رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كيف تتقدم المجتمعات و الدول؟

كتبت من قبل فى هذا المكان أنه من بدايات الفكر العربى الحديث فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، انشغل المفكرون العرب ـ على اختلاف توجهاتهم ومجتمعاتهم وظروفهم ـ بسؤالين رئيسيين: لماذا التخلف؟ وكيف تتحقق النهضة أو التقدم؟ انصرف السؤال الأول إلى تفسير أسباب التخلف الذى أصاب المجتمعات العربية الإسلامية، أما السؤال الثانى فقد اتجه إلى دراسة خبرات المتقدمين والاستفادة منها واستخلاص عبراتها ودروسها.

كان هذان السؤالان هما محور رسالة رواد الفكر العربى مثل جمال الدين الأفغانى ورفاعة رافع الطهطاوى وعبدالرحمن الكواكبى والشيخ محمد عبده فى مصر، وخير الدين التونسى فى المغرب العربي، وأحمد فارس الشدياق وبطرس البستانى وفرانسيس المراش فى الشام. كما كانا محوراً لعديد من الكتب المترجمة لعل من أبرزها كتاب المؤلف الفرنسى أدمون ديمولاس بعنوان سر تقدم الإنجليز السكسونيين» والذى ترجمه أحمد فتحى زغلول وصدر فى القاهرة عام 1922 .

وإذا كان ذلك صحيحاً وقتذاك، فإنه يصبح أكثر صحة اليوم فى هذا العالم الذى نعيش فيه ويزداد تداخلاً وارتباطاً. فمن الضرورى أن نتأمل فى خبرات الشعوب الأخرى وأن نتعلم منها. ومع التأكيد أنه لا يمكن نقل خبرة مجتمع ما إلى مجتمعات أخرى بشكل كامل أو حرفي، لأن خبرة أى مجتمع هى حصيلة تاريخه، وثقافته، وموارده الاقتصادية، ومساحته، وعدد سكانه، وشكل نظامه السياسى ....الخ. إلا أنه من المؤكد أيضاً أنه يمكن استلهام دروسها والاستفادة منها. ومع نجاح عدد متزايد من الدول فى آسيا فى اختراق حاجز التخلف وتحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي، صدرت كتب وبحوث عديدة عما تم تنفيذه من سياسات اقتصادية واجتماعية فى هذه الدول، واستخلاص العناصر المشتركة بينها.

وأحد الاستخلاصات المهمة من خبرات هذه الدول الناهضة هو دور الثقافة السائدة والأفكار والمفاهيم التى يتبناها غالبية الأفراد فى المجتمع. ذلك أن أحد العناصر الأساسية فى عملية التنمية هو التغيير الثقافي، والتحول من ثقافة التخلف إلى ثقافة التقدم، ومن ثقافة الركود إلى ثقافة التغيير، ومن ثقافة الرضاء بأنه ليس فى الإمكان أحسن مما كان إلى ثقافة التطور والارتقاء.

وعلى سبيل المثال، إذا ساد بين أبناء مجتمع ما أن الفقر أو التخلف أو الجهل هو قدر مفروض لا يمكن الفكاك منه، فإن امكانية التغيير أو تحسين الأوضاع السائدة تغدو مستحيلة. وبالعكس، فإذا ساد بأن أوضاعهم السيئة ليست قدرًا مفروضًا وأنها نتيجة لسياسات عامة خاطئة وأن التغيير ضرورى وممكن، وأنهم يمكنهم تحقيقه، فإنه يصبح أمراً مُتاحًا.

ومعنى ذلك أن المناخ الفكرى والثقافى للمجتمع هو عنصر محدد لإمكانية التقدم ولحدود التغيير. وعندما نتأمل فى مفهوم ثقافة التقدم ونفحص العناصر التى تتكون منها، يمكن الحديث عن اربعة مكونات أساسية:

المكون الأول، هو حب الوطن والافتخار به، فالتقدم فى نهاية الأمر يعكس فى أحد جوانبه حب الإنسان لبلده، ورغبته فى الارتقاء به إلى مصاف البلاد المتقدمة. ولا يمكن أن يتحقق ذلك بدون افتخار الإنسان بشعبه وتاريخه وتراثه. فهناك علاقة وثيقة بين حب الوطن والتنمية، وبين عمق الانتماء وتوافر إرادة التقدم.

والمكون الثانى هو الأخذ بأسباب العلم والتخطيط العلمى والارتفاع بجودة رأس المال البشرى الذى يمتلكه المُجتمع وزيادة حجم القدرات والمهارات الإنتاجية والابداعية والابتكارية فى المجتمع، ويكون ذلك أساسًا من خلال الارتقاء بنظم التعليم والتدريب. فللتعليم دور حاسم فى تزويد البشر بالمعارف والقدرات والمهارات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، وفى غرس ثقافة التقدم بينهم.وتوضح دراسة خبرات الدول الناهضة فى آسيا أهمية التعليم، خصوصاً تعليم المرأة، باعتباره العنصر الرئيسى فى توفير الكفاءات البشرية اللازمة لإحداث التقدم، وفى توفير الميزة التنافسية للاقتصادات والمجتمعات.

والمكون الثالث، هو قيمة الابتكار والتجديد ومدى قبول مجتمع ما للجديد. ففى عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأصبحت فيه المعرفة والمعلومات موردًا اقتصاديًا وظهرت تعبيرات مثل اقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات، فإن سبيل التعامل مع هذه التغييرات هو القدرة على الابتكارمما يزيد من القدرة التنافسية او الميزة التنافسية للدولة و المجتمع.

وعندما نتحدث عن الميزة التنافسية، فإننا نشير فى المقام الأول إلى قدرات النخب والقائمين على أمور التخطيط والإدارة على توظيف الموارد المتاحة أفضل استخدام ممكن والاستفادة من الفرص القائمة، والتقليل من الأخطار والتهديدات التى يطرحها عالم العولمة. ويتطلب ذلك اتباع سياسات عامة تتمتع بسمة الشمول الاجتماعى و السياسى و عدم الاقصاء لأى جماعة قادرة على المساهمة فى هذا الجهد الوطنى و راغبة فى ذلك.

والمكون الرابع: هو حكم القانون والمؤسسات، وان يتم تنفيذ القانون على كل الناس دون محاباة او تمييز : ففى هذا تأكيد لمعنى المواطنة و المساواة امام القانون، كما ان تطبيق القانون على الجميع يوجد حالة من الجدية و الانضباط العام فى المجتمع.

والأمر المؤكد الذى تشير إليه كل خبرات الدول التى سبقتنا قديمها وحديثها أن التقدم لا يأتى نتيجة ضربة حظ وإنما هو نتاج جهد مستمر ونشاط دءوب لأعوام ولأجيال. وأن التقدم ينبع من وجود إرادة عامة للدولة والمجتمع. فهو التزام دولة تضع السياسات والخطط، وإيمان مجتمع يتجاوب مع تلك السياسات ويعمل من أجل تحقيقها.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: