رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الادخار المحلى وسبل تشجيعه

الادخار واجب وطنى تحميه الدولة وتشجعه وتضمن المدخرات وفقا لما ينظمه القانون, هذا هو نص المادة 39 من الدستور المصرى التى تؤكد حقيقة أساسية، مازالت غائبة بشدة عن النقاش فى المجتمع والخاصة بالادخار المحلى وسبل تشجيعه، وتأتى أهمية هذا الموضوع فى ظل السياسة الراهنة والتخفيض المستمر فى سعر الفائدة، بغية تشجيع الاستثمار دون عناية بالجانب الآخر وهو الادخار الذى يعد احد اهم مصادر تمويل الاستثمارات، بل هو المصدر الرئيسى لها، حتى فى ظل تدفق رءوس الأموال الأجنبية، بل إنه ضرورى لجذب هذه الأموال.

أى ان اجتذاب المدخرات الخارجية يتطلب اولا زيادة المدخرات المحلية وتعبئتها فى استثمارات رشيدة ومنتجة. ومن المعروف ان زيادة معدلات النمو تتطلب اولا زيادة المدخرات لتحفيز تكوين رأس المال. إذ كلما ارتفع معدل الادخار أثر ذلك بالإيجاب على معدلات النمو، وهنا تشير الدراسات العلمية الى ان هناك علاقة دائرية موجبة بين النمو والادخار فزيادة الادخارات تؤدى لزيادة النمو، وكذلك زيادة النمو تؤدى لرفع مستويات الادخار.

وهنا نلحظ ان معدل الادخار فى مصر منخفض للغاية لم يتجاوز10% عام 2018/2019، وبالتالى لا يتناسب بأى حال من الأحوال مع معدلات الاستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد.

وكما هو معروف فان المدخرات المحلية هى حصيلة مدخرات القطاع العائلى (الودائع لدى الجهاز المصرفى وأقساط التأمين الاجتماعى وغيرهما) والفائض أو العجز فى الموازنة الجارية والأرباح المحتجزة لدى شركات قطاع الأعمال العام والخاص. ويقاس الادخار المحلى بالفرق بين الناتج المحلى الإجمالى بالأسعار الجارية والاستهلاك النهائي. وينقسم الهيكل القطاعى للادخار بين الادخار الحكومى الذى يتمثل فى رصيد الموازنة العامة للدولة (الفائض او العجز)، والادخار غير الحكومى الذى يتعلق بادخار القطاع العائلى والقطاع المالى والقطاع الخاص.

وسوف يقتصر حديثنا فقط على الادخار العائلى والذى يشكل الجانب الأكبر، وغالبا ما يتخذ شكل مساهمات فى صناديق المعاشات او أشكال أخرى من الادخار الإجبارى التى تتحقق بغض النظر عن معدل العائد عليها. وتشير الإحصاءات الى ان مساهمة القطاع العائلى فى الادخار تأتى أساسا من الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، والجزء الثانى من المدخرات العائلية يأتى من الادخار المصرفى وصندوق توفير البريد وبعض أنواع التأمين. ومن الملاحظ ان هناك تراجعا مستمرا فى معدلات زيادة هذه المدخرات، خاصة لدى توفير البريد وشهادات الاستثمار.

وتزداد أهمية هذه المسألة فى ظل السياسة الراهنة وتخفيض أسعار الفائدة بصورة كبيرة، الأمر الذى سيؤدى الى قيام البعض، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفى إما للاكتناز او للاستهلاك او للمشاركة فى شركات توظيف الأموال، وهو ما يؤدى الى تراجع حجم المدخرات المحلية، ومن ثم الاستثمارات. وهو ما حدث بالفعل حيث شهدت معدلات نمو الادخار بالبنوك تباطؤا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالى لتنمو بنحو 8% مقابل نمو 11% خلال الفترة نفسها من العام السابق.

ويرجع السبب فى ذلك الى عدة أمور، أهمها ارتفاع معدلات الاكتناز، والاستمرار فى تفضيل التعامل النقودى عن التعامل المصرفي.بالإضافة الى ضعف دخول الأفراد والسياسات الحالية المشجعة على الاستهلاك.

ناهيك عن تخلف العادات المصرفية لدى قطاع كبير من الافراد وعزوفهم عن التعامل مع البنوك، مفضلين التعاملات النقودية او المقايضة، وهو ما يحرم هذه البنوك من جانب لا بأس به من المدخرات نتيجة لتسربها الى خارج الجهاز المصرفي، وهى النقطة التى تحسن شركات تنظيف الأموال استغلالها تماما، خاصة انها تركز على العلاقات الشخصية والتعامل المباشر مع الافراد. وهو ما ادى الى انتشار الظاهرة بشدة فى المجتمع، خاصة فى الريف والقري. وتأخذ اشكالا عديدة ومتنوعة، بل والاهم من ذلك انها تشمل جميع شرائح المجتمع، ولا تقتصر فقط على الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى كما يتصور البعض، وليس أدل على ذلك القضايا العديدة التى تثار بين الحين والآخر والمتعلقة بملايين الدولارات التى تم تجميعها من الشرائح العليا فى المجتمع. وللأسف الشديد فقد اقتصر التعامل معها على الأداة القانونية حيث صدر قانون تنظيم تلقى الأموال رقم 146 لسنة 1988 محاولا تنظيم هذه العملية، وجرم قانون البنك المركزى والجهاز المصرفى قيام الافراد بتلقى الأموال من الغير. الخ. وكلها امور لم تنجح حتى فى الحد من الظاهرة، وذلك لأنها لم تحاول معالجة الأسباب الرئيسية وبالتالى وضع رؤية شاملة للعلاج.

فضلا عن انتشار بعض القيم السلبية فى المجتمع المصرى تجاه التعامل المصرفى وسيادة انطباع لدى البعض بان هذه التعاملات هى تعاملات ربوية، وبالتالى مخالفة للشريعة الاسلامية، الامر الذى ادى الى إحجام نسبة لا بأس بها من الافراد عن التعامل المصرفي، وذلك رغم المحاولات التى قامت بها بعض البنوك بإنشاء فروع للمعاملات الإسلامية. وعلى الرغم من عدم صحة هذه المقولة تماما وهو ما أوضحه العديد من الفتاوى الاسلامية المهمة من كبار المفكرين الاسلاميين وعلى رأسهم الامام الراحل د. سيد طنطاوى فى كتابه معاملات البنوك وأحكامها الشرعية فإن هذا الانطباع مازال سائدا لدى شريحة لا بأس بها من الافراد، خاصة فى الريف المصري. وهى المسألة التى ينبغى ان تولى عناية القائمين على الاقتصاد المصرى للعمل على تغيير هذه العادات عن طريق دراسة أسبابها والقضاء على المعوقات التى تحول دون تطوير العادات المصرفية بالمجتمع.

ناهيك عن عدم نجاح الجهاز المصرفى حتى الآن، فى تقديم الخدمات المصرفية المطلوبة فى الريف والقري، ولا الوجود بالقرب منها وفى أماكن يسهل الوصول اليها، وهى القضية التى يجب ان ننشغل بها جميعا لوضع اليات ووسائل لتشجيع البنوك المصرية على فتح المزيد من الفروع فى الريف والقرى المصرية، مع مراعاة الذوق العام عند البناء فى هذه المناطق. فعلى الرغم من توسع البنوك فى إنشاء العديد من الفروع فإنها مازالت لا تتناسب مع عدد السكان من جهة وايضا تعانى مشكلة التركز، إما فى القاهرة الكبرى او بعض المحافظات الحضرية وفى مدن هذه المحافظات ولم تحقق الانتشار المصرفى المطلوب فى جميع مدن وقرى مصر. وبالتالى مازالت البنوك غير قادرة على خدمة المواطنين العاديين والفلاح البسيط، ولم تقم إلا بمبادرات محدودة للغاية لاجتذاب هذه الأموال.

وهكذا فان الاستمرار فى السياسة الحالية يؤدى الى تراجع المدخرات المحلية رغم الحاجة الملحة اليها. خاصة فى ظل الأوضاع العالمية الراهنة التى أدت الى تراجع حركة تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر الى الدول النامية.


لمزيد من مقالات عبد الفتاح الجبالى

رابط دائم: