رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عودة المقاتلين الأجانب «1»

بعد إعلانه المفاجئ سحب القوات الأمريكية من سوريا بعد هزيمة داعش في ديسمبر الماضي، طالب الرئيس دونالد ترامب الدول الأوروبية باستعادة مواطنيها من مقاتلي داعش الذين تم أسرهم في سوريا، محذرا من أن الولايات المتحدة قد تضطر «للإفراج عنهم»، لكن هذه الدول لم تقدم جوابا واضحا، ما دفع ترامب مرة أخرى، مطلع الشهر الجاري، الى تكرار دعوته للدول الأوروبية، لإعادة دواعشها المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

تشير الأرقام إلى أن قوات (قسد) تعتقل أكثر من عشرة آلاف إرهابي، بينهم ثمانية آلاف من العراق وسوريا، وألفان من أكثر من 50 دولة، بالإضافة إلى 70 ألف طفل وامرأة من عائلات الإرهابيين القابعون في المخيمات.

واذا كان منهم من عبر عن فرحته لتحرره من قيود داعش، فمنهم الكثير ممن لم يتخلوا عن إيديولوجيتهم وممن يعتبرون ان هزيمة التنظيم في سوريا والعراق ليست نهاية الخلافة ولا نهاية الفكرة التي أسس لها التنظيم، ما يجعل فكرة هروبهم او إطلاق سراحهم خطرا ليس فقط على الدول التي أتوا منها ولكن أيضا على امن واستقرار العالم، ما دفع أمريكا الى الضغط في اتجاه استرجاع كل دولة لمواطنيها لتتم محاكمتهم داخلها على الجرائم التي اقترفوها، بما في ذلك جريمة الالتحاق بتنظيم إرهابي. في الربع الأخير من عام 2016، عندما كان العالم لا يزال منشغلا بمسائل مكافحة التطرف، ومخاطر تجنيد الشباب عبر الانترنت والتحاقهم بمناطق الصراع، كانت قضية العائدين قد بدأت بالفعل في الظهور بشكل موسع، بينما كانت هناك حالات فردية، قبل ذلك، لعودة اشخاص التحقوا بالساحة السورية قبل ان يعودوا، بنفس الطريقة السرية التي سافروا بها، الى بلدانهم الأصلية حيث قاموا بتنفيذ او محاولة تنفيذ عمليات إرهابية. ففي يوم 24 مايو 2014، أقدم المقاتل الفرنسي العائد، مهدي نموشي، على قتل أربعة أشخاص في المتحف اليهودي في بروكسل، بعد قضائه عاما واحدا في سوريا يقاتل إلى جانب مسلحين على صلة بتنظيم داعش، قبل عودته إلى أوروبا.

بينما اعتقل مقاتل فرنسي الجنسية يدعى إبراهيم بودينا، في فبراير من السنة نفسها، في منطقة كوت دازور الفرنسية حينما كان يخطط لشن هجوم باستعمال مواد شديدة الانفجار، وذلك بعد عودته من سوريا عن طريق اليونان في يناير 2014.

أمام الخطر المتنامي من عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب، قامت مجموعة من الدول الأوروبية والعربية، ضمنها المغرب، تونس والجزائر، بإدخال تعديلات على قوانينها المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وذلك للتعامل مع التهديد المحتمل الذي تشكله عودة المقاتلين الأجانب. وتشمل هذه التشريعات تجريم السفر إلى مناطق الصراع الخارجية. وقد تبنى المغرب في 2015 قانونا جديدا لمواجهة ظاهرة المقاتلين العائدين من بؤر التوتر، سواء سلموا أنفسهم طواعية أو ألقي عليهم القبض، ينص على عقوبات بالسجن تتراوح بين 10 إلى 15 سنة. ويتيح هذا القانون لمصالح الشرطة توقيف العائدين وإخضاعهم للاستجوابات قبل إحالتهم على العدالة.

وأيضا قامت دول أوروبية بتعزيز صلاحيات النيابة العامة، وتوسيع نطاق تدابير تسليم الأفراد إلى بلدانهم الأصلية، وإلغاء وثائق السفر، وزيادة صلاحيات الاستخبارات للمراقبة، وشملت التدابير المعتمدة حديثا في المملكة المتحدة وهولندا وألمانيا والنمسا وفرنسا، وأماكن أخرى، التعامل مع المقاتلين الأجانب كقضية أمنية، سواء فيما يتعلق بالمغادرة إلى الخارج أو العودة.

لكن رغم كل هذه الإجراءات تشكل عودة المقاتلين الإرهابيين العائدين تحديا امنيا كبيرا. ففي المغرب تمكنت السلطات الأمنية مؤخرا من تفكيك خلية إرهابية بمدينة تازة، وسط شمال البلاد، يتزعمها مقاتل سابق في الساحة السورية العراقية، كان قضى عقوبة سجنية سنة 2015 بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، لكنه عاد لاستقطاب وتأطير عناصر مجموعته الإرهابية، حيث حاول استغلال خبراته القتالية التي تلقاها داخل الساحة السورية العراقية للتخطيط والتحضير لتنفيذ عمليات إرهابية ضد مؤسسات حيوية في المملكة.

إن قضية العائدين هي قضية شائكة، بحيث يتعلق الامر بأشخاص منهم من لم ينخرط فعليا في العنف، بل كانوا مجرد تابعين لأهاليهم (بعض النساء والأطفال)، ومنهم من هم معبؤون إيديولوجيا ونفسيا مع المشروع الجهادي، وعاشوا فترة طويلة وسط أجواء العنف وتطبعوا مع مظاهر القتل وتدربوا على حمل السلاح، فكيف سيتم التعامل معهم عند عودتهم الى اوطانهم، فهل سيتم التعامل مع الجميع بنفس الطريقة؟ وهل سيتم اعتقالهم؟ وإلى متى؟ أم هل سيتم منعهم من العودة؟ (وهو الموقف الذي ترجحه أوروبا حاليا)، وهل سيتم إخضاعهم لإعادة الادماج والتأهيل؟

لا شك ان العالم لم يجد بعد إجابات لهذه الأسئلة الحارقة، وهذا ما يعكس تأخره في الرد على مطالب وتهديدات الرئيس الأمريكي بإطلاق سراح المعتقلين والمحتجزين في المخيمات، لكن الشيء المؤكد انه، في جميع الحالات، لا يجب التعامل مع كل العائدين بنفس النظرة، بل يجب التعامل مع كل حالة على حدة ووفق مقاربات مختلفة..


لمزيد من مقالات وفاء صندى

رابط دائم: