رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشرق الأوسط فى شارع التسعين!

ليس سهلا أن تمضى فى شارع التسعين بالقاهرة الجديدة دون الشعور بأنك تدخل إلى عالم مختلف آخر غير المحروسة التى نعرفها بقبابها وشوارعها وحواريها وأزقتها، وغير تلك التى عرفها نجيب محفوظ. ربما لم يعد موجودا ما اعتدنا عليه إلا أن تكون هناك تسمية لا تدل على المسمي، فالشائع أن المنطقة هى التجمع الخامس أو التجمع دون أن يكون هناك ترتيب. والحقيقة هى أنه مع التجوال وفقدان الطريق فسوف تجد لافتات عن التجمع الأول وحتى التجمع العاشر، وفيها أحياء بأسماء الزهور من الياسمين إلى البنفسج، وفى قلبها توجد أول العمران الكبير فى الرحاب.

هى فى نهاية الأمر القاهرة الجديدة وكفى فى شمال شرق الطريق الدائري، وملخصها المثير شارع الـ90، ربما لأن عرضه تسعون مترا، أو أن به وحوله تسعين منطقة من نوع أو آخر للعيش أو للبنوك أو للتسوق أو للأكل أو لأنواع عجيبة من العجب. الرائحة هنا غير الرائحة هناك اللهم إلا إذا اعتبرت رائحة البناء تمثل نوعا من الرائحة غير رائحة التراث القاهرية؛ هى مدينة عصرية تماما، مودرن، عماراتها جديدة، وسكانها حتى من كبروا فى السن فيها شباب. هى الحيوية أينما تذهب أو تسير بالسيارة أو تمشى بلا هدف، فهناك دائما ما يمكن مشاهدته من حالات العيش وكسبه والسعى إليه، وكلما أوغلت شرقا فإنك تصل إلى الجامعة الأمريكية بالقاهرة وبحروفها المعروفة AUC التى خرجت من حياتها القديمة على ضفاف القاهرة الخديوية لكى تستقر شاهدة ومشهدا على القاهرة المعاصرة. نقطة جذب تتحدد جغرافيا العناوين عندها، وبمدى الاقتراب منها أو الابتعاد عنها، والوجود شرقها أو غربها، شمالها أو جنوبها، وفى كل الأحوال فإن موقفا للميكروباص وجد ملاذا بالقرب منها حتى لا يتوه أحد أو يفقد طريقه أنه خرج من القاهرة كلية. وهناك فى شارع التسعين، وفى الجامعة الأمريكية، جرى الحديث فى الجولة الثانية لمشروع المستقبل: الشرق الأوسط متطلعا إلى الأمام!.

كانت هذه هى الجولة الثانية من المشروع الذى انعقدت جولته الأولى فى شهر مارس الماضى فى فندق ريتز كارلتون القريب من مقر الجامعة القديم كواحد من فاعليات الاحتفاء بمرور 100عام على إنشاء الجامعة، على أن يكون البحث فى المستقبل من مشاركين شرق أوسطيين أو عرب. وكان ذلك هو ما حدث، ولكن العرب كما نعلم يأتون من اتجاهات شتى شرقا وغربا، ومنهم من يعيش فى لندن أو واشنطن، وأينما يكونوا فهم يحملون هموم منطقة استعصت على السعادة، وعصيت على الأمن، وتخلفت عن المستقبل إلى ماض بعيد. فى الجولة الأولى كان ضروريا وسط كثرة الموضوعات والقضايا القديمة بقدمها، والملحة بمعاصرتها، أن يكون هناك تقسيم ما بين الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى كفة؛ والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والأمن القومى فى كفة أخري. وقبل اجتماع شارع التسعين كان اجتماع حوار المنامة قد جرى قبل أيام ليبحث ذات الموضوع تقريبا، ولكن تحت الإشراف الدقيق للمعهد الدولى للدراسات الدولية والاستراتيجية -وللاختصار IISS-وبحضور خبراء من داخل المنطقة وخارجها. وقبلها مباشرة كان مركز الإمارات للسياسات قد عقد هو الآخر مؤتمره السنوى ملتقى الإمارات الاستراتيجى فى قصر الإمارات بمدينة أبو ظبى والذى قدمنا عرضا له الأسبوع الماضي؛ وبعد أسبوع -على أى حال- سوف ينعقد ملتقى دبى الاستراتيجى أيضا.

القاعدة العامة فى كل هذه الحوارات والمنتديات هى ما يسمى أحكام شتم هاوس (شتم هاوس مركز بحثى فى لندن) والتى تقول إنه يمكن النقل عن هذه الاجتماعات، ولكن دون ذكر الأسماء ونسبة الأقوال لقائليها، هو نوع من الاحتياط الأمنى وضمان الشفافية فى الوقت نفسه، خاصة أن كل المداولات سوف يجرى نشرها فيما بعد. كانت هناك جلستان واحدة عن الأحوال العامة للمنطقة، والأخرى عن علاقات العرب بغير العرب فى الشرق الأوسط، فى الأولى كان التشاؤم غالبا، فكان هناك تفصيل فى أحوال خلال عقد كامل من ثورات وحروب أهلية وتيارات إرهابية تسابقت فى العنف والقسوة؛ ولكن أكثر ما كان قاسيا هو ما قيل عن أن منطقة الخليج أنفقت خلال العقود الأخيرة ما يقرب من تريليونين من الدولارات، وفى النهاية لم تحصل على الأمن. وفى هذه ورغم كل البيانات والإحصائيات فقد رجوت الزملاء العفو عما قد يضايقهم فى أخبار طيبة!، أولها أن العرب محظوظون لأنهم ليسوا واقعين فى حضن دولة عظمي، فماذا لو كان العالم العربى فى أمريكا الوسطى حيث الحضن الصعب للولايات المتحدة الأمريكية؛ أو أن الكرة الأرضية انقلب حالها فجاء حظ العرب فى جنوب شرق آسيا حيث الحضن الصينى الذى لا يقل صعوبة؛ أو وقعت الدول العربية فى شرق أوروبا فيكون الجوار بين ألمانيا من ناحية وروسيا من ناحية أخري، وبالطبع نحن نعرف ما الذى جرى لهذا الإقليم خلال حربين عالميتين. وثانيها أن الأيام الصعبة فى الإقليم ربما تكون وراءنا، صحيح أنه لا تزال هناك حروب فى سوريا واليمن وليبيا فضلا عن الإرهاب، ولكن فيها جميعا يوجد تراجع فى مستوى العنف، وأعداد القتلى والجرحي، وتدمير المدن. وثالثها أن الموجة الثانية مما سمى فى الماضى بالربيع العربى تبدو أنها أكثر نضجا من الموجة السابقة عليها، فالدولة الوطنية هى المبتغى فى لبنان والعراق، وفى السودان كان هناك نجاح واتفاق بين القوات المسلحة والمتظاهرين، وفى الجزائر فإنه رغم المظاهرات الأسبوعية فإن العملية الدستورية تمضى فى طريقها. ورابعها أن ما جرى من تقلبات كبيرة فى المنطقة خلال العقد الذى يلفظ أنفاسه الأخيرة فإنها رغم خسائرها الكبرى ولدت موجة كبيرة من الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى فى مصر والسعودية وتونس والكويت والبحرين والأردن والمغرب وعمان. وخامسها، أنه باختصار فإن هناك عودة للدولة مرة أخرى وهى تحافظ على حدودها الإقليمية على الأقل حتى الآن. ولكن يبدو أن مثل هذه الأنباء لم تسعد أحدا، ولم يبق مكان للحديث عن الجلسة الثانية المثيرة!


لمزيد من مقالات د.عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: