رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ميكانيكا الاستثمار!

كل عام وأنتم بخير؛ اليوم هو بداية عام جديد، وأقترح أن يكون هو العام الذى نجعله عاما كبيرا للاستثمار فى مصر. وللتذكرة فإن ما تحقق من استثمارات فى مصر خلال السنوات الأخيرة كان أغلبه استثمارات عامة أثمرت إنجازات عظيمة ونتائج محترمة انعكست على المؤشرات الكلية للاقتصاد؛ أما الاستثمار الخاص المحلى أو الأجنبى فقد كان منكمشا فى أحسن الأحوال، ومضربا عن الاستثمار فى أسوئها. فمن المعلوم أن العمال عندما يحتجون يتباطؤون عن العمل أو يتوقفون عنه، أما احتجاج الرأسماليين فيكون بالتباطؤ فى الاستثمار أو التوقف عنه. أسباب ذلك تعود فى الحالة الأخيرة من ناحية إلى المناخ العام للاستثمار أو العلاقات الديناميكية بين عملية الاستثمار والسياسات العامة الأخرى فى البلاد؛ ومن ناحية أخرى إلى ميكانيكا الاستثمار أو العمليات التى تؤدى إلى اكتمال وتنفيذ الاستثمار فى الدولة. ديناميكا الاستثمار كثيرا ما تناولناها فى مقالات كثيرة وهى التى تخلق المناخ المواتى للعملية الاستثمارية، وما يهم هنا هو التأكيد مرة أخرى على ميكانيكا الاستثمار التى هى لحسن الحظ واردة فى تقريرمهم وشامل لكل دول العالم تقريبا ــ 190 دولة- ويصدره برنامج الأمم المتحدة للتنمية كل عام تحت اسم ممارسة الأعمال. وبالمناسبة هناك تقرير تفصيلى خاص بالدولة المصرية إذا أرادت إصلاح ما لديها من عيوب تقف فى طريق؛ وسبق لى أن أهديت نسخة منه إلى أحد رؤساء وزراء مصر المعروفين بالهمة ولكن يبدو أن الظروف لم تسمح بالنظر أو تطبيق ما كان فيه. الآن وقد أصبح دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى مشرفا على ملف الاستثمار بالإضافة لأعباء أخري، فإننى أدعوه إلى التعامل مع ميكانيكا الاستثمار من خلال هذا التقرير 2020 الذى يقول إن ترتيب مصر فى هذا المجال هو 114، وفى ذلك درجة من التحسن عن المكانة السابقة 122 إلا أن ذلك لا يخرجنا من الوقوع فى مكانة متأخرة للغاية مقارنة بدول عربية أخرى مثل الإمارات (16) أو البحرين (43) أو المغرب (53) أو السعودية (62) أو الأردن (75) أو قطر (77) أو الكويت (83)؛ أو دول إقليمية مثل إسرائيل (35) أو تركيا (33). ومع مطلع العام الحالى فإن هناك عشر دول حققت تقدما ملحوظا، أى قفزت مراتب كثيرة فى ممارسة الأعمال، وهى السعودية والأردن وتوجو والبحرين وطاجيكستان وباكستان والكويت والهند ونيجيريا. التقرير الأخير يقول إن لدينا مشكلة حقيقية فى قضية الاستثمار، وإذا كانت هناك أمور كثيرة ليست كلها فى يدنا سواء كان ذلك متعلقا بالبيئة الإقليمية، أو حتى بالتنمية الداخلية، أو فقر ثقافة الاستثمار، فإن ميكانيكا الاستثمار هى قضية سيادية لها علاقة بالقوانين والإجراءات. فقياس ممارسة الأعمال يبدأ من وقت أن يكون الاستثمار فكرة، ويمضى به فى البدء والموافقة، والحصول على التصاريح الخاصة بالعمل، والحصول على الأرض، والكهرباء، وتسجيل الملكية، والحصول على القروض، ورأس المال والتعامل مع البنوك، وحماية حقوق الأقلية المالكة للأسهم، ودفع الضرائب، والتجارة عبر الحدود، وتنفيذ العقود، وينتهى بالإفلاس أو الخروج من السوق. والدول العشر الأولى فى العالم هى نيوزيلاندا، وسنغافورة، وهونج كونج، والدنمارك، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، وجورجيا، وبريطانيا، والنرويج، والسويد. وبالنسبة لمصر فرغم أن كل المعايير الخاصة بها لا تجذب مستثمرا ولا تاجرا، إلا أن بعضا منها مخجل ومنفر للاستثمار، فنحن فى المكانة130 بالنسبة لتسجيل الملكية، و158 فى دفع الضرائب، و171 فى التجارة عبر الحدود، و166 فى تنفيذ العقود، و104 فى الخروج من السوق. محصلة ذلك كله أنه رغم كل العمل التشريعى الذى تم خلال السنوات السابقة، فإننا لم نتمكن من إصابة هدف تسهيل الاستثمار، وما ورد عن قانون الاستثمار، ولائحته التنفيذية، والتعديلات التى تمت على كليهما، وقانون الإفلاس، وغيرها من التشريعات فإنها كلها ظلت فى واد، وما يجرى فى العالم والمنطقة فى واد آخر.

لقد بدأت رؤية مصر 2030 فى عام 2015، ومن ثم يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات من السنوات الخمسية مضت الأولى منها بمجموعة كبيرة من التطورات الإيجابية، ومعدل نمو معقول وإيجابي، ونحن الآن على أبواب الخمسية الثانية فى تطبيق هذه الرؤية التى تحدد المدى الذى نريد الوصول إليه، وهو أن تكون مصر بين الدول الثلاثين الأولى فى التنمية البشرية فى العالم. هذا الهدف ما زال بعيدا، ولكنه ليس مستحيلا على ضوء ما تحقق، وما هو ممكن تحقيقه بداية من المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح المصرى، حيث إن شواهد كثيرة تقول إن عمودها الفقرى سوف يكون الاستثمار الخاص. المشهد الأول كان إعداد البنية الأساسية والتوسع فيها، ومن ينظر إلى مصر الآن يرى ورشة عمل كبيرة تتغير فيها ملامح الوطن وجغرافيته، بحيث يكون أكثر اتصالا واندماجا من أى وقت مضي. المشهد الثانى أن هناك أكثر من برنامج للخصخصة وضع بالفعل للتعامل مع شركات القطاع العام، ولعل الوقت قد حان لتطبيقه على نطاق واسع ودون تردد أو تطبيقه من قبل أياد غير مرتعشة. المشهد الثالث ولعله أكثر قوة ووضوحا أن الرئيس عبد الفتاح السيسى صرح أكثر من مرة بأن مشروعات القوات المسلحة سوف تعرض أسهمها فى البورصة المصرية، وهو من ناحية يعبر عن نية الدولة فى تشجيع القطاع الخاص أفرادا وشركات للمشاركة فى ملكية وإدارة شركات ناجحة, ومن ناحية أخرى أنه يوفر الموارد الجديدة للجيش المصرى لكى يدخل التنمية فى مناطق وقطاعات جديدة من البلاد أو البحث العلمى اللازم للتنمية. المشهد الرابع أن القطاع الخاص خلال الخمسية الأولى لم يكن ساكنا كل السكون فقد نجح فى الصمود كما حدث فى السياحة، وكما نجح أيضا فى إقامة ودعم مدنه الخاصة، وفى كل الأحوال فقد كان قائدا للصادرات المصرية؛ ولا يقل أهمية عن كل ذلك دخول القطاع الخاص فى مجالات جديدة كما حدث فى المواصلات (أوبر)، وكما جرى فى المعاملات المالية (فوري).


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: