رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم.. تجلى الجميل

إنسان فرد موهوب وجاد فى عمله، أدرك باكرًا أن عالمه هو الإبداع والعمل الثقافى المنظم فى دأب واجتهاد واقتدار، وذلك فى تغاير مع بعض الأساطير الشائعة حول الكتابة والكتاب، والشعراء الغاوين، حيث الغرابة، ومحمولاتها وبعض من سلوكياتها التى تمد هذا النمط من الصور الغرائبية حول الشاعر والكاتب، وانتهاك المألوف من أنماط الحياة السائدة فى القيم والأخلاقيات الدينية والوضعية التى تهيمن، وتصيغ حياة الجموع، وتهندس سلوكهم وإدراكاتهم، ووعيهم المحاصر ضمن الهندسات الأخلاقية والدينية المسيطرة، وطموحاتهم ونزواتهم. محمد عيد الصديق الغالى, الراحل المقيم, مبدع أدرك عن وعى موهبته، وخياراته الحرة فى الانخلاع عن المدارس الشعرية التاريخية الكلاسيكية والحديثة، وأنها غير قادرة على استيعاب موهبته ورؤاه وعالمه وصوره وتراكيبه وتجاربه وأسئلة عصره ووجوده. من ثم اختار الإبحار فى فضاءات واسعة فى سعيه إلى معرفة عالم جديد مفتوح على الشرط الإنسانى الجديد والمختلف، وعلى عمق الألم الأنسانى ودواخله الفردية الكونية وخروجه السافر عن لاهوت الشعر المسيطر على حياتنا. محمد عيد الجميل ذو الروح اليقظة والعقل الخلاق شاعر استثنائى بين موهوبين من مجايليه والأجيال اللاحقة من شعراء قصيدة النثر فى مصر وعالمها العربي. استثنائية ارتبطت بعالمه الشعرى الخاص ولغته وقاموسه واستثنائية تكوينه الأدبى الجمالى واللغوى التى تنطلق من المعرفة والدأب والمتابعة للإنتاج الأدبى المصرى والعربى، والأهم متابعته الدءوبة للإنتاج الإبداعى الروائى والشعرى العالمى فى اختياراته المتميزة.

الصديق الشاعر والمترجم والمثقف الكبير محمد عيد إبراهيم اتسم بالطابع الريادى فى مبادراته الترجمية الشعرية والروائية والنقدية التى لوهلة تكشف عناوينها عن ذائقته الرفيعة وحساسيته الخاصة ومنها قصة حب للكاتبة آن سكستون، ونهايات للعظيم ديرك والكوت، والهايكو ورحلة حج بوذية يابانية، وديوان الشعر السويدى، وجمهورية الوعى مختارات شعرية، والنمر الآخر أشعار بورخيس، وسبع قصائد لبول أوستر. عوالم شعرية متعددة ترجمها ببراعة إلى العربية، على نحو يكشف عن انفتاح وانشغاف واطلاع على عوالم رحبة من الإبداع الشعرى الكوني. دور المترجم القدير لم يقتصر على الشعر، وإنما امتد الى الرواية، حيث ترجم للعظيمة تونى موريسون جاز، و فالس للوداع لكونديرا، وفنانة الحسد لدون دبيليو، وجوستين للماركيز دو صاد، وبنت مولانا لمورل مفرى، وجنوب الحدود.. غرب الشمس لهاروكى موراكي. من ترجمة الإبداع إلى ترجماته النقدية المتميزة الخلاص بالحرية، الضوء المشرقى، ونبوءات دافنشى، ومقدمة لقصيدة النثر، ودورة ما بعد الحداثة لإيهاب حسن. إنتاج الشاعر والمترجم الكبير الأستثنائى محمد عيد إبراهيم، كاشف عن هذا التكوين الثرى متعدد المصادر والأدوات من هنا استثنائيته مع بعض مجايليه وبعض الموهوبين فى تشكيل الأجيال اللاحقة. لاشك أن هذا التكوين المتفرد شكل أرضية خصبة وخلاقة رفدت إبداعه الشعرى فى دواوينه، فحم التماثيل، الملاك الأحمر وخضراء الله، والسندباد الكافر، وعيد النساج. من هنا لعب دورا متميزا فى جماعة أصوات الشعرية التى كانت مع مجلة إضاءة تعبيرا عن هموم ومكابدات جيله. وشارك محمد عيد فى إصدار مجلة الكتابة السوداء. حركية إبداعية ونشاط فاعل فى إطار حركة قصيدة النثر، وترجمت أعمال له إلى عديد اللغات الأجنبية. محمد عيد لم يكن شاعرا ومترجما كبيرا، وإنما ناشط فاعل فى العمل الثقافى. عمل محمد عيد مستشارا لمجلة تيوليب الشعرية الأمريكية، ولمدونة باتاى. التكوين المعرفى المتعدد المصادر والروافد اللغوية والثقافية العربية والانجليزية، أدت إلى انفتاح عقل الشاعر والكاتب القدير فى اختياراته للترجمة فى الرواية لتونى موريسون وكذلك ميلان كونديرا وآخرون من الذين شكلوا جزءا رئيسيا من السرديات الروائية الجديدة فى الأدب العالمى والكونى، أى ترجم لبعض من بناة العالم وفق تعبير باتاى. أسهم هؤلاء وغيرهم فى صياغة اللغة والأخيلة والأستيهمات والكتابة المغايرة التى أسست لعوالم فذة وخاصة، وإنسانية حاملة لهموم الإنسان الوجودية ومصيره وآلامه وإحباطاته ويأسه وملله وعزلته وأشواقه وصبواته. كتابة مختلفة حملت وحولت تفاصيل حياة الفرد/ الإنسان فى الوجود الى مادة تخيلية للسخرية، وعجز الإرادة وفتور الهمة لفضح الحياة الاستعراضية المشهدية والآلية فى العالم الحديث والمابعديات، حيث الخوف والاسترابة والعجز والتغير إلى ما بعد الإنسانية. مادة سردية وتخييلية هتكت أنماط الحياة الاستهلاكية المفرطة وطابعها الآلى، وسطحية المشاعر وخواء الحواس ومخاتلات الوجوه الباردة وزيف علاماتها.. الخ. حياة حافلة بالعمل الجاد والإبداع والترجمة، شكلت ما يمكن أن نطلق عليه وعليها تجلى الجميل -استعارة من عنوان كتاب- تجلى جميل، هانس جورج جادامر تجديد روبرت برنا سكونى، وترجمة ودراسة وشرح د. سعيد توفيق-. حيث كان محمد عيد الموهوب المنتج يوزع الجمال وتجلياته للجماعة الشعرية والأدبية والثقافية المصرية وفى العالم العربى. شخصية ودودة اتسمت باللطف والذكاء والهدوء والتوازن والروح النقدية. شاعر عرف الحياة والدنيا من خلال متابعاته وأبدع وأنتج فى هدوء وتراكم ومحبة لشعره وعمله، ومن ثم سيظل حاضرا من خلال دوره ومنجزه، وروحه الجميلة الوثابة، فى عالم قصيدة النثر، وبين محبيه وعارفى فضله. عمت مساء أيها الصديق المقيم فى روحنا محمد عيد إبراهيم.


لمزيد من مقالات نبيل عبد الفتاح

رابط دائم: