رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نوبل والفقراء

تزامن الاحتفال باليوم العالمى لمكافحة الفقر، مع إعلان فوز كل من أبهيجت بانيرجى ومايكل كريمر وإستر دوفلو بجائزة نوبل فى الاقتصاد، وذلك عن أعمالهم حول الفقر وأسبابه والتعامل المغلوط مع المشكلة، وبالتالى وضع حلول خاطئة أوفى أفضل الأحوال منقوصة وتحتاج إلى مراجعة. وذكرت هيئة التحكيم أن الخبراء الثلاثة كوفئوا على إدخالهم منهجية جديدة للحصول على إجابات موثوقة حول «أفضل وسيلة للحد من الفقر»، حيث فرقوا بين اقتصاد الفقر واقتصاد الفقراء، وخلصت أبحاثهم الى انه يجب التخلى عن اختزال الفقراء فى شخوص كرتونية وبذل ما فى وسعنا لفهم حياتهم فهما حقيقيا بكل ما تكتنفه من تعقيدات وما تتسم به من ثراء حتى نتمكن من وضع الأطر السليمة للتصدى لهذه المشكلة، التى أصبحت تؤرق بلدان العالم اجمع كنتيجة أساسية لسياسة العولمة والليبرالية المتوحشة.

وهذه المرة الأولى التى تحصل فيها سيدة على هذه الجائزة المرموقة فضلا عن أنها أعادت تأكيد أهمية دراسات التنمية بعد ان ظلت على مدى العقود السابقة تعطى لأصحاب الدراسات التطبيقية خاصة من مدرسة شيكاغو والتى نالت نصيب الأسد بنحو 28 جائزة من إجمالى 50 مع ملاحظة ان هذه الجائزة تختلف عن جائزة نوبل الرسمية والتى قام الفريد نويل بتأسيسها عام 1895،والمقصورة على خمسة مجالات هى (الفيزياء، الكيمياء، الطب، الأدب، والسلام) اما جائزة العلوم الاقتصادية فقد انشئت عام 1968 من جانب البنك المركزى السويدي، ورغم أن المجموعة الاولى من الفائزين كانوا من الاقتصاديين الكبار حقا، على رأسهم راجنر فريش وجون تنبرجن وبول سامولسون وكينث ارو، إلا أنها ومنذ عام 1990بدأت تنحاز بدرجة كبيرة للتيار النيو كلاسيكى بالإضافة الى الفروع التطبيقية شديدة التخصص، حيث لم يحصل عليها سوى اثنين فى مجال اقتصادات التنمية هما ويليام ارثر لويس عام 1979 والاقتصادى الهندى امارتيا سن عام1998، كما لم تمنح لأى اقتصادى اشتراكى وجميع اعلام مدرسة كمبريدج رغم وجود العديد من العمالقة منهم جون روبينسون، ونيكولاس كالدور، وبييرو سرافا، وموريس دوب، واوسكار لانجه..إلخ على حد تعبير الدكتور محمود عبد الفضيل فى كتابه المهم والمعنون «فى نقد التحليل الاقتصادى المعاصر».

وهكذا أصبحت مقولة البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة القائلة فيما مضى كان البعض يعتبر الفقر شرا لابد منه، أما الآن فقد اجمع الكل على انه ليس شرا فحسب، بل يجب أن يصبح من مخلفات الماضي، حقيقة أساسية ومنهاج عمل خلال الفترة المقبلة خاصة بعد أن تفاقمت الظاهرة وأصبحت إحدى المعوقات الأساسية للعملية التنموية.ويبدو أن هذا أصبح موقف المؤسسات الدولية جميعها فقد نشرت مجلة التمويل والتنمية، لسان حال صندوق النقد الدولى مقالا بعنوان «الليبرالية الجديدة هل شابها الافراط؟ وهو المقال الذى يمثل تغييرا كبيرا فى الفكر القائم»، عليه الصندوق، خاصة انه ينتقد الأعمدة الأساسية التى تقوم عليها جميع برامجه الإصلاحية، حيث يرى أن سياسة التقشف التى كان يدعو إليها عن طريق تخفيض النفقات العامة خاصة على بعض الجوانب الاجتماعية كالأجور والدعم قد أدت فى النهاية الى المزيد من عدم المساواة وسوء توزيع الدخول، بل واقر بان هناك إفراطا شديدا فى تخفيض الموازنات مما أدى الى نتائج عكسية أضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية. كما أشار البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة فى تقريره عن التنمية البشرية فى العالم الى أنه إذا كان هناك انتصارا للرأسمالية، فليس هناك ما يستدعى ان يكون انتصار للجشع الشخصي، وإذا كان هناك زوال للاشتراكية، فليس هناك ما يستدعى ان يكون زوالا للأهداف الاجتماعية.

وهذا يفسر لماذا تربع كتاب الاقتصادى الفرنسى توماس بيكيتى المعنون «رأس المال» فى القرن الحادى والعشرين» على قوائم أكثر الكتب مبيعا على المستوى العالمى حيث بيع منه أكثر من مليونى نسخة وحصل على جوائز عديدة.

بل وشبهه الباحثون بالأثر الذى أحدثه كتاب كارل ماركس رأس المال وكذلك كتاب جون مينارد كينز «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» وذلك بعد ان استطاع جعل المسائل الخاصة بعدم المساواة التى أوجدها النظام الرأسمالى وكيف أن تراكم رأس المال لدى فئة قليلة يقابله تفاقم الفقر وتناقص القوة الشرائية للمجتمع بصورة عامة، مادة نقاش على المستوى الشعبى والنقابى والإعلامي. ويرجع هذا الزخم العالمى والمحلى لما أظهرته المؤشرات من مستوى مرتفع للغاية للفقر، يحتاج إلى دراسة دقيقة ومتأنية لمعرفة آليات القضاء عليه. وهناك مستويان لقياس الفقر أحدهما وفقا للمعايير الدولية من خلال وجود ثلاثة خطوط للفقر، الأول مستوى الفقر المدقع، عند 1.9 دولار فى اليوم للفرد، والثانى خط الكفاف عند 3.2 دولار، والثالث خط الفقر الأعلى، وهو 5 دولارات.بينما على الصعيد المحلى فقد قدر خط الفقر 736 جنيها شهريا للفرد بينما الفقر المدقع عند 491 جنيها شهريا، وذلك وفقا لنتائج بحث الدخل والإنفاق والتى أشارت الى أن الفقر قد تضاعف خلال العقدين الماضيين فارتفع من 16٫7% عام 1999/2000 الى 32٫5% عام 2017/2018 والاهم من ذلك زيادة الفقر المدقع الى اعلى مستوى له ليصل الى 6٫2% مقابل 2٫9%. فضلا عن ارتفاع قيمة المبالغ المطلوبة لتغطية العجز السنوى لهم حتى يتخلصوا من فقرهم، وظهور فصيل جديد من الفقراء وهى الطبقات الوسطى الفقيرة، حيث أدت السياسة الاقتصادية إلى النقص الحاد فى دخول الأسر المتوسطة. بالإضافة إلى أنها أثرت بشكل أكبر على فئات من المجتمع دون أخرى مثل النساء. فضلا عن توريثه عبر الأجيال من خلال سوء التغذية وانتشار الأمراض وانعدام فرص التعليم والعمل. ان الفقر يمثل حالة ما لم يتم كبح جماحها فإنها تميل إلى تجديد نفسها، فالأطفال الفقراء غالبا ما يستمرون فقراء عندما يكبرون، ما لم يكن هناك تدخل لتغيير الأحوال الشخصية للفقير. فالفقر يضع حدودا على إمكانية الاستفادة من الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم ويؤدى الى زيادة معدلات وفيات الأطفال وارتفاع معدلات التسرب من التعليم وعدم الاستفادة من البرامج الاجتماعية المخصصة لهم، بما يجعل هذه الفئات غير قادرة على تحسين مستوى معيشتها، وهكذا يمكن أن تستمر دورة الفقر حتى الأجيال القادمة . كل هذه الأمور تؤكد أهمية أن تكون السياسة الاقتصادية فى خدمة الأفراد والمجتمع، لذا يجب ان يكون النمو مواليا للفقراء وموسعا لقدرتهم وفرصهم وخيارات حياتهم.


لمزيد من مقالات عبد الفتاح الجبالى

رابط دائم: