لمقولة إن صعود الوزن النسبى للاقتصاد الصينى سوف يستتبعه مزيد من التهديدات داخل الاقتصاد العالمي.

قد يتم أيضا استحضار الجدل الذى كان قد نشأ عقب الأزمة المالية الآسيوية فى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضي، والتى تبعها جدل كبير بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة حول العلاقة بين الأخيرة والأزمات المالية والاقتصادية العالمية. صحيح أن الأزمة الحالية مختلفة فى مصادرها وطبيعتها عن أزمة التسعينيات، لكن المناخ العام الذى سبق أزمة فيروس كورونا المستجد سيسهم بالتأكيد فى إحياء الجدل المسيس حول مستقبل ظاهرة العولمة، بشكل عام، وموقع الاقتصاد الصينى داخلها، بشكل خاص. سيطرة مبدأ »أمريكا أولا«، وما تبعه من انسحاب الولايات المتحدة من بعض الاتفاقيات ذات الصلة بظاهرة العولمة الاقتصادية، وعلى رأسها الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP فى يناير 2017، ثم بدء حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين فى منتصف 2018، وما تبعها من جدل حول استقرار مبدأ حرية التجارة، كل هذه عوامل تشكل سياقا غير صحى لهذا الجدل المتوقع بعد انتهاء أزمة كورونا.

التيار الثاني، سيتركز داخل الصين، وسيدافع بكل قوة عن ظاهرة العولمة لأسباب لا تتعلق فقط بالمصلحة الصينية فى استقرار هذه الظاهرة، على خلفية ارتباط النمو الاقتصادى الصينى بهذه الظاهرة، والمرحلة الجارية فى الانفتاح الاقتصادى الصينى -على مستوى الاقتصاد القومى واقتصادات المقاطعات المحلية- فضلا عن التغيير الجارى فى مصادر النمو الاقتصادى فى اتجاه تزايد الاعتماد على الطلب الخارجى بسبب ظاهرة الفائض فى القدرات الإنتاجية التى يعانيها العديد من القطاعات الاقتصادية الصينية، ولكن بالنظر أيضا إلى الربط المتوقع بين تزايد الثقل النسبى للاقتصاد الصينى داخل الاقتصاد العالمي، وتزايد حالة الاعتماد المتبادل مع الاقتصاد الصيني، من ناحية، واحتمالات انتقال الأزمات الاقتصادية الصينية إلى الاقتصاد العالمي، من ناحية أخري، وهو ربط ـ كما سبق القول ـ لن يخلو من تسييس ملحوظ.

الصين لديها فى هذا الإطار بعض المفاهيم المهمة التى طورها الرئيس شى جيين بينج، وعلى رأسها مفهوم مجتمع المصير المشترك، فضلا عن المعنى المهم الذى قدمته الصين لمفهوم المسئولية الدولية ليشمل أبعادا اقتصادية وتنموية بعيدا عن اختزاله فى المعنى السياسى الذى تبناه الغرب (المسئولية عن نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان). هذه المفاهيم تمثل مدخلا مهما لضبط الجدل المتوقع حول ظاهرة العولمة، لكن ذلك يحتاج إلى شروط.

خبرة أزمة كورونا المستجد، رغم كل تبعاتها، توفر فرصة كبيرة للصين لتأكيد مصداقية هذين المفهومين ودرجة التزامها بهما، كأساس ليس فقط لتصحيح اختلالات ظاهرة العولمة ـ وهو أحد التوجهات الصينية المعلنة منذ سنوات- لكن أيضا لضمان ترشيد الجدل المتوقع حول تلك الظاهرة وموقع الصين بها. الأمر يتطلب مشاركة الصين مع العالم لخبرتها فى إدارة الأزمة، بدءا من الطريقة التى نشأ بها الفيروس، وطريقة انتشاره، والإجراءات المستخدمة فى مواجهته وتطويقه، وطرق العلاج المستخدمة حتى الآن...إلخ من المعلومات ذات الصلة. مثل هذه المشاركة ستقلل بالتأكيد من فرص تسييس الجدل المتوقع.


لمزيد من مقالات د. محمد فايز فرحات

رابط دائم: