رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مأزق أردوغان بعدما انهار الإسلام السياسى

يبدو الرئيس التركى أردوغان فى موقف صعب، وبات قريبا من لحظة الحقيقة، وتسديد الفواتير، فقد لعب بورقة الإسلام السياسي، وراهن على قدرة تنظيماته ورموزه وعلاقات جماعة الاخوان الإرهابية وتنظيمها الدولى المتشعب فى 86 دولة حول العالم، بل كان العراب فى التعامل مع الغرب خاصة الولايات المتحدة، التى كانت تبحث عن شريك ليمرر مشروع الشرق الأوسط الجديد، وتغيير خرائط المنطقة، وإزاحة النظم القديمة، وتوهم اروغان أن الأمر يسير، وأن الدول الوطنية العربية سوف تسقط بفعل نظرية الدومينو، وأن العالم العربى رجل العالم المريض قد فقد قدرته على الفعل، ولا يقوى على الرفض أو المقاومة، بل ربما يتجاوب مع الوعود البراقة للمبشرين بجدارة الإسلام السياسي، وقدرته على تحقيق كل الأماني، وحل كل المشكلات، إلا أن الوعود كلها تبخرت مع ثورة المصريين على جماعة الاخوان بعد عام من الحكم الملء بخيبات الامل، وفشل حزب النهضة فى حل مشكلات تونس، وتكشف عجز هذه الحركات عن تقديم بدائل واقعية وناجحة لمشكلات الناس الحياتية، ناهيك عن كذب شعارات تحرير الأرض، وكانت سوريا ولاتزال العقبة الكبري، فقد أظهرت تهافت الإجندات الغربية وتركيا وجماعات الإسلام السياسى بجميع تنويعاتها، فقد دمرت سوريا، وترك الشعب السورى المغلوب على أمره يدفع وحيدا الثمن الباهظ للعبة الإمم . والآن أردوغان لا يريد ولا يقوى على دفع الثمن لمغامرة اللعب بورقة الإسلام السياسى. ونشهد الآن محاولات كثيرة لمساعدة تركيا وأردوغان لترميم العلاقة مع مصر، وسوريا، والعالم العربي، والتحرر من تحمل الثمن الأكبر لفاتورة المغامرة السورية. وهنا نرصد جزءا من مأزق أردوغان وخياراته المحدودة.

.. البداية مع شخصية سياسية تركية من الوزن الثقيل، فقد خرج الرئيس التركى السابق عبد الله جول عن صمته ليقدم رؤية مهمة لما تمر به بلاده، وعلاقاتها المتوترة مع محيطها، وأخطر ما قاله هو (إن الإسلام السياسى انهار فى جميع أنحاء العالم)، وتعد هذه شهادة خطيرة من جانب أحد مؤسسى حزب العدالة والتنمية القريب من ظاهرة الإسلام السياسي، والمبشر بجدارتها فى الحكم. ولكن فيما يبدو أن هذه الورقة باتت عبئا على من لعبوا بها، أو من اقتربوا من هذه الجماعات - بما فى ذلك جماعة الاخوان الإرهابيةـ ، والآن فيما يبدو أنها استنفدت أغراضها، أو صارت تهمة يتملص الكثيرون منها.

.. ولا يتوقف جول عند التوصيف على خطورته، بل يطالب بإعادة نسج العلاقات والتحالفات، فهو يؤكد فى حوار مع صحيفة «قرار» التركية أن العلاقة بين تركيا والدول العربية فى أسوأ مراحلها، وأن مصر واحدة من أهم دول العالمين العربى والإسلامي، ما يحتم مصالحتها. وقال إذا كان البعض يشبه منطقة البحر المتوسط بالتفاحة فإن مصر وتركيا تفاحة واحدة، ولذلك يجب التعامل مع العلاقات التركية المصرية بعناية، ولابد من المصالحة مع مصر لأن هذا يصب فى مصلحة الدولتين.

وفى الوقت نفسه يرى جول ضرورة التعامل فى ملف «العلاقات المصرية ـ التركية» بحذر، معربا عن أمله أن يتم التوصل فى النهاية إلى الطريق الذى سيقود العلاقات إلى المكانة التى تستحقها. وأضاف قد تتغير الحكومات وحتى أنظمة الدول، ولا يجب ألا نحول العلاقات مع الشعوب والدول إلى عداء كبير، ولسوء الحظ نواجه أوضاعا مؤسفة.

.. وبالنسبة لسوريا قال جول: لا ينبغى خوض حرب شاملة مع سوريا، كما دعا زعيم حزب الوطن التركى دوغو بارينجاك إلى ضرورة التعاون المباشر مع سوريا فى مواجهة التنظيمات الإرهابية، وقال بارينجاك إن تمزيق وحدة سوريا يعنى تمزيق وحدة تركيا.

ويرى الخبراء أن عملية عسكرية تركية سوف تخلط الأوراق، وتحرر الأسد وحلفاءه من أى قيود ضد المسلحين المدعومين من تركيا، بينما لن تستطيع أنقرة حمايتهم من دون حرب واسعة النطاق، لا تستطيعها ولا تسعى إليها تركيا. علاوة على ذلك، فمن المرجح أن يتكبد الجيش التركى خسائر أكبر إذا ما وسّع وجوده فى المناطق التى يسيطر عليها الإرهابيون. وتعارض معظم الدول العربية وعدد من الدول الغربية تحركات أردوغان، والذى يحظى بأعداء كثيرين، وليس لديه أصدقاء فى العالم، وسط تهديدات متكررة من واشنطن بتوسيع العقوبات ضد تركيا لإبقائها داخل الحدود بهدف حماية الاكراد حلفاؤها، كما أكدت أنها لا تنوى لعب دور شرطى العالم، وقال مستشار الأمن القومى الأمريكى أوبراين بوضوح أخيرا أنه لا توجد عصا سحرية تستطيع وقف العنف، وأن بلاده لا تنوى إرسال قوات للتدخل فى نزاع ليس للولايات المتحدة علاقة به.

.. وفى الجهة المقابلة يقدم لنا الكاتب الروسى ألكسندر نازاروف تقييما لرؤية روسيا لأنقرة، فهو يرى أهمية تركيا بالنسبة لروسيا كبيرة، على الرغم من انخفاضها بشكل ملحوظ فى الفترة الأخيرة. فقد أطلق السيل التركي، إلا أن تركيا خفضت من استيرادها للغاز الروسى لعام 2019 بشكل كبير.

كذلك أجبر تأخير تنفيذ خط السيل الشمالي-2روسيا على تمديد اتفاقها مع أوكرانيا بشأن نقل الغاز الروسى إلى أوروبا لخمس سنوات، بشروط مواتية تماما لأوكرانيا، وهو ما يقلل من أهمية السيل التركى كمصدر للدخل بالنسبة لروسيا. وفى نهاية العام سوف يتم الانتهاء من السيل الشمالي-2، وهو ما سيقلل من دور تركيا كممر لنقل الغاز الروسى إلى أوروبا. على الجانب الآخر فإن صفقة إس-400 قد نفذت فعليا، ومن غير المرجح أن يكون هناك صفقات جديدة مهمة فى مجال السلاح الروسى لتركيا.

فى الوقت نفسه، فمن غير المرجح أن تلقى مطالبات تركيا غير المبررة بحقول الغاز فى البحر الأبيض المتوسط دعما من روسيا، وكلما اتسمت تصرفات أردوغان بالعدوانية، انخفض التفهم الذى يمكن أن يلقاه فى موسكو، التى لا ينتظر أن تكون سعيدة بظهور منافس جديد لها.

.. ويبقى أن واشنطن وبقية دول حلف شمال الاطلنطى لا تؤيد تمدد تركيا، ولا عدوانية أردوغان، ولا التهديد بورقة اللاجئين السوريين، وتراه الدول الاوروبية عملية ابتزاز، ولم يعد الداخل التركى متعاطفا مع ملايين السوريين القادمين لبلاده، وجرى معاقبة حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات البلدية. وروسيا لن تسمح بمنافس، والعرب لا يريدون العيش فى ظل العثمانية الجديدة. ومن هنا يتضح محدودية خيارات أردوغان، وأحسب أن مصر لها شروط قبل تطبيع علاقاتها مع تركيا.


لمزيد من مقالات محمد صابرين

رابط دائم: