رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإسلام والطاقة الروحية

إلى الطاقة الروحية ينتسب أصل وتطور كل علم وفن وفكر، وبمعونتها اكتشف الإنسان ولا يزال يكتشف معظم النواميس والقوانين، ويكتشف صيغها الرياضية التى تمثل حدس الإنسان وتصوره لذلك النظام العاقل المعقول الذى يسود الكون ويسود العالم الطبيعى.

كل الظواهر التى يحفل بها الكون، إنما تسير فى فلكها المرسوم، وتؤدى دورها، دون أن تدرك كل منها معنى هذا النظام الكونى، ولا مهمتها أو دورها فيه. فالرياح تهب فى جميع الاتجاهات، وفى مواسمها وظروفها المناخية وتجرى الأنهار من منابعها إلى مصباتها عبر مسارها وتعرجاتها التى تعطى الحياة والنماء حيث تصل مياهها والبحار تموج وتزخر بما فيها من أحياء مائية وأسماك وشعاب، وتحمل السفن والبواخر على أمواجها إلى الشطآن التى تستهدفها، كذلك الأرض والأفلاك تدور حول نفسها وحول الشمس فى نظام محكم بديع ومحكوم بجاذبية محكومة بمقدار، لا هى شديدة تتصادم بها الأجرام والأفلاك، ولا هى ضعيفة فتتطاير فى الفضاء اللانهائى. والشمس تضيء وتهب الدفء والحياة للكون، وتصافح البحار والمحيطات لتتبخر مياهها وتتجمع سحبًا تنزل أمطارها حيث المراد المرسوم لها، والقمر يعكس ضوءها، والكواكب تظهر وتختفى، والنباتات تنبت وتذبل، والحيوانات والطيور تولد وتموت.. ولا تعرف كل هذه القوى والمخلوقات شيئًا من ذلك كله، ولا معناه، ولا النظام التى هى جزءٌ منه..

لا يعرف ذلك إلاَّ خالقها سبحانه وتعالى الذى خلقها وأبدعها وسخرها، ويعرفها أكمل وأتم وأدق معرفة بخصائصها وما خلقت وسخرت له. وذكاء الإنسان المدعوم بإيمانه, يدفعه بروحه العظيمة إلى محاولة الفهم وكشف أسرار الكون والتعرف على ما يدور حوله.. وهو فى هذا المسعى يحاول الاتصال بالخالق عز وجل اتصال العبد العابد بالإله المعبود، والمعيلم محدود العلم والمعرفة بالأعلم الذى لا حد لعلمه فهو الذى وسع كل شيئًا علمًا، واتصال العويقل محدود العقل بالخبير الحكيم الأعلى، واتصال الشرارة الصغيرة بالروح الأكبر الأعظم.. اتصال المخلوق بالخالق عز وجل.. بسيده ومليكه ومالك السماوات والأرض وكل ما فى الكون.

فى هذا الحوار، إن جاز التعبير، يحاول المخلوق الذى لا حد لضعفه ولا حد لشوقه إلى الفهم والمعرفة والحرية, أن يتصل بالخالق البارئ الذى لا حَدَّ لقوته وعظمته ومقدرته وعلمه وحكمته.

فى هذا الخطاب يقدم العبد المخلوق الصغير, يقدم إلى ربه عز وجل الخالق الكبير المتعال, يقدم إليه حسابًا عن روحه وما خلصت به وانتهت إليه.. حسابًا لابد منه لكى يتسق فى روح الإنسان معنى العدل وقيمة الحق والحرية.

ولا مراء أن هذه الطاقة الروحية لم تعد كما كانت عليه فى السالف من ثراء وحرارة وأعماق.. ولعل من أسباب هبوط تلك الطاقة الروحية, انشغال معظم الناس بالعرضى الوقتى الزائل عن الدائم الباقى.

زادت هذه الميول من زحام العرضى فى الحضارة الحالية التى شغلت الناس بهذا الزحام فى يقظتهم وفى أحلامهم.. حتى بات العرضى هو الأصل الشاغل للحياة الذى يشد إليه معظم الناس، ومن كل اتجاه، بما يملأ به النفوس من أطماع ورغاب واهتمامات وخيالات، تصرف الناس صرفًا كفيفًا عن الباقيات الدائمات!.

صار هذا العرضى هو العملة العالمية الحقيقية السائدة فى عالم اليوم، وشمل ذلك الأغراض والرغاب والشهوات التى تتقاسم عقول وعواطف ومشاعر واهتمامات معظم الناس!. من مزايا هذا العرضى فيمن ينشدُّون إليه، أنه ميسور المنال ومن ثم أسهل وأقرب لإرضاء فرديتهم وتغذية أهوائهم بقدرتهم وتفوقهم، وإظهار مهارتهم مع استعجال أشواقهم إلى التغيير والتبديل وتحقيق المراد وإثبات الذات!. لا يدرك معظم المقبلين على العرضى، أن انحصارهم فيه يجعله عرضًا وقتيًّا مآله إلى الزوال، وأنه بمرور الوقت يفقد قيمته، بينما تسوقهم أوهامهم إلى الاعتقاد بأنهم بذلك يزيدون حريتهم وسعادتهم ويعطون حيواتهم أبعادًا أكثر اتساعًا..

أمثال هؤلاء لا يتصورون مع غياب الطاقة الروحية، أن بوسعهم أن يصنعوا شيئًا باقيًا ذا قيمة.. وليس هذا التصور صحيحًا فى كل الأحوال، آية ذلك ما حمله وأنجزه أصحاب الرسالات والنبوات، والعباقرة الأفذاذ الذين حققوا البطولات والانجازات فى كل العصور. هذه الطاقة الروحية، على خلاف مجالات الطاقة الطبيعية، لا تعمل بصفة آلية مباشرة فى الجزئيات، وإنما تشعل فى داخلنا تلك الطاقة الموصلة من خارج الإنسان إلى داخله ، هذا الداخل الذى يرتد إليه قوة النفس وطاقتها. وهذه الطاقة الروحية جزء فى تكوين الآدمى ، لا يخلو منها إلاَّ الشاذ والشائه .. وفقدها نهائيًا يعد من قبيل العاهة.. وهذه الطاقة الروحية تكمن خلف الطاقة العقلية والعاطفية ومجدولة معها. لذلك فحين تنشط هذه الطاقة أو تخبو تتأثر بذلك عقولنا وعواطفنا. وهذه الطاقة الروحية التى ميز بها الله آدم وذريته، نعمة عظيمة، وهى طاقة قفز وارتياد بها يشب الإنسان من درجة إلى درجة، وبواسطتها نمو العنق والبصر ورهف الأذن والسمع والحس لما وراء الحدود المألوفة المتكررة. لقد رفع الله تعالى قيمة الإنسان بتزويده بطاقة روحية قابلة على الدوام للنمو الذى يكفل نمو عقله وعاطفته. ومن يتأمل فى صفحات الكون، يرى الشجرة تمد أعضاءها وأوراقها إلى ضوء الشمس، وتشغل بذلك المكان المقدر لها من قبل فى الأزل، وتبسط وتورف ظلها، وتثمر ثمارها، وتهيئ للطيور أوكارها وأعشاشها..

أينما نظر الناظر المتأمل ، يرقب مشاهد من هذا العطاء للحياة .. يراها فى تساقط الأمطار، وحرارة وعرى الخريف، وبرد الشتاء.. كل شىء من ذلك مقدر ومحسوب بدقة.. هذا النظام والتقدير والتنظيم آية رحمة إلهية فى نظر الإسلام، وآية من آيات الخالق الذى تتجلى رحمته فى إبداعه وصنعه وتقديره وترتيبه.. إن قدرة الله تعالى لا تصافح مخلوقًا دون أن تصحبها رحمته عز وجل ، وهذه الرحمة هى جسر يسع الناس كافة.. ممدود من الأزل إلى الأبد فى اتجاه الواحد الأحد ، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز المتعال.. سبحانه وتعالى رب العالمين.


لمزيد من مقالات رجائى عطية

رابط دائم: