رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشيخ مُحمد عبده: رائد تجديد الفكر الدينى

يحتل الشيخ محمد عبده مكانة سامية في حركة تجديد الفكر الديني في مصر والعالم الإسلامي، وأصبح اسمه رمزًا على إعمال العقل والتفكير في أمور الدين بعقلية حديثة ومُتقدمة تسعى إلى بناء جسور التواصُل بين مبادئ الدين ونظُم المُجتمع. فجاءت حياته التي استمرت لـ 56 عامًا (1849-1905) عُنوانًا لمعان مُتعددة قَل أن تجتمع في شخص واحد.

فهو من ناحية رجُل دين تتلمذ في المسجد الأحمدي بطنطا ثُم في الأزهر الشريف حتى حصوله على درجة العالمية عام 1877 وقام بدور مُتميز في تجديد الفكر الديني، وهو من ناحية أٌخرى كان رجُل حركة وعمل فتعرف على جمال الدين الأفغاني وتأثر بأفكاره عن الظُلم والاحتلال وشارك في الثورة العرابية وتمت مُحاكمته وصدر الحُكم بنفيه فعاش عامًا في بيروت ثُم انتقل إلى باريس وأصدر ــ بالتعاون مع الأفغاني ــ جريدة العُروة الوثقى وخلال هذه الفترة تعلم اللغة الفرنسية ودخل في سجال شهير مع المُستشرق هانوتو رد فيه على مزاعم الثاني حول الإسلام والتقدم ثم عاد إلى بيروت. وبعد 6 سنوات من نفيه، عاد إلى مصر عام 1889 ليستكمل مسيرة تجديد الفكر الديني وتطوير التعليم وعمل قاضيًا شرعيًا، ومُستشارًا بمحكمة الاستئناف عام 1895، ثُم مُفتيًا للديار المصرية عام 1899.

كان للشيخ دوره في تطوير التعليم الديني والأزهري وإدخال العلوم الحديثة ضمن مُقرراته مثل الجبر والرياضة، والمنطق، وتقويم البلدان، والأدب العربي، والتاريخ، واللغة الأجنبية، وتدريس كُتب ابن خلدون الذي يُعتبر من أعظم المُفكرين في مجالي الاجتماع والسياسة، وابن الأثير، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي وأصدر كتابه الكامل في التاريخ، والشيخُ عبدالله الشرقاوي، الذي تولى منصب شيخ الأزهر إبان الحملة الفرنسية وكانت له مواقف شجاعة ضدها. لم يكُن هذا التطوير سهلاً أو بدون عقبات وقاومه بعض شيوخ الازهر لتعطيله وتدريسه على النحو الذي يُفرغه من مضمونه.

انطلق محمد عبده من أنه لا يوجد تناقُض بين الإسلام والعلم، ومن ان الإسلام هو دين العقل، وأنه يحوي المدنية بداخله، وأن الدليل العقلي هو أصل شرعي. وبُناء على ذلك اجتهد الشيخ وشجع الآخرين على الاقتداء به. وفي كتابه الإسلام بين العلم والمدنية، كتب أن الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر وأنه بدون النقد لا تزيد المعارف ويختلط الحق بالباطل وأن رفض النقد يعني موت العقل والروح معًا. رأى محمد عبده أن جمود الفكر الديني أدى إلى طمس حقيقة الدين، فالعقلُ هو سبيل الإيمان الحق. فالإيمان بالنسبة له هو يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين، وما يقع خارج العقل هو من علم الغيب. وفي مجال المُجادلة بين العقل والنقل، قال: إنه إذا تعارض العقل والنقل أُخذ بما دل عليه العقل. ونبع ذلك من ايمانه بأن لله سُننه في الخلق وهي سُنن لا تتغير ولا تتبدل وان على الانسان إعمال العقل لفهمها وتدبرها واستنباط القوانين التي تحكمها.

وارتبط بالعقل عنده مفهوما الحُرية والجبرية. إذ رفض الشيخ أفكار من يقولون بالجبرية وأن الانسان مُسير في شئونه وتصرفاته فاعتبر ان الإرادة الإنسانية حُرة ورفض تفسير الأوضاع المُتخلفة التي يعيشها المُسلمون بأنها قضاء وقدر. ودعا المُسلمين إلى الربط بين المُقدمات والأسباب من ناحية والنتائج والعواقب من ناحية أُخرى وان البشر مسئولون عن أنفسهم ومصائر مُجتمعاتهم. وفي حوار له مع فرح أنطون، وهو مُفكر لبناني عاش في مصر، أكد هذه المسألة وربط بين مفهوم السُنن الإلهية في القرآن ومبدأ العلية أو السببية في العلم الحديث.

ورفض محمد عبده تدخل السُلطات الدينية في عقائد الناس. وأكد أنه لا يوجد لبشر سُلطان على عقيدة أحد استنادًا لقوله تعالى «ذكر إنما أنت مُذكِر لست عليهم بمُسيطر»، وان الأصل في الأمور هو أن المُسلم يأخذ أصول عقيدته من القُرآن وصحيح السُنة ويفهمهما دون وسيط من أحد. وفي نفس السياق، رفض الشيخ تكفير الآخرين فقال إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الُكُفر.

وأفصحت فتاوى الشيخ مُحمد عبده عن اهتمامه بتيسير حياة المسلمين وتقدير الظروف التى يعيشون فيها وأضرب على ذلك عدة أمثلة فعندما ادعت امرأة أن زوجها حلف بكُل أيمان المُسلمين ألا يفعل أمرا وأنه اذا فعله تكون طالقا ثم أتى به. وسألت السيدة عما إذا كان قد طلقها بهذا الفعل ومن ثم تمنع نفسها عنه. وكانت فتوى الشيخ لا يجوز للزوجة أن تمنع نفسها عن زوجها في هذه الحالة، فالحلف بأيمان المُسلمين لا يقع به طلاق لأنه ليس من صيغ الطلاق. ومثل آخر يتعلُق بحضانة الأطفال فقد سُئل الشيخ عن رجل أراد أخذ ابنته من الحاضنة وهي جدتها - لانتهاء مدة الحاضنة المُقررة شرعًا، لكن الجِدة ادعت بأن الأب غير أهل لتربيتها وحفظها. وكانت فتوى الشيخ يُراعى فيمن يقوم بتربية الصغار القُدرة على حفظ أبدانهم وصيانة عقائدهم وآدابهم سواء كانوا من الرجال أو النساء. أما المثل الثالث فيتعلق بمجموعة من الأسئلة التي وجهها بعض من أفراد الأقلية المسلمة فى اقليم لترانسفال بجنوب إفريقيا،كان أولها عن جواز لبس البُرنيطة وهل يكون في ذلك تقليدًا للأجانب فكان رده بجواز لبسها. وتعلق الثاني بجواز أكل المُسلمين للحوم الأبقار وغيرها التي يتم ضربها بالبلط ثُم ذبحها دون تسمية وكان فتواه بجواز اكلها. أما الثالث فتعلق بمدى جواز أن يُصلي المُسلم الشافعي خلف إمام حنفي وكان جوابه بجواز أن يُصلي المُسلم خلف الإمام المخالف لمذهبه. والحديث يطول عن شخص مُحمد عبده وأفكاره وما عرضته هُنا هو نُقطة في بحر فلم يكُن الرجُل مُجددًا في مجال الفكر والفتوى وحسب بل كانت سيرته آية للتجديد في الفكر والعمل معًا.

تحية لمنتدى الكواكبى للتنوير بمكتبة الاسكندرية الذى تدبيره السفيرة فاطمة الزهراء ولمديرها القدير مصطفى الفقى لتنظيم ندوة عن الشيخ محمد عبده كنموذج للتجديد فى الفكر المصرى.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: