رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذوق العام .. الداء والدواء

ما شهدته الساحة الغنائية خلال الفترة الأخيرة من حالة اقل ما توصف بها انها انحطاط فى الذوق العام شىء قميئ ولا يمكن السكوت عليه حيث يدعو للشعور بالغثيان خاصة حينما تشتعل مواقع التواصل الاجتماعى وتنجرف خلفها وسائل الاعلام لمناقشة هذا النوع من الفن المسف الذى لا يمكن بأى حال من الاحوال ان ينتمى للفن سواء من قريب او بعيد فضلا عن ذلك فإن ما حدث خلال الايام القليلة  الماضية شىء مقزز وبعيد كل البعد عن مجتمعنا الشرقى الذى يستند فى الاساس الى الاخلاق ويعلى دائماً من شأن القيم ويضعها فى المقام الاول ضمن مكوناته ففى سياج من القيم والمعتقدات  والتقاليد والعادات والأعراف  تتشكل ثقافافات المجتمعات  وتتحدد ملامح سلوكيات تركيباتها الاجتماعية على مستوى الطبقات المختلفة وذلك بتنوع المستوى الثقافى والعلمى والمعرفى والتراكيب الاجتماعية فى مختلف المراحل العمرية كما تشكل البيئة السائدة اهم العوامل المؤثرة فى هذه الثقافة وانعكاسها على سلوك  تلك المجتمعات  والتى قد تتنوع باختلاف المكان واختلاف الزمان  وبالتالى فإنها تؤثر وبشكل لافت للنظر  فى الانسان نفسه وترسم ملامح حالته النفسية والمزاجية

وفى تقديرى الشخصى فإن هذا الوضع المؤلم والمستوى المتدنى للذوق العام يحتم علينا ان نرصد تلك الظواهر السلوكية كما ينبغى ان تخضع أيضاً للدراسات  الاجتماعية وما طرأت عليها من متغيرات سواء كانت إيجابية او سلبية وتحديد أسبابها ورصد العوامل المؤثرة فيها داخليًا وخارجيًا  وهذه بالطبع مهمة اساتذة الاجتماع والأنثروبولوجيا  وذلك للقيام برصد الظواهر المختلفة  وما بها من آفات اجتماعية والعمل على الحد منها وفى نفس الوقت السعى نحو تعظيم  النواحى الإيجابية التى نحن احوج ما نكون اليها الآن .. وذلك فى اطار من حلقات اتزان تحافظ على الهوية والشخصية فى ظل مورث ثقافى وحضارى دون ان يكون أسيرًا فيه  وعلى الجانب الآخر لايتخلف عن ركب المعاصرة والحداثة دون ان يفتن به

والأمانة هنا تقتضينا ان نتناول ما يمر به مجتمعنا فى تلك المرحلة بشىء من التشخيص بأسلوب علمى للوصول الى رصد حقيقى لبعض الظواهر السلبية التى طرأت على السلوكيات العامة والتى أصبحت تمثل ظاهرة  مجتمعية مكانية باختلاف الموقع وعمرية باختلاف الموضوع بعيداً عن جلد الذات ومن غير تهويل ولا تهوين .. وبالتالى وحسب ما يحتمه المنطق فإنه بعد التشخيص كماً وكيفاً موقعاً وموضعًا  يأتى مقترحا للمعالجة والحلول.

وبادئ ذى بدء علينا أن ندرك تمام الإدراك ونكون على يقين تام أن الذوق العام فى مجتمعنا يتعرض الآن الى علة اصابت الحواس بآفات جرثومية لاتقل خطرا عن الأمراض العضوية مثل الاصابة بفيروس كورونا القاتل وأمراض السرطان فاصابت مسامعنا وصمت آذاننا بما اطلق عليه مؤخرا أغانى المهرجانات والمطربين الذين لا يجيدون سوى اداء الكلمات الهابطة التى يخجل  الانسان أن يسمعها .. وتأبى الأذان أن ترضخ لها بل ان العقل والمنطق يجعلنا على قناعة تامة بأنه الاولى بآذاننا الصمم من ان تتعامل مع تلك النوعية من الاغانى المنفلته  فبعد ان كنا نشنف آذاننا بالنغمة العذبة من موسيقى العمالقة أمثال السنباطى وبليغ حمدى وعبد الوهاب والكلمات الصادقة المعبرة وشديدة التأثير فى النفوس وخاصة كلمات  مأمون الشناوى وأحمد رامى وشفيق كامل والأصوات الساحرة من أمثال العباقرة :أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الاطرش واسمهان  وغيرهم الكثير والكثير .. فقد أصبحنا وللاسف الشديد نسمع الآن النغمة النشاذ وكلمات الإسفاف التى اخجل ان أعيدها الى مسامعكم حتى لا اخدش الحياء .

لذا فإننى أرى أن الموقف الذى نحن فيه حاليا يستوجب وبشكل عاجل اطلاق  مشروع قومى اخلاقى ثقافى تتبناه النخبة المثقفة ويتم تنفيذه تحت إشراف مباشر من وزارة الثقافة باعتبارها الجهة المنوطة بالثقافة والفنون بمختلف أنواعها وأشكالها .

وحينما اطالب باطلاق مشروع قومى تنويرى فى هذا المجال فإن هذا لم يأت من فراغ بل أن الفن المصرى قديم وطويل ويضرب بجذوره فى أعماق التاريخ وله معاهد ومدارس واكاديميات الامر الذى يدفعنى لأن أتساءل اين الدور المجتمعي لتلك المؤسسات وما هو موقفهم من الفن المدمر .. لابد ان تكون هذه الكيانات رفيعة المستوى هى المرجعية وأين الاساتذة الذين علموا المنطقة بالكامل كيف يكون الفن الراقى؟.. ان الله لايقبض العلم دفعة واحدة إنما يقبضه بموت العلماء .

ادعموا فنانين يتم تربيتهم على الفن الاصيل .. ويسروا لهم مجال الانتشار ولتكن حفلات وزارة الثقافة فى الشوارع وكذا حفلات أكاديمية الفنون.. ضيقوا على الفاسدين واخنقوهم بالفن الرفيع  واملأوا الفراغ

فإذا نظرنا الى المكون الأساسى للشخصية المصرية حاليا نكتشف أنها تتسم  بالنقل والإستنساخ ممن يرونه ناجحا وذلك لأن الشخصية المصرية الحقيقية التى تقود وتعلم اصبحت غير موجودة الان .. علماً بأن القدوة موجودة دائماً ولكن المكون الاساسى للشخصية المصرية اصبح فاقد التمييز ولأن الشخص الذى يقوم بالتقليد لاعقل له خاصة أنه يلتقط اقرب النماذج اليه فيأخذ من الشارع وينتج ثقافة تنتشر وتتسع مساحتها حتى تعلو وتعم ويساهم الإعلام فى جودة إرسائها على قلب المجتمع فى صورة دراما وأغاني وموسيقى وملابس ونمط اخر يسيطر على عقل المجتمع ... بينما النمط المجتمعى المنتج الحقيقى يحتويه مجتمع مغلق له ذوق ومستوى رفيع من الثقافة التى ترفض أصلاً ثقافة الشارع ولاتستطيع تغييرها حيث إنها منشغلة بأمر أكثر أهمية وهو الانتاج الأقتصادى والأمنى والتنمية ولاتملك رفاهية الوقت للتنوير المجتمعي

حقا نحن نواجه الآن ما يمكن ان نطلق عليه عبقرية القبح وزبانيتة والأمر يحتاج اعلان حالة الطوارئ لمكافحة ثقافة التردى والإنحطاط.


لمزيد من مقالات د. حسن راتب

رابط دائم: