رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصمم المحكمة الدستورية.. «ميتـو» عبقرى العمارة

نجوى العشرى

من منا لا يقف فى فخر واعتزاز أمام مبنى المحكمة الدستورية العليا الشامخ والذى يبدو وكأنه بيت العدالة المصرى الذى ورثناه عن أجدادنا الفراعنة منذ 7 آلاف سنة لولا بعض التفاصيل والإضافات التى تعبر عن عصرنا الحالى؟

..............................

العجيب أن الإحساس بأصالة هذا المبنى لا يزول بسهولة إذا عرفنا أن عمره الحقيقى لا يتجاوز ربع قرن من الزمان! فأعمدة المبنى بتيجانها التى تشبه زهرة اللوتس أقيمت عام 1995 بعد فوز مصمم الطراز المعمارى للمحكمة فى مسابقة عالمية لإقامة المحكمة فى عام 1994، والذى قام بهذا التصميم العظيم هو معمارى مصرى عبقرى فقدناه فى ريعان شبابه قبل 5 سنوات من الآن، وتحديداً يوم 15 أكتوبر عام 2015 فى حادث أليم، لم يكن يومها قد أتم التاسعة والأربعين من عمره، لكنه استطاع أن يقدم خلال فترة حياته القصيرة أعمالاً تشهد بعبقريته، إنه الدكتور أحمد مصطفى ميتو الذى ولد فى الخامس من نوفمبر عام 1966، وكان والده المهندس المدنى مصطفى ميتو الذى كانت له إسهامات كبيرة فى الهندسة المدنية والإنشائية فكان يرغب فى أن يلتحق ابنه بكلية الهندسة قسم مدنى، وبالفعل التحق بهندسة عين شمس، إرضاء لأبيه ونزولاً على رغبة أسرته خاصة أنه حصل فى الثانوية العامة على مجموع 90%، وهو أعلى من النسبة التى تقبلها الكلية فى ذلك الوقت، لكن الفتى كان يرغب فى الالتحاق بمعهد السينما قسم إخراج، ولم يستطع البوح برغبته أمام والده أو أى من أفراد أسرته، لكن كيف يحقق طموحه ويرضى أهله فى آن واحد؟ استطاع ذلك عندما قرر الالتحاق بقسم عمارة ليقوم بما يشبه عمل المخرج السينمائى ولكن فى مجال العمارة، تخرج عام 1989 وحصل على امتياز مع مرتبة الشرف وواصل الدراسة الأكاديمية فحصل على الماجيستير عن تنسيق المواقع وعلاقته بالتجمعات السياحية ثم الدكتوراة عام 2002 فى مجال «التفاعل مع العمارة التكاملية» ولم يكتف بالعمل فى سلك التدريس فتقدم إلى مسابقات تصميم العمارة وفاز بعد تخرجه بعام واحد فى مسابقة تصميم مكتبة الطفل وبعدها فاز بجوائز فى 14 مسابقة تصميم معمارى منها دار الكتب فى باب الخلق والمحكمة الدستورية العليا وجامعة النيل وعدد من الفنادق والبنوك والأبراج، وكان ما يميز أعماله أنها توحى بالحركة وأن لها فلسفة وحكمة من وراء حركتها الظاهرة رغم سكونها فى مكانها، لم يعترف بالقيود الكلاسيكية، كان مبدأه «الإبداع فى العمارة» وهو ما ظهر فى تغيير النسب التقليدية للأعمدة والتيجان فى إنشاء وتصميم المحكمة الدستورية العليا لتحقق الهدف الوظيفى للمبنى وفى الوقت نفسه تحتفظ بجذور العمارة الفرعونية فلم يكن المبنى كالمعابد الجنائزية التى اشتهر بها الفراعنة، ولكنه يوحى بالمهابة والشموخ والاتزان لتحقيق العدالة.. أيضاً ظهر إبداعه فى مشروعه لتطوير مبنى مجلس قيادة الثورة بالحفاظ على الطابع الأصلى للمبنى وتحويله إلى متحف يوثق فترة من أهم فترات تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

كان الفنان الراحل، بالفعل فنانا مبدعا وليس معمارياً فقط، يؤمن بحرية الإبداع والابتكار، فكان يشجع طلابه أصحاب الأفكار التى لا تلتزم بما فى الصندوق، كأنه أراد فى فترة حياته القصيرة أن يواصل تلاميذه مسيرته من بعده، فكان يمنحهم أعلى الدرجات عند تقييمه لمشروعات تخرجهم.

أيضاً كانت للفنان الراحل لمسة إدارية تنم عن عقلية فذة فعندما كان يمثل مصر فى بينالى فينيسيا للعمارة عام 2010 وجد صعوبة فى تمويل الجناح المصرى، فقد تأخر التمويل حتى الأسبوع الأخير قبل انطلاق البينالى، فلما شكا لوزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى طلب منه الأخير أن يتولى إدارة الأكاديمية المصرية فى روما حتى يقدم الحلول لما يشكو منه!

فى خلال العامين اللذين تولى فيهما إدارة الأكاديمية «2011 – 2012» استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة فى وقت كانت فيه ثورة 25 يناير تفرض عليه قيوداً من الناحية المالية، ورغم ذلك فقد استطاع بإمكانات قليلة أن يحقق بعض طموحاته، فنظم ندوات ومعارض ومؤتمرات حول أنماط الفنون والإبداع وتداخلاتها وكيفية التعامل بينها لتحقيق التكامل وهنا استطاع أن يحقق طموحه القديم بالربط بين العمارة والفن السابع «السينما» حلمه فى الإخراج فلفت انتباه المتلقى الأجنبى الذى تعرف على عراقة مصر من خلال هذه الفعاليات الثقافية والتنويرية، وكانت للمعمارى أحمد ميتو قولة مشهورة عنه يتناقلها زملاؤه وتلامذته وهى «العمارة رحم الأمة» فكان يرى أن العمارة يجب أن تخرج من جذور الوطن لتعبر عنه فلا يصح أن نسمح بتشويه العمارة تحت أى مسمى خاصة أن العمارة المصرية عمرها 7 آلاف سنة وأكثر..

كما كان يرى أن المعمارى مثله مثل الفيلسوف والطبيب النفسى فى قدرته على تشكيل مقدرات الشعوب وكيانات الوطن وإحساس الناس وثقافتهم من خلال تصميماته المعمارية، فهو يرى أن فكرة «التصميم المعمارى» لها «كاريزما» بل يرى أنها كأب يناجى العقل الباطن لكل مستوى من الناس حسب درجة ثقافته وتفكيره، وبالتالى فالفكرة الواحدة قد يختلف تأويلها وتفسيرها من شخص لآخر ومن أمة لأخرى حسب اختلاف العرق والجنس والعمر، لهذا كان ينتقد سلوكيات بعض الناس الذين يسندون تصميم أبنيتهم إلى مقاولين أو مهندسين فى غير تخصص العمارة ترشيداً للنفقات، وكأنهم يسندون عمارتهم إلى «ترزية» يفصلونها حسب الطلب دون التزام بقواعد أو ابتكار فمن هنا ظهر التشويه المعمارى، حتى أن بعض المدن الجديدة لم تسلم منه لعدم وجود اشتراطات أخرى غير الارتفاع ومساحة المسطح دون أى تخطيط للشكل العام أو ارتباط بمعايير بنائية أو جمالية فى التصميم والتنفيذ.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق