رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«أيوب» فى مواجهة «كورونا» ومستثمريه

أَيُّوبْ ابنٌ لضفتى نيلٍ وديع، تعاشقتْ فى جيناته أصولٌ إفريقية مع أخرى عربية، وخالطت عجينة ثقافته مشاربٍ حملها الغزاةُ حينًا، والنازحون أحيانًا أخري، عاشْ أَيُّوب أصيل الجذور فاختار مما وفدَ عليه أصلًا وثقافة ما يُناسب قَدَ جِذْرِهْ، حتى غدا أَيُّوب المصرى قادِرًا على كل إبداعٍ إن فَعَّلَت طاقاته جدارة الإدارة، وخامِلًا عن كلِ فِعْلٍ إن أَهَمَلت قُدراته أولويات أَيَ إدارة، وفى عقود خلتْ فسدت وأفسدتْ، طالتْ فترات خمول أَيُّوب، لتفصله عن الإحساس بقدراته، وتعزِلَهُ عن التدبر فى مواطِن مُقَدَرَاتِه، وأورَثَهُ طول الكمون شَكًا فى كَوْنِه عضوًا فى جمعية عمومية لأصحاب السيادة فى وطن، والُمستخلَفين فى الأرض إعمارًا، لكن هذا الشك سرعان ما تبدد فى جولتى ثورة، كلتاهما أورث أَيُّوبْ حنينًا لأصلِه الكامن تحت الأدران، ذلك الذى تجلى فى مواجهة المستبد بالوطنية حتى تَنَحي، ثم فى مواجهة المستبد بالدين تنظيمًا حتى عُزِل، بعد جولتى الثورة استنفَر أَيُّوب كل طاقاته، ليعود فاعلًا فى وطنٍ، يغدو بإيجابية بنيه فاعلًا وُمَفِعِلًا لمُحيطه العربى والإفريقى والإنساني.

يملك أَيُّوب من تاريخ الذكرى القريب، ما يُجسد الفرق بين تعطيل طاقاته وتفعيلها، وتحيل ذكرى أيامنا هذه كل أَيُّوب إلى نموذج بات رمزًا للإرادة الوطنية الخالصة، جسده الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري، والذى آثر أن يتصدر صف جنده ليكون النموذج فعِلًا ميدانيًا لا مُجردَ تخطيطٍ وتوجيه، فكان أن جاد بروحه فى جبهة العز، وهو يُدير الجولات الأولى من حرب الاستنزاف، لتنهال شظايا طلقة مدفعية على خندقه، وتصعد روحه إلى باريها يوم 9 مارس 1996، وتُعَمِد بدمائها الطاهرة ترياقَ الاستشفاء المصرى من آثار التعطيل والإهمال انكسارًا وهزيمة فى 1967، وتقود الجند والشعب إلى مداواتها بالتفعيل والتطوير احتشادًا وانتصارًا فى 1973، إنَّ هذا تداعٍ لذكرى لا يُمَثِل فاصِلًا فى تداعى المسير نحو توصيفِ الواقع واستهدافاته المحدقة بنا، والتى يتساوى فيها استهداف كل أَيُّوب فى أى موقع، ليغدو علينا أن نشك فى قُدرتِه حين قاد وحارب فانهزم ثم انتصر، تمامًا كما نشك فى قُدرتِه على أن يُواجِه إرهابًا أو يحمى حدودًا أو يذود عن مُقدرات، فى كلٍ مطلوب من أَيُّوب الفاعل أن يَشكَ فى قُدرته على الفِعل، ومطلوب من كل أَيُّوب يُتابع أن يتشكك فى قُدرات بنيه على كل جبهة وأى جبهة!.

الجبهات التى عليها يُستهدَف أَيُّوب، ليست فقط جبهات القتال الصريح، أو المؤسسات المعنية جيشًا وشرطة، بل تشمل دوائر الاستهداف أبسط المواطنين وأصغرهم، حربًا شاملة توجه كلَ أسلحتها صوب عقل كل أَيُّوب فى أى مجال، ترفعُ راية الأوجاع الحياتية مُتاجرة، وتدعى الذوّد عن المُقدرات متاجرةً، وتتباكى على كل مصاب مُتاجرة، وترتدى مسوح الدين وعباءته مُتاجرة، لتتحرك فى كل مدى وعلى أى جبهة، مُوَجِهَةً جراثيمها عبر أبواقها الإعلامية خناجر، وقواعدِها المُنساقة أو المستأجرة حناجر، جميعها تُحاصر كل أَيُّوب أينما اتجه، تُعيد عليه السيناريو القديم لعبثية تفاعل قوم جحا معه حين سار راكبًا حماره وإلى جواره ابنه، إذ يغدو على كل أَيُّوب أن يَشُك أنه يملك فِكرة، فإن امتلكها فهى مُجرد دعاية، فإذا ما وضع لها خُطةَ تنفيذ فسيكون مآلها فنكوش، وإن استحال التنفيذ فِعلًا فهو بالتأكيد سبوبة، وإن تجاوز الفِعل التنفيذ إلى الإنتاج فمصيره الخسارة لأنه لن يكون مطابقا للمواصفات، وإن اعترى الإنتاج ـ تقييمًا وتقويمًا ـ فذاك الدليل على فشل المشروع!، وهكذا يمشى كل أَيُّوب فى محيط سهام استهدافٍ تُحاصر طاقاته حتى تُجهِض بها أى عزم، وتُمرِض منها كل أمل.

كتبت الأقدار على أَيُّوب أن يُضافَ كورونا على مُهَددات مصيره، وأن يغدو للفيروس الغامض فى واقعنا المصرى فزعه الصحى الذى نتوافق فيه مع باقى الإنسانية، وفَزعٌ خاص تم صنع استراتيجيته فى غرفٍ تنظيمية إخوانية، وتدعمها طموحاتٍ عثمانلية قطرية مهووسة، وأخرى أُممية مدروسة، جميعها قررت أن تجعل مصر موطنًا لوباء مسكوتٌ عنه، وحين أُعلنَ رسميًا عن حالات إصابة قرروا أنها أقل من الحقيقي، وعندما تواترت الأنباء عن تأخر الحالة الصحية للمريض واجهته التغطيات المُغرضة بفرحةٍ عارمة!، لا يعد هذا النموذج إلا تنويعًا على استراتيجية ثابته جربناها فى كل أزمة مرت أو اصطنعت فى هذا الوطن، وبالتالى يظل استهداف كل أَيُّوب باستخدام كورونا أو غيره ليس إلا حلقة فى مسلسل مستمر تجاوز مجرد إرباك مشهد الإدارة إلى ضرب مكامن القوة لدى كل أَيُّوب باعتباره صاحب السيادة، وهو ما يجعل طاقاته مُعطلة إمراضًا، ويُحاصر كل أملٍ فردى أو جمعى إجهاضًا، وذا الأخطر على المصير، والفارض لاستنفار كل طاقات التحصين والتفعيل والتثوير تطويرًا.


لمزيد من مقالات عبدالجليل الشرنوبى

رابط دائم: