رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اتساع الفكر وعمق الفلسفة.. ضرورتان حياتيتان

سألنى البعض ما الفارق بين المفكر والفيلسوف؟ أجبت: ارسم خطا مستقيما تتوسطه المشكلة، وتعنى أى مشكلة ومن أى نوع، وعلى يمينك, أى يسار المشكلة يكون المبدأ أو المبادئ الفلسفية، وعلى يسارك أى يمين المشكلة يكون حلول المشكلة.

ينشغل الفيلسوف بوضع المبادئ الفلسفية التى يرى أنها ما يمكن الاستناد إليه عند تناول أى مشكلة، يوجد هذا المبدأ- كفكرة أو قيمة كامنة, فى الذهن للباحث عن حل مقترح لمشكلة ما بغض النظر عن وعيه أو عدم وعيه بها. هذه المبادئ تنشأ فى الأساس أو يتم وضعها قبل وجود أى مشكلة يمكن علاجها بالرجوع إليها وقد تظهر المبادئ مصاحبة لظهور مشكلة ما، ثم يتم اعتمادها كأساس يُستند إليه لحل مشكلات مشابهة لاحقة. بينما لا توجد الحلول إلا من بعد ظهور المشكلة، أو نتيجة لظهور مشكلة نود حلها ويكون الحل قاصرا أو خاصا بهذه المشكلة.

إذا أردنا مثالا توضيحيا لهذا، يمكننا مثلا القول إن فيلسوفا ما فى ميدان الأخلاق يتبنى المذهب النفعى، أى ذلك المذهب الذى يستند فى صورته التقليدية إلى المبدأ الذى قوامه أن الخير هو ما يحقق أكبر قدر ممكن من السعادة لأكبر عدد من الناس. هذا المبدأ يراه الفيلسوف النفعى مبدأ يصلح لتطبيقه على كل حالة جزئية نريد معها تحديد أين الخير، بمعنى أنه يمكن استخدامه مع ظهور كل حالة جزئية نريد معها تحديد أين الخير. بهذا المعنى يمكن القول إن هذا المبدأ سابق على ظهور أى مسألة نريد معها تحديد أين الخير. صياغة هذا المبدأ والحجج التى تبرر الأخذ به هى بالضرورة عمل الفيلسوف. أما إذا ظهرت مشكلة وأعملنا فيها الفكر محاولين حلها بالطرق العقلية أو بالاستناد إلى شواهد امبيريقية أو تاريخية أو أدلة دينية، فنحن فى هذه الحالة مفكرون (علميون، سياسيون أو دينيون) وصلنا لحل المشكلة بعد ظهورها.

متى كان هناك مبدأ كامن فى ذهننا نفكر فى الحلول انطلاقا منه، فالمبدأ من صنع الفيلسوف والحل من صنع المفكر. لنأخذ مثالا: عندما اتُخذ قرار بمنع استخدام المبيد الحشرى الـDDT، كان ذلك من أجل حل مشكلة تسمم بعض الكائنات، وبالتالى ضرورة الحفاظ عليها من الانقراض. وكذلك كان قرار منع صيد بعض الأنواع النادرة الموجودة فى الحياة البرية، أو الصيد البحرى الكثيف لأنواع معينة من الأسماك. قرار المنع كان يهدف لحل مشكلة الانقراض. أما المبدأ الفلسفى الكامن خلف هذا الحل فهو مبدأ العدالة بين الأجيال. الهدف من حماية بعض الأنواع, من الحيوانات أو الأسماك, من الانقراض هو الحفاظ على التنوع البيولوجى الذى تتصف به الكائنات على الأرض. من العدل أن ترث الأجيال القادمة الأرض بالثراء والتنوع البيولوجى والنقاء الذى ورثناها عليه. الحل (منع صيد الحيوانات البرية) قاصر على المشكلة التى ظهرت. أما المبدأ الفلسفى (تحقيق العدالة بين الأجيال) فمبدأ يمكن الاستناد إليه كأساس لحل مشكلات كثيرة يبدو ظاهرها أن عدلنا تجاه الأجيال القادمة قد يختل، مثل (الاستخدام الكثيف لأى مورد من الموارد الطبيعية). على هذا النحو فالمبدأ سابق على ظهور المشكلة، والحل تال لظهورها.

إذن المقصود هو دعوة لعدم الوقوف عند الحلول الجزئية الوقتية المتناثرة هنا وهناك والاكتفاء بها ثم الاسترخاء بعدها ظانين أننا حققنا كل المطلوب. البحث عن المبادئ الفلسفية الكامنة وراء الحلول المختارة وضمان وضوحها فى أذهاننا واستناد الحلول إليها أمر مهم، بل هو غاية المراد للاعتبارات الآتية: المبادئ الفلسفية مبادئ مبررة، أى أن هناك حججا تبرر الأخذ بها. وبالتالى فإن القناعة بها تحولها إلى ما يشبه العقيدة التى نبذل من أجلها كل غال ورخيص لتحقيقها. ومن ثم يؤدى استناد الحلول إليها إلى ضمان تحقيقها على أفضل صورة. إذا أردنا مثالا توضيحيا يمكننا القول أنه لو استندت سياسات التعليم فى مصر فى الثلاثين سنة الأخيرة إلى مبدأ مثل الشباب عماد التقدم وكان هذا المبدأ واضحا ومبررا لدى القائمين على السياسة التعليمية، لما وصل حال التعليم فى مصر إلى ما وصل إليه الآن. أمر آخر: يجب معرفة أنه من الممكن أن تكون هناك مبادئ أو قيم فلسفية وراء كل حل. وضوح المبدأ الذى نستند إليه فى اختيار الحل يساعد واضع الحل المقترح إلى حد بعيد فى توقع نجاح الحل، وذلك من ناحيتين: ضمان أن المبدأ الذى يستند إليه الحل مبدأ مقبول. الناحية الأخرى ضمان اتساق مجموع المبادئ التى نعتمد عليها بعضها مع بعض، بحيث لا يدخل مبدأ غير متجانس فى نسق المبادئ التى ثبتت فيؤدى إلى تضارب الحلول التى تحقق أهدافا متعارضة دون أن ندرى نتيجة لتعارض المبادئ التى تعتمد عليها الحلول. لتحقيق هذا الأمر يجب أن تكون المبادئ التى تستند إليها الحلول واضحة فى أذهان مستخدميها وضوحا يبرر عدم تعارضها مع بعضها البعض. فلا يمكن تفسير إهمال الدولة لصعيد مصر لسنوات طويلة مثلا إلا على أنه سياسة لم تكن تستند إلى مبادئ واضحة.

قد يرى البعض أن ما يبدو أنه سياسات ناجمة عن مبادئ متعارضة ليس كذلك فى الحقيقة، ولكن ضيق ذات اليد هى ما تحول أحيانا دون تنفيذ السياسات بشكل يظهر اتساق المبادئ التى استندت إليها هذه السياسات. فما كان إهمال الدولة لبعض المؤسسات والقطاعات فيها ناتجا عن عدم وعى بالمبادئ التى كان يجب أن يستند إليها التطور، ولكنه كان ناتجا عن انشغال الدولة بحروب غلت يدها أمام التنفيذ. هنا يمكن الرد بالقول إن الإهمال لم يتوقف بعد انتهاء الحروب التى خاضتها مصر، بل ربما يمكن القول إنه ازداد سوءا. عندما تعطى السياسات المختلفة انطباعا أنها مستندة على مبادئ متعارضة، أو أنه لا وجود لمبادئ تحكمها، وتكون حقيقة الأمر أن ضيق ذات اليد هى ما أنتج هذا الانطباع بوجود خلل فى السياسات أو فى التنفيذ، فإنه متى كان لواضعى السياسات ومنفذيهاالوعى بهذا، ستكون حاصلة بالضرورة على إمكانيةإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح متى توافرت الظروف والشروط. > أستاذ الفلسفة جامعة المنيا


لمزيد من مقالات د. بهاء درويش

رابط دائم: