رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خاتم سليمانى

لا أدرى ماهى مشاعر نبى الله سليمان لو علم أن اسمه سيرتبط فى يوم من الأيام بعمليات قتل وإرهاب وصراعات بين شياطين البشر، بعدما كان يسخر شياطين الجن والرياح والحيوانات والطيور فى أعمال البناء والتعمير، بقدرة الله سبحانه وتعالى عبر خاتم يحمل اسم الله الأعظم ليكون بذلك أقوى مخلوق على كوكب الأرض، وبسبب ذلك يظل خاتم سليمان رمزا للقوة الخارقة على مر التاريخ، وأملا لكل من يحلم بامتلاك تلك القوة، وأسطورة مهمة فى التراث الشيعى على وجه الخصوص. فمن المرويات عند الشيعة الاثنى عشرية أن خاتم سليمان كان لدى سيدنا على بن أبى طالب رضى الله عنه، وعندما مر به سائل وهو يصلى ولم يكن لديه شىء يتصدق به، أعطاه الخاتم، وعلم النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فأرسل خلف السائل من يشترى منه الخاتم ورده إلى سيدنا على، وهذا الخاتم تناقله الأئمة الإثنى عشر وهو الآن, حسب المعتقد الشيعى, موجود لدى الإمام الغائب المهدى المنتظر وسيستخدمه عند ظهوره فى السيطرة على العالم. لذلك تشبها بالإمام على وبالمهدى المنتظر يحرص كبار قادة الشيعة على لبس خاتم من العقيق اليمنى السليمانى، وهو موجود لمن يلاحظ فى يد مرشد الثورة الإيرانية على خامنئى والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وفى يد قاسم سليمانى قائد فيلق القدس فى الحرس الثورى الإيرانى الذى لقى مصرعه فى ضربة أمريكية ببغدادوإذا كان خاتم سليمانى هو كلمة السر فى الكشف عن جثة صاحبه، فهو يكشف أيضا عن فصل جديد ومستمر من فصول الأمن القومى العربى المستباح، بعد أن اصبحت الأراضى العربية مسرحا للصراع الامريكى الإيرانى، على حساب المواطن العربى. فالمنطقة العربية الآن يتهددها ثلاثة مشروعات للهيمنة يحاول كل منها السيطرة على الأوضاع بالمنطقة، هى: المشروع الأمريكى، والمشروع الإيرانى، والمشروع التركى، وكلها تحاول استخدام النعرات الدينية فى إتمام محاولات الهيمنة على العالم العربى، فى ظل غياب كامل لمشروع عربى يمثل مقومات الأمن القومى العربى. ويعتمد المشروع الإيرانى على الوجود الشيعى فى بعض الدول العربية، وخاصة المؤمنين بالمذهب الإثنى عشرى وبنظرية ولاية الفقيه التى أعاد إطلاقها عمليا الخومينى عقب نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وأصبحت الأساس الذى يقوم عليه الدستور الإيرانى، حيث تنص المادتان الأولى والثانية منه على أن تكون ولاية الأمر والأمة فى غيبة الإمام المهدى للفقيه العادل، وتوضح المادة 57 منه أن السلطات الحاكمة فى جمهورية إيران الإسلامية هى عبارة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية التى تمارس تحت إشراف ولاية الأمر وإمامة الأمة. وهكذا ساوى مرشد الثورة الإيرانية الخمينى بينه وبين الإمام المعصوم، واصبح لهذا المنصب سلطة مطلقة فى الأحكام العامة والخاصة ليس على الإيرانيين فقط، ولكن على أى شيعى فى العالم يتبع المذهب الإثنى عشرى، واصبح هذا هو شعار تصدير الثورة الذى رفعته إيران، واستغلت أوضاع الشيعة فى بعض الدول العربية لتكون قوة مضافة لها على أراضيهما بدعمهم ماديا وعسكريا وسياسيا عبر فيلق القدس الذى كان يقوده سليمانى، رغم معارضة بعض الشيعة العرب غير المؤمنين بالمرجعية الإيرانية لهذا التمدد على الأراضى العربية، وبعد نجاح تجربة حزب الله فى لبنان، بدأت فى تكرار التجربة بدول عربية أخرى، رغم خصوصية الوضع اللبنانى وارتباط تجربة حزب الله بمقاومة العدو الصهيونى، وهكذا سيطرت إيران على مفاصل الحياة السياسية والعسكرية والأمنية فى العراق ودعمت كثيرا من الميليشيات الموالية لها على رأسها الحشد الشعبى، واصبح سليمانى هو المسيطر الحقيقى على الأوضاع هناك، وأحرق بعض المتظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة صورته فكان الرد هو مقتل المئات منهم، وتدخلت إيران بثقلها فى سوريا إلى جانب النظام الرسمى والدولة السورية، ودعمت الحوثيين فى اليمن بالسلاح والخبراء العسكريين، وارتفع الحديث عن الهلال الشيعى.

أما المشروع التركى للهيمنة على المنطقة العربية فقام على مداعبة أحلام بعض المجموعات السنية المتطرفة بإعادة الخلافة الإسلامية التى تمثلها الإمبراطورية العثمانية، وفى سبيل ذلك قام الرئيس التركى رجب طيب أردوغان صاحب هذه النظرية بمطاردة كل خصومة السياسيين وإعادة هيكلة النظام التركى ليكون هو الرجل القوى الذى يسيطر على كل مقدرات الدولة، ثم كانت الخطوة الحاسمة بتبنى التنظيم الدولى للإخوان وإيواء عناصر الجماعة الإرهابية وتوفير الدعم المادى والحاضنة السياسية والإعلامية لهم، واستخدامهم فى محاولات الهيمنة على المنطقة العربية والشرق الأوسط، فاحتضن عناصر داعش والمجموعات الشبيهة فى سوريا واستخدمهم فى الصراع الدائر هناك، وهدد أوروبا بإرسال هذه العناصر الإرهابية إليها، وحاول مساعدتهم على الوصول إلى سيناء لإرباك الدولة المصرية بعد تحطم أحلامه على صخرة ثورة 30 يونيو، وتخلص الشعب المصرى من حكم جماعة الإخوان الإرهابية، وصولا إلى السعى للسيطرة على الأوضاع فى ليبيا عبر الميليشيات المتطرفة التى يمدها بالسلاح والخبراء، ويحاول الآن الزج بالجيش التركى فى المعركة بعد أن نجح الجيش الوطنى الليبي فى فرض السيطرة على مساحات واسعة من الأراضى الليبية وبدأ معركته الكبرى ضد تلك الميليشيات فى طرابلس ومصراتة والمنطقة الغربية بشكل عام لاستعادة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، حتى يتاح للشعب الليبي فرض إرادته السياسية دون ضغوط.

أما المشروع الأمريكى المدعوم اسرائيليا فمازال يعتمد على علاقاته بالقوى التقليدية فى المنطقة العربية، التى يقنعها بتوفير الحماية والأمان لها مقابل أموال النفط، ويسعى بشكل حثيث لإتمام صفقة القرن التى قطع فيها شوطا كبيرا لإدماج إسرائيل فى المنطقة العربية ويكون التعاون الاقتصادى بديلا عن الصراع السياسى، فى ظل تزايد القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة. والمأساة الكبرى هى فى غياب مشروع عربى موحد يستطيع مواجهة التدخلات الدولية والإقليمية فى الشأن العربى، رغم أن العرب يمتلكون بالفعل كل عوامل القوة.


لمزيد من مقالات ◀ فتحى محمود

رابط دائم: