رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الأمريكان وطالبان و«سلام» السَنة الكبيسة!

مَكتوبٌ على إنسانِ عصرنا، أن يجلس فى مقعد المشاهد، ليُتابع مسلسل المصير الذى يتولى تأليفه النظام العالمي، وتُخرِج حلقاته الإدارة الأمريكية، ويتشارك فى تحمل تكلفة الإنتاج أنظمةٌ، تملك مفاتيح خزائن شعوب، وعادة ما يتقلبُ إنسان العصر الحديث، بين مقعد المُشاهد والضحية، أو بين موقع المفعول بهْ والمفعول فيه؟، وفى أحدث حلقات مسلسل المصير، تُفَتَح الشاشة على قاعةٍ فخمةٍ فى عاصمة الإمارة الصغيرة على الخليج العربي، لافتة المنصة عنوانها اتفاق إحلال السلام فى أفغانستان، وفى مركز منصة الحدث، يجلس منْدوبٌ عن النظام الأمريكي، الذى يقود الكوكب فى الحرب على الإرهاب، وإلى جواره يجلس ممثلٌ لحركة طالبان، التى تُمثِّلْ أحد الأقطاب الرئيسة المُحركة للإرهاب!. مكتوبٌ على إنسان الوطن الأمريكي، أن يكون شريكًا لإنسان عصرنا فى الجلوس على مقعد المشاهدين، ليُتابِعَ معنا السلام الأمريكانى الطالباني، دون أن يتحرك وعى المواطن الأمريكى بأى سؤالٍ حول المصير، فى ظل إدارةٍ أمريكية تُغَيِّرُ مواقفها ويدفع إنسانها الثمن، إنها الإدارة التى كانت قبل تسعة عشر عامًا تُعلن عبر رئيسها ووزير دفاعه، أن طالبان تُمثل خطرًا على أفغانستان ومن بعدها الإنسانية، ولهذا أعلن بوش الصغير بدء عملية عسكرية شاملة عنوانها الحرية الباقية، هدفها إنهاء وجود طالبان وحكمها، لحرمان تنظيم القاعدة من اتخاذ أفغانستان كملاذ آمن، وهكذا احتشد تحت الراية الأمريكية قواتٌ من أربعين دولة، بلغ تعدادها (140 ألف جندى مدعومين بأحدث الأسلحة وموارد مالية لا محدودة)، وبعد قرابة عقدين من بداية هذه الحرب، وبحسب تقرير نشرته مجلة فوربس الأمريكية مطلع 2019، فقد شيَّع المواطن الأمريكى أكثر من 2400 جندى لقوا حتفهم فى أفغانستان، وإلى الآن يرعى المواطن الأمريكى عشرات الآلاف من مصابيه فى أفغانستان، ما بين جريح ومعاق ومشوَّه بدنيا أو نفسيًا، بينما خسر المواطن الأمركى من ميزانية دولته بحسب فوربس، مبلغًا يقدر بتريليون و70 مليار دولار، هذه الكُلفَة المُرَوِعة إنسانيًا وماديًا، تفرض على كل مواطنٍ أمريكى يُتابع مشاهد السلام الأمريكانى الطالبانى أن يتساءل، عن المكسب الذى نالهُ الوطن والمواطن جراء دفع هذه الكُلفَة المهولة؟، وحسبُه فى هذا الصدد أن يسوق شهادة الفريق متقاعد دوجلاس لوت، الذى قاد المجهود الحربى فى عهد الرئيسين السابقين بوش -أوباما، والذى قال عام 2015 أزهقت أرواح 2400 شخص، ومطلوب أن يعلم الشعب الأمريكى جسامة هذا القصور...ما الذى نحاول القيام به هناك؟ ليس لدينا أدنى فكرة بشأن ما نقوم به؟.

وبينما يُتابع كل إنسانٍ على ظهر هذا الكوكب، الحلقة الجديدة من المسلسل الأمريكانى الطالباني، فمن الجدير بالمُتابعة التى تستلزم الكثير من الجهد، إطلالة على دارسة صدرت عام 2016، عن منظمة أطباء للمسئولية الاجتماعيّة ومقرها واشنطن، وخلصت أن عدد ضحايا الحرب على الإرهاب الذين قتلوا خلال عشر سنوات، منذ هجمات 11 سبتمبر، يزيد على 1.3مليون إنسان، بل وقد يصل إلى 2 مليون، فى حين يذكر كتاب تعداد القتلى للبروفيسور جدعون بوليا أن عدد الوفيات الذى كان يمكن تجنبه فى أفغانستان منذ عام 2001، يصل إلى ثلاثة ملايين، تقريبًا 900 ألف منهم أطفال دون سن الخامسة، و تُشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد القتلى المدنيين كان أكثر بفِعل نيران مقاتلى طالبان!، هذه الأعداد للضحايا يُمكنها ببساطة إلى أن تقود إلى أضعافها من الجرحى والمعاقين والمشوهين بدنيًا ونفسيًا، والجميع لا يعلمون بأى ذنبٍ قُصفوا؟!، تمامًا كما لا يعلم إنسان العصر وهو يُتابع السلام الطالبانى الأمريكاني، إلى أى محطة دم جديدة سوف ينقلنا هذا السلام؟!.

إذا كان مكتوبًا على الأرض التى كانت آمنةً، أن تدخل عصر السلام الأمريكانى الطالباني، فمن حق إنسانها أن يتساءل، إلى أين المصير فى ظل هكذا سلام؟، طرفاه تشاركا فى أهداف النشأة حين كان التمويل أمريكانِيًا، والتنفيذ جهاديًا أفغانستانيًا وأمميا، ضد العدو الأحمر السوفيتي، وتشاركا فى إخراج معارك ما بعد الغزو الأمريكي، ليضمن الطالبانى مُبررًا للبقاء والتمدد والانتشار تحت راية جهاد المحتل، ومُبررًا لبقاء الأمريكى على أرض أفغانستان تحت راية محاربة الإرهاب، ثم تشاركا فى حصد عشرات الآلاف من أرواح المدنيين الأبرياء، وقدما فداءً لبقائهما فى المشهد آلاف القرابين ممثلة فى جنود أمريكان أو مقاتلى طالبان، والآن يتشارك الطرفان نفسهما فى سلام أقر فيه الأمريكان أن طالبان التى كانت قبل أسبوع إرهابية، سوف تعمل على الحد من انتشار الإرهاب والإرهابيين، وستضمن حقوق المرأة التى لا تعترف بها طالبان أصلا!.

عُذرًا أيها الإنسان المُعاصر أيًا ما كانت جنسيتك أو عرقك أو ديانتك، فالقادم الأمريكى الطالباني، يُشير إلى سلام يرفع رايته الثعالب والذئاب، وستدفع قرابينه كل حِملان الإنسانية على امتداد الخريطة، سلام السَنَة الكبيسة، وُلِدَ فى يوم مُتَفَرِد 29 فبراير، ليؤكد أن الأيام التقليدية لا تُناسب مقاس هكذا سلام.


لمزيد من مقالات عبدالجليل الشرنوبى

رابط دائم: