رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

استدعاء التاريخ.. يستدعى خطاياه

ليس من قبيل المبالغة القول إن العالم المعاصر لم يشهد رئيس دولة يدير علاقاته الخارجية من كهف التاريخ، وظلاماته مثل الرئيس التركى أردوغان. فقد وصل به الجنون بنسخة متوهمة من تاريخ قبيلته المتوحشة أن قام بتغيير شعار وزارة الخارجية التاريخية, بصورة لو أدركتها الدول المعنية لقطعت علاقاتها بتركيا, ودخلت معها فى حالة استعداد للمواجهة.

ففى منتصف ديسمبر 2018غيرت وزارة الخارجية التركية شعارها القديم الذى كان يحتوى على نجمتين الى شعار جديد، يضم 16 نجمة، تشير كل واحدة منها إلى دولة أسسها الأتراك عبر التاريخ، والتصميم الجديد لشعار الخارجية التركية، يأتى ضمن خطة تتناسب مع شعار رئاسة الجمهورية التركية، عقب الانتقال إلى النظام الرئاسى، حيث يتوسط العلم التركى الشعار الجديد، وتحيط به عبارة الجمهورية التركية، وزارة الخارجية، و16 نجمة حمراء، فى إطار الشعار بشكل دائرى.

وتمثل النجوم الست عشرة فى شعار وزارة الخارجية التركية كل دولة أسسها الأتراك عبر التاريخ وهي:الدولة العثمانية، والدولة الخاقانية، والدولة التيمورية، والدولة السلجوقية، ودولة الآق هون، ودولة الهون فى أوروبا، والهون الغربية، وإمبراطورية الهون العظمى التى حكمت آسيا وأوروبا، وإمبراطورية الهند البابرية، ودولة (خاقانية) الخزر، ودولة (خاقانية) الأيجور، ودولة (خاقانية) الآوار، والدولة الخوارزمية، والدولة الغزنوية، ودولة القبيلة الذهبية، ودولة الخانات السود. وهذه الدول تمتد من الصين الى أوروبا مرورا بجميع جمهوريات آسيا الوسطى والهند وباكستان وأفغانستان وإيران والعراق والشام وجنوب روسيا.

وكأن هدف وزارة الخارجية التركية العمل على استعادة الحكم التركى لهذه الدول، أو إعادة إحياء هذه الدول على أنقاض الدول الموجودة حالياً، والتى تتعامل معها وزارة الخارجية التركية على أنها دول ذات سيادة، وأعضاء فى الأمم المتحدة... فأى جنون بالتاريخ، وشغف باستعادته أكثر من هذا؟.

لا يبالغ المرء حين يقول إن الرئيس التركى أردوغان يعيش فى التاريخ، ويغيب عن الواقع، ويفعل كل ما يستطيع من أجل أن يعيد ما يظن أنه أمجاد العرق التركى، والعثمانيين خصوصاً، وفى سبيل تحقيق ذلك وظف كل مقدرات الدولة التركية، ابتداء من الدراما، والمسلسلات التى تعيد تصوير التاريخ على مقاس أردوغان، وبما يريد أردوغان أن يفعل، والمتأمل فى كل أفعال أرطغرل، أو عثمان يجد أنهما صورة تاريخية لأردوغان، تبرر أفعال أردوغان أو سياسات أردوغان، أو أن أردوغان هو النسخة المعاصرة منهما. لذلك اشتعلت النار فى كل أزلام وغلمان أردوغان وجواريه من العرب حين تمت إذاعة مسلسل ممالك النار الذى يكشف فصلا صغيرا من فصول القبح التركى على مر التاريخ.

حيثما يذهب أردوغان، وحكومته يبحثون عن مسجد عثمانى أوسوق عثمانية، أو حمام عثمانى فى أى دولة مسلمة، أو غيرة مسلمة، ويسخرون السياسة الخارجية التركية لترميم ذلك الأثر، أو يوظفون أوقاف المسلمين لبناء مساجد على الطراز العثمانى فى دول لم تعرف العثمانيين، ولم ترهم على مر التاريخ مثل دولة غانا فى إفريقيا.

لقد أصبحت المساجد والعمارة وسيلة لاستعادة التاريخ العثمانى وتوسيعه, وذلك لتحويله الى قوة ناعمة للدولة التركية، يستطيع أردوغان أن يعبر من خلالها الى حلمه فى إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية بحلول مائة عام على سقوطها 2023.

ولكن التاريخ حكيم عظيم، لا يستطيع بائع البطيخ والسوبيا خريج ثانوية الخطباء أردوغان, الذى لم يتلق تعليما جامعياً أن يعبث به ويوظفه، فقد استدار التاريخ ليرى أردوغان وغلمانه وجواريه من العرب الوجه الآخر, فتحركت القوى الحية فى العالم الغربى لتذكِّر أردوغان، ودولته بفظائع العثمانيين الوحشية ضد المسالمين من الأرمن، الذين تم ذبحهم وحرقهم أطفالا وشيوخا ونساء؛ لا لشيء إلا لأنهم مسيحيون أرثوذكس، بنفس عقلية داعش الوحشية.

لقد فتح التاريخ ملف الدولة العثمانية ولن يغلق قريبا، وسيأتى بالنقمات، والويلات على الدولة التركية, فبعد اعتراف الكونجرس الأمريكى، والجمعية الوطنية الفرنسية، وهما السلطة التشريعية فى أمريكا وفرنسا بمسئولية الدولة العثمانية عن مذابح الأرمن، ستكون هذه هى البداية، وستأتى دول أخرى لتعترف بهذه الفظائع، وستظهر فظائع أخرى فى البلقان واليونان والعالم العربى والقوقاز والقرم .... الخ.

وهذا الملف التاريخى حين يتم فتحه من خلال البرلمانات سيتلو ذلك دعاوى قضائية أمام محاكم هذه الدول, تطالب بتعويضات ضخمة، سوف يرفعها أحفاد المتضررين ودولهم، وجمعياتهم، وسوف تدفع الخزانة التركية التى أوشكت على الإفلاس بفضل مغامرات أردوغان، وغباء صهره، مليارات الدولارات تعويضات ستكون لها بداية، ولن يعرف أحد لها نهاية، تماما مثلما حدث مع تعويضات محارق النازى.

التاريخ مستودع كبير للدول والمجتمعات، جاهل من يظن أنه يستطيع أن يوظف أحد جوانبه، أو يفتح أحد ملفاته, دون أن تتداعى الجوانب الأخرى، والملفات الأخرى, التى يتمنى أنها لم تكن موجودة أصلا... التاريخ يرفعك، ويعظم مجدك فى بعض جوانبه، وينزل بك الى القاع ويحطم أحلامك فى بعضها الآخر, فالخير كل الخير أن تعيش تركيا الحاضر، وتتخلص من أردوغان والتاريخ.


لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: