رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الوصايا العشر لأحمد عبود باشا

كان أحمد عبود رجل الصناعة الأول فى مصر فى النصف الأول من القرن العشرين. كان أيضا رئيسا للنادى الأهلى لمدة خمسة عشر عاما متوالية, وكان ينفق عليه من ماله الخاص ويرفض مساعدة الدولة المخصصة للنوادى. كان متعصبا للنادى لدرجة أنه عندما بنى عمارة الإموبيليا المشهورة كان يشترط أن يكون المستأجر أهلاويا. كان أيضا عضوا فى مجلس إدارة قناة السويس, وهو المصرى الوحيد الذى حظى بتلك العضوية. قصة نجاحه تجعل من شخصيته قدوة عظيمة. تخرج فى الهندسخانة (هندسة القاهرة), وعمل بعدها براتب شهرى قدره خمسة جنيهات, اجتهد فى عمله فمن الله عليه حتى كون إمبراطورية أعمال لا تضاهى تضم العديد من الشركات الصناعية المهمة: شركة السكر والتقطير وشركة مصر للأسمدة والصناعات الكيماوية, أسطول سفن للنقل من مصر الى موانى نيويورك وبوسطن بالولايات المتحدة وغيرهما, شركات أوتوبيسات بالقاهرة, وشركة للمقاولات, وشركة خطوط البريد الفرعونية, وشركة فنادق الوجه القبلى وشركات أخرى عديدة وأصبح أغنى رجل فى مصر.

نشرت المصور تحقيقا عنه فى التاسع عشر من مارس 1948 بمناسبة افتتاح أول خط ملاحى فى تاريخ البحرية المصرية بين مصر وأمريكا بباخرتين من أفخم وأكبر البواخر وهما الخديو إسماعيل ومحمد على الكبير, قال السيد بنكى تاك السفير الأمريكى المفوض فيه: إن بواخر عبود باشاالمصرية ستكون رسول صداقة وطيدة بين مصر وأمريكا, وأن أمريكا لتشعر عندما تصل إليها الباخرة الخديو إسماعيل بالغبطة, إذ ترى هذا الخط الملاحى الجديد بينها وبين مصرمدعما بالثقة والصداقة وحسن التعاون. وقال عبود باشا فى الاحتفال إنه يرجو أن يحقق الآمال الكبار التى يضعها بنو وطنه فيه وفى مشروعاته العمرانية والاقتصادية الكثيرة التى يشعر بحاجة مصر إليها لتستكمل مجدها ووثبتها لتصل الى مصاف أرقى الدول الغربية.أضاف عبود فى عدد الثامن عشر من أبريل 1948 للمصور بهذا الافتتاح مزيدا من إستراتيجيته لإنشاء هذا الأسطول: لا حاجة بى إلا أن أؤكد أن مصر ترغب فى أمرين: تشجيع السياحة الأمريكية إليها وفتح السوق الأمريكية لمنتجات مصر الفريدة من نوعها مثل القطن الطويل التيلة لتكون موردا للدولارات التى تتيح لها ابتياع البضائع الأمريكية , وعلاوة على ذلك فأنا على يقين أن هذا الخط الجديد سيؤدى الى تفاهم أفضل بين الأمم, فمثل هذا التفاهم يتيح تقوية العلاقات التجارية ويزيد تبادل الزيارات بين السكان, وإنى أعتقد أن التفاهم المتبادل حاجة أساسية للصداقة الوطيدة, ولا يسعنى فى الختام إلا أن أبدى الأمل الوطيد فى أن هذا الخط الجديد سيفتح صفحة جديدة للتعاون التجارى بين الشرق والغرب وسيسهم الى حد ما فى زيادة الرفاهة الإنسانية. كان عبود باشا كثير الاستثمار, وكان دائم التأكيد فى كل افتتاح لإحدى شركاته أن يذكر واجبه الوطنى وراء إنشاء المشروع. يقول بمناسبة افتتاح شركته الجديدة وهى شركة التقطير المصرية, والتى نقلتها المصور بتاريخ الرابع عشر من مايو 1948,: لقد وضعت نصب عينى خدمة بلادى فى الميدان الاقتصادى, وأن أرفع من شأن الاقتصاد القومى, وأشعر غير المصريين بأن مصر قد غدت بلدا صناعيا, وأن خرافة مصر الزراعية فقط, يجب أن تختفى الى الأبد.

كتب عبود عشر وصايا بعنوان كيف تصبح مليونيرا, نشرتها مجلة الإثنين وأعادت نشرها الهلال فى كتاب بعنوان مختارات دار الهلال, صفحة 175, 1946, من واقع تجاربه وحياته, تصلح بحق أن تكون وصايا عشرا وضوءا مرشدا للشباب الطموح فى وطننا عبر العصور, وتمثل جوهرة من ثقافة مصر العظيمة: لا تأنف من القيام بأى عمل شريف مهما تكن تافها وانهض بهذا العمل واجعل منه عملا عظيما يليق بك ولا تنتظر الربح السريع, فالربح البطىء دليل النجاح ولا تستسهل عملا لأن السهل ينافسك فيه كل الناس. اعط عملك كل وقتك وتفرغ له وباشر فيه كل كبيرة وصغيرة ليشعر معاونوك بيقظتك فيضاعفوا من نشاطهم ولا يتهاونوا فى تأدية واجباتهم, واعلم أنك إذا أهملت أهملوا وإذا تساهلت تهاونوا. أرى كثيرين من أصحاب الأعمال نجحوا ثم فشلوا. والسبب أنهم أقبلوا على العمل فى بادئ الأمر, فلما شعروا ببوادر النجاح انصرفوا الى حياة الترف والكسل, وتركوا لمعاونيهم العمل يديرونه, ومثل هذا العمل لا ينجح. لا تفرح للربح فقد تعقبه خسارة ولا تيأس إذا خسرت, بل اعتبرها امتحانا لكفاءتك. اقتصد دائما, فما تستغنى عنه اليوم تحتاج إليه غدا. تفقد أحوال معاونيك وعمالك الخاصة وأشعرهم بأنهم شركاء لك فى العمل وكافئ المجد منهم بسخاء, واشتد مع المهمل فهذا يضاعف الإنتاج. دع الناس يثقون بكلمتك الشفهية واجعل لها قوة الوعد المكتوب وكن حريصا مع الناس. ابتكر فى عملك وجدد فيه. الحياه البيتية المنتظمة والهناء العائلى من أكبر أسباب النجاح.

كانت علاقته بالعاملين فى شركاته طيبة وكان يهتم بهم اهتماما حقيقيا غير متصنع. مثالا لذلك أنه عندما أنشأ مصنعا للسكر فى كوم أمبو, قام بنفسه بوضع حجر الأساس للمسجد الذى شيده هناك, كما أنه أنشأ حماما فخما للسباحة, إضافة الى ناد للموظفين بالمصنع. عندما سأله صحفى عن سر حب العاملين له, قال ضاحكا:ب شىء بسيط, كل ما فى الأمر أننى أفكر فى أبنائى العمال وأفكر فى كل ما فيه راحتهم وسعادتهم وهم يشعرون بصدق شعورى نحوهم فيبادلوننى شعورا طيبا بشعور طيب. كان أحمد عبود تجسيدا لوصاياه العشر تلك. كانت كلمته وكأنها عقد موثق. كان يحب العاملين معه بصدق , وكانوا يبادلونه ذلك الحب, كما وصفه أحد المدعوين وشخصه عقب افتتاحه مدينة العمال فى كوم امبو وسط الهتاف له والترحيب الصاخب به: هذا الرجل عبود باشا, من رجال العالم لا من رجال مصر القلائل الذين يفكرون فى عمالهم قبل أن يفكروا فى أنفسهم.


لمزيد من مقالات د. مصطفى جودة

رابط دائم: