رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قادرون باختلاف

تابعت بكل اهتمام الحفل الحامل لعنوان «قادرون باختلاف» الذى نظم فى الرابع والعشرين من ديسمبر 2019 بمناسبة اليوم العالمى لذوى الاحتياجات الخاصة. وكان لى تقديرى الخاص لحضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكما علمت فى سياق الاحتفال انه العام الثانى الذى يحضره السيد الرئيس وكان ذلك بطلب من احد الأبناء المصاب بالتوحد.ولم يكن اهتمامى بمتابعة الاحتفال مجرد مصادفة او رغبة فى متابعة احتفال يحضره رئيس الدولة وإنما أردت أن أتابع بعد سنوات طويلة من اكتشافى ان فى صفوف الإنسانية فى كل العالم مواطنين محبين للحياة ولكنهم يختلفون عنا قليلا يعيشون بيننا ولكن لم نصادفهم فى الحياة لسبب رئيسى هو تخلفنا كشعب وتخلفنا كدولة. تخلفنا كشعب لأننا كنا نخفيهم عن الاعين حتى لا يمس وجودهم رجولتنا او انوثتنا وتخلفنا كدولة لأنها لا تبالى ولا تعلم بفكرة الاختلاف والتنوع.

وفى الحقيقة لا نستطيع القاء كل اللوم على الدولة ونستمر نتهمها بالتقصير ذلك أنها قامت بالجهد القانونى والمادى فى إطار عمل الواجب المتاح لدولة صغيرة ذات إمكانات محدودة. فقد أنشأت الدولة المدارس، مدارس التربية الفكرية، لهؤلاء المواطنين ولكنها كانت مجرد هياكل خالية من المضمون التربوى والتعليمى الذى يحتاجونه. وكانت تلك المدارس تضم معلمات غاية فى الأدب والعطاء العاطفى للتلاميذ ولكنه كان عطاء بلا سند تعليمى يساعد على اداء المدرسة واجبها كمؤسسة.أما من الجانب المادى فقد وضعت الدولة يدها على قضية هؤلاء المواطنين عندما اعترفت بهم فى اول قانون للتأمينات الاجتماعية عام 1959 عندما اقرت بحقهم فى معاش والديهما الكامل والدائم مدى الحياة. ولكن يستمر المستفيدون من هذا القانون أبناء العاملين فى القطاعين العام والخاص ويتقلص عددهم الآن مع تقلص القطاع العام وعزوف القطاع الخاص عن التأمين على العاملين لديهم. كما انها اقرت فى قانون العمل وجوب تخصيص نسبة 5% من الوظائف والاعمال لذوى الاحتياجات الخاصة ولكنها لم تسر فى طريق التطبيق ولم تشرف عليه ولم تراقبه. بما يعنى ان الدولة كانت تعلم بوجودهم وأعطتهم بعض الاهتمام ولكن لم تعطهم كل الرعاية اللازمة. واتصور وأتمنى ان تختلف الأمور بعض الشيء.

أما المجتمع بمواطنيه فقد استمر يتعامل معهم على انهم من الحالات الشاذة التى لا نعرف سبب مجيئها او علاجها او رعايتها. اعرف حالات كثيرة عانى فيها الاباء والامهات اضطرابات عصبية ونفسية كثيرة نتيجة لإحساسهم انهم يقفون بمفردهم فى مواجهة مصيبة ألمت بهم دون مقدمات او لأنهم تصوروا انهم يواجهون عقابا لجريمة لم يقترفوها. كما اعرف امهات لم يفقن من البكاء واستمررن غارقات فى دموعهن سنوات وسنوات. وتتعاظم المأساة الشخصية عندما يولد طفل من ذوى الاحتياجات لأسرة ريفية تبعد عن الحضر الذى قد، وأقول قد، تجد فيه بعض الفهم لأسئلتها التى لا تنقطع او بعض العون لعلاج ولإعالة طفل او طفلة كثير التكلفة خاصة تكلفة العلاج. فعادة ما يولدون بأمراض تحتاج الى رعاية صحية متواصلة لا يقدر عليها البسطاء.

استمرت البشرية تتنوع فى تكويناتها منذ القدم. وقبل عقود زمنية كان البسطاء من البشر يتعاملون مع ذوى الاحتياجات الخاصة على انهم بركة لا يحتاجون إلا المأكل والمشرب والملبس. ولم يعترفوا بهم كمواطنين لهم حقوقهم على الوطن. وقد تتمايز أحيانا هذه الحقوق عندما تخصص لهم الدولة معاشات دائمة وكاملة مدى الحياة. والآن نقف لنتساءل: وماذا بعد ان انفتح المجتمع على قضية استمر يتجاهلها زمنا طويلا؟

فى البداية نريد خريطة اجتماعية كاملة لهذه الحالات المصرية. وهو عمل ليس صعبا لأنه جرى منذ فترة على احدى المحافظات فى أثناء تولى اللواء ابو بكر الجندى رئاسة الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء. حيث اجرى الجهاز مسحا لمحافظة المنوفية لمعرفة عدد ذوى الاحتياجات. وخرج بنتائج كان اهمها ان المواطنين استجابوا بكل الصدق. بما يعنى انهم يعترفون بالقضية ويسعون الى الدولة لمساعدتهم. لذا يمكن اتباع نفس الاسلوب الاحصائى شيئا فشيئا فى المحافظات الاخري، وليأخذ الجهاز وقته، المهم ان تبدأ الخريطة فى التشكل. ثم اننا لا نطمع فى مجرد الحصول على الاعداد وإنما نسعى الى معرفة التنوع فى الاعاقة لأنها كثيرة، كثيرة، كثيرة ما بين اعاقة بصرية الى سمعية الى جسدية الى حالات التوحد ثم حالات متلازمات سنروم وإعاقات عصبية أخري. والهدف من معرفة الانواع هو محاولة تلافيها لأنها قد تكون بسبب زواج الاقارب او بسبب الوراثة او بسبب الحمل المتتالى المتكرر او بسبب اخطاء علاجية متخلفة كحالة دكتور طه حسين او بسبب المصادفة التى تلعب دورها فى الطبيعة البشرية. على كل الأحوال من المفيد أن نتعرف على الاعداد وعلى التصنيفات معا. ثم لابد من الاعتراف المجتمعى بأن الاسرة التى ترزق بطفل أو بطفلة من ذوى الاحتياجات الخاصة تتحمل عبئا نفسيا وماديا وعصبيا لا حدود له. ويمكننا ان نخفف من هذا العبء إذا اعطينا تلك الأسر الإحساس بأن المجتمع بكل مؤسساته الرسمية وغير الرسمية يقترب منها ولا يبتعد. وان المجتمع بكل مؤسساته يعترف بهم كمواطنين مثلنا تماما وليس كـبركة ولكنهم يختلفون عنا بعض الشيء وانهم يمتلكون عواطف واحاسيس تفوق ما نمتلك بكثير بكثير. ثم ان تضع الدولة فى اعتبارها ان الاقتراب ثم تبنى اوضاع ذوى الاحتياجات الخاصة يدنو بها من الحداثة وينفض عنها بعض سمات التخلف.

اقدر تماما الجهد المبذول من أجهزة الدولة ومن النشطاء فى المجتمع المدنى العاملين بجد واجتهاد لإخراج تلك الصورة الرائعة فى يوم الاحتفال. فالتحرك بكل هذه المجموعات بعد اختيارها شيء عبقرى لابد ان نحييه ونبرزه كنتاج لتعاون الدولة مع المجتمع المدني. فتحية للأبناء الاعزاء والف الف تحية لكل من وقف يساندهم.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: