رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إثيوبيا ومعضلة دول الجوار

عندما اجتاحت تركيا شمال شرق سوريا قبل عدة شهور، علّقتُ بالقول إن هذا الاجتياح يمثل جزءا من المشروع التوسعى التركى الذى أعتبره أخطر من المشروع التوسعى الإيرانى بسبب التواصل المذهبى بين تركيا والأغلبية السنية فى المنطقة العربية . ومن بعد أثار هذا الموضوع الصحفى الكبير عماد الدين حسين فى مقال بجريدة الشروق يوم 19 نوڤمبر 2019 تحت عنوان «أيها أخطر: إيران أم تركيا أم إثيوبيا أم إسرائيل؟». وفى واقع الأمر فإن السؤال عن ترتيب التهديدات الآتية من دول الجوار، إنما هو سؤال ما كان ينبغى له أن يُثار أصلاً لو كان هناك اقتناع بأن الأمن القومى العربى كله واحد، وأن ما يهدد إحدى الدول العربية بشكل مباشر وفورى يهدد سواها بشكل غير مباشر ولو بعد حين، فلو أعملنا الحسابات الچيوبوليتيكية الضيقة فإن أحدا لم يكن يتصور أن دولة مثل تركيا يمكن أن تهدد أمن حوض النيل بتسللها إلى السودان والصومال، لكنها فعلت  . وما أبعد إيران عن المغرب و رغم ذلك قُطعت العلاقات الإيرانية ـ المغربية بسبب التدخلات الإيرانية فى الشؤون الداخلية للمملكة المغربية بأشكال وأدوات مختلفة . وذلك أنه كلما نجحت أى دولة فى زيادة أهميتها الچيواستراتيچية ومراكمة أوراق ضغطها، فإنها تستخدمها أو يستخدمها آخرون من أجل تعظيم المنافع . تلك المقدمة تبدو ضرورية قبل أن أدخل فى موضوع السد الإثيوبى كجزء من معضلة دول الجوار، أخذاً فى الاعتبار أننى لا أتعامل مع إسرائيل كدولة جوار، فموضوعها مختلف، وهى الحاضر الغائب وراء كل تهديدات الأمن القومى العربى .

على مدى تسع سنوات كاملة أرهقتنا إثيوبيا بسلسلة من المفاوضات فى أطر مختلفة لم تتخلف مصر عن أى منها، وفى تلك الأثناء داوم المفاوض المصرى على التمييز بين أمرين أساسيين، الأول أن مصر ليست ضد حق أى دولة فى التنمية بدليل أنها ساعدت بعض دول حوض النيل - آخرها تنزانيا - على بناء سدود بغرض توليد الطاقة الكهربائية، والثانى أن نصيب مصر من مياه النيل هو مصدرها الوحيد للمياه، وبالتالى فكل المطلوب هو ألا يؤثر ملء خزان السد الإثيوبى على حق المصريين فى الحياة . وفى المقابل كان سقف الموقف الإثيوبى يرتفع أكثر فأكثر وصولا إلى الحديث عن أن نهر النيل هو نهر عابر للحدود وليس نهرًا دوليا، الأمر الذى يعنى حق إثيوبيا فى التصرف فيه كيف شاءت ويمهد لطرح فكرة تسليع مياهه أى طرحها للبيع . هذا السيناريو تكرر طبق الأصل مع تركيا عندما راوغت كلاً من سوريا والعراق لمدة سبع سنوات من 1983 حتى 1990 فيما يخص سد أتاتورك على نهر الفرات، وفى النهاية لم تأخذ مصالحهما بأى اعتبار وقامت بتعطيش الدولتين لمدة شهر حتى تملأ الخزان . أفتح قوسين هنا لأقول إن فترة الثمانينيّات كانت فترة توتر شديد فى العلاقات السورية -العراقية بسبب وقوف سوريا بجانب إيران فى حربها مع العراق، وهذا ما شجع تركيا على أن تمضى قدماً فى ملء خزان السد غير عابئة باعتراضات الدولتين العربيتين . لكن تدور الأيام ويظهر تهديد تنظيم داعش وتأخذ الدولتان فى التنسيق الأمنى لمنع انتقاله بين حدودهما. وفى السياق المصرى، فرغم أن السودان الشقيق  تحفظ على مجرد إصدار وزراء الخارجية العرب بيانا يتضامن مع حقوق مصر المائية، ويؤكد قواعد القانون الدولى، إلا أن مصر بادرت بالوقوف إلى جانب السودان فور تعرض رئيس وزرائه للعملية الإرهابية الأخيرة فمصر تدرك أن أمن السودان من أمن مصر .

أما وقد أعلنت إثيوبيا أنها ماضية فى بناء خزان السد دون ارتباط باتفاق ينظم تلك العملية فما العمل ؟ هناك مستويان للتحرك، أحدهما فى الأمد القصير والآخر فى الأمد المتوسط . أما التحرك قصير المدى فلقد بدأ فعلاً بمحاولة حشد التأييد العربى لدعم الموقف المصرى، وهناك بالتحديد بعض الأطراف العربية التى يمكن أن يكون دعمها مؤثرا على تليين الموقف الإثيوبى المتعنت، وذلك نظرا لأن هذه الأطراف العربية تعد من أكبر مستوردى الماشية والبن اللذين هما عماد الصادرات الإثيوبية، كما أن لهذه الأطراف العربية استثمارات كبيرة فى إثيوبيا وتستعين بكثافة بالعمالة الإثيوبية . بناء عليه وبمنطق حماية الأمن القومى العربى فإن الدعم العربى لمصر ـ بما يتجاوز حدود بيانات التأييد والمساندة- يعد أمرًا ملحًا وضروريًا، فهذه هى القاعدة التى تتوخاها السياسة الخارجية المصرية فى تعاملها مع التهديدات التى يتعرض لها أمن الدول العربية .  وكمثال فإن إيران لا تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومى المصرى لا حدوديا ولا ديموجرافيا ومع ذلك اعتبرت مصر أن أمن الخليج خط أحمر بالنسبة لها وأكدت ذلك مرارا وتكرارا، وعندما وقع الانقلاب الحوثى على الشرعية فى اليمن شاركت مصر فى عاصفة الحزم، وكان أبرز أبعاد مشاركتها مراقبة السواحل اليمنية لمنع تهريب السلاح للحوثيين . أما التحرك على المستوى المتوسط فإنه يتطلب تطوير علاقة مصر بدول حوض النيل كافة وخلق شبكة من المصالح الاقتصادية مع تلك الدول، ولا ننسى أنه إبان تأزم العلاقات الإثيوبية -الإريترية لم تستغل مصر هذا التأزم لمصلحتها، بينما أن القاعدة فى العلاقات الدولية تفيد أنك كلما وسعت من هامش حركتك وأقمت علاقات متوازنة مع كل الأطراف زادت قدرتك على ممارسة التأثير .

أختم فأقول لا نتوقع علاقات متوازنة مع دول الجوار إن كانت العلاقات العربية -العربية نفسها غير متوازنة، فلأن سوريا تُركت وحدها تجرأت تركيا - التى تحتل أرضاً سورية -على اقتراح تقاسم بترول دير الزور مع القوى الكبرى كى لا يظل البترول فى أيدى «الإرهابيين» الذين هم أكراد سوريا بالمناسبة!! 


لمزيد من مقالات د. نيفين مسعد

رابط دائم: