رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر الدولة والثورة

التاريخ يمضى فى موجات، شدتها وعنفوانها حسب طبيعة السنوات التى تحتضنها وما يغلب عليها من أحداث، وعندما يطلع مؤرخون على ما جرى منذ عقد من الزمان فلا نعرف ماذا سوف تكون التسمية ساعتها لأنها لن تكون إلا بعد أن تكون الأحوال تغيرت والدنيا لم تعد كما كانت، وربما فى المرة القادمة عندما تبدأ عملية التأريخ فإن العالم سوف يواجه ما جاء به الذكاء الاصطناعي، ومن ثم توجد فيه أشياء لا وجود لها فى واقع.

قبل أيام فتح لى زميل عزيز حاسبه لكى أرى صورا لأطفال كثر، وقال لى هؤلاء لا وجود لهم فى الواقع، لم يكن هناك فى تاريخهم ذكر وأنثي.

تذكرت ما قاله لى عالم ذات يوم عن الطائرة الأمريكية المعروفة بالشبح لا يتعرف عليها رادار لأنها صنعت من مواد مخلقة؛ والمواد المخلقة هى مواد لا وجود لها فى الطبيعة، فهى ليست حديدا ولا نحاسا ولا خشبا، هى شيء ما جديد لا يترك أثرا ولا بصمة.

هل نتخيل أن ما سوف يكتب عن عصرنا سوف يكون عما لم يحدث بعد أن كان أعظم ما فى عصرنا أن تكون الكتابة عن المسكوت عنه؟ وهل ذلك ما يقال عنه الأخبار الكاذبة والأنباء التى لا تنبئ عن شيء؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يكون التاريخ ما لم يحدث؟

هذه ليست محاورات فلسفية وإنما هى محاولة صعبة للاقتراب من الموضوع، مصر التى بات لها قصتان: واحدة عن الدولة والأخرى عن الثورة. والحقيقة أن الأمر ليس كذلك، فالدولة قصة بالفعل لأن مكوناتها من شعب وأرض وسلطة معروفة، وكل جزء من ذلك له أبعاده وتبعاته ونتائجه؛ ولكن الثورة هى حالة من حالات التغيير.

وما نعرفه أن العقد الحالى شهد حالات متباينة منها بدأت فى 2010 عندما قامت ثورة فى تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن؛ والآن ونحن فى نهايات 2019 نشهد أربعة ثورات فى السودان والجزائر والعراق ولبنان.

خلاصة الزمن أن التغييرات التى جرت منذ عشر سنوات لا تزال جارية حتى اليوم، وكلها أرادت إسقاط النظام فأطاحت برأسه لأنها لم تعرف حقيقة أن النظام هو شبكة من التفاعلات التى لا تنتهى ساعة الإطاحة برئيس الدولة.

مصر فى الحقيقة دخلت إلى الجحيم (الثورة والإخوان والفوضي) وخرجت منه كطائر العنقاء بالاعتماد على القوات المسلحة، وعلى مدى السنوات كان يحكمها ثلاثة مبادئ: أولها ألا تكون هناك فوضى مرة أخري، وثانيها ألا تصبح مصر مثل العراق وسوريا حيث الحروب الأهلية والطائفية، وثالثها أن تمضى قدما وبأسرع قدرة ممكنة نحو أن تكون دولة متقدمة.

المبدأين الأول والثانى جرت النجاة منهما؛ ولكن الثالث فطريقه طويل ولكنه يمكن حسابه وتقدر تحدياته؛ وليس صعبا أن نقرأ تقارير دولية من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للبناء والتعمير حتى تكون هناك شهادة ووثيقة واضحة تقول بمعدلات نمو متفوقة عن غيرها فى إفريقيا والشرق الأوسط وأنها حققت هذا العام 5.6% نموا سوف يكون فى العام القادم 5.9%، وسوف يكون الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فيه بيانات عن أن عدد المدارس العامة والخاصة فى العام الدراسى 2009/2010 كان 44631 مدرسة، وأصبح فى العام الدراسى 2018/2019 ما قدره 55214. (ملاحظة لا التقارير الدولية ولا الإحصاءات المحلية يجرى تداولها فى التليفزيونات الاسطنبولية، مع الاستثناء الوحيد وهو معدل الفقر الذى قال به الجهاز قبل شهرين؛ فكل بناء هو فنكوش وكل زيادة وتفوق ساقط بين الكذب والمبالغة، أما كل نقص فهو من طبيعة الأشياء!). هذه المعركة على أى حال جرى كسبها على الأرض وفى ساحة البناء وسعر العملة المصرية، أما المعركة التى لا تزال سارية فهى التى تخص الفوضي، والأخرى التى تخص سوريا والعراق، وربما يضم لها الآن لبنان التى لم تنشب معركتها الكبرى بعد. فالحقيقة هى أن هناك بيننا جماعة تود لو بدأنا القصة من أولها مرة أخري، وبالطبع فإن مثل ذلك مستحيل، ولكن لو افترضنا أن ذلك ممكن فكيف ستكون الخيارات ساعتها، لأنه فى حدود العلم فإنه لم توجد مواجهة مع الذات وليس مع الآخرين من الخصوم حول ما الذى جرى خطأ فى التجربة من أولها ساعة قرار الرئيس مبارك بالتخلى عن السلطة، إلى ساعة بداية تطبيق خريطة الطريق عقب ثورة يونيو 2013 والتى وضعت الأساس للدولة التى نعيشها الآن؟

هناك طريقة أخرى لتقدير ما جرى لأننا نستطيع مشاهدته مباشرة وعلى التليفزيون لساعات كل يوم حيث تجارب الربيع العربى الثانى فى العراق ولبنان والجزائر والسودان جلية وواضحة بتفاصيلها وتناقضاتها المخيفة بين الثورة على الحالة الاقتصادية التى يجرى البكاء عليها بينما هى فى الحقيقة تزداد تدهورا كل ساعة؛ والرفض الكامل للطبقة السياسية ثم مطالبتها هى دون غيرها بمحاربة الفساد أو بتكوين حكومة تكنو سياسية لا يعرف أحد لماذا سوف تكون أكثر نجاحا من السابقين عليها، وهل يمكن تحقيق إجماع حولها؟ الأهم من ذلك كله هو هل يوجد مشروع سياسي، فالإشكالية الكبرى فى أحداث الخريف العربي، كما كان فى حال الربيع العربى غير المأسوف عليه هى أنه لا يمكن إزاحة الحاضر، ومعه الماضى الذى أدى إليه، إذا كنت لا تعرف المستقبل الذى تريد الذهاب إليه؟ النظرة المدققة فى كل أنواع الفصول العربية هباتها وحراكها وثوراتها أنها بارعة فى الهتافات، ماهرة فى التغريد والتواصل، شديدة التعصب والرفض، ولكنها فقيرة فى المثقفين الذين حل محلهم طائفة النشطاء، والأخطر من القادة الذين حل محلهم حملة أعلام، فلا مجلس هناك ولا حزب ولا مفاوضات ولا تسويات إلا فى الخيال، أم أن كل ذلك من الماضى المراد الإطاحة به؟ وإذا كانت مصر ليست العراق أو لبنان أو سوريا المحترقة، فلماذا سوف تكون مثل تونس التى ساعة كتابة السطور سوف تسلم الحكم للإخوان، أو السودان الذى ما زالت فى مرحلة الاختبار بين المركز والهامش؟!


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: