رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ديمقراطية التعليم

لا يقلقنى أمر أكثر من ذلك الهاجس الذى يعتادنى من تعدد مستويات التعليم فى بلادنا، وتفاوت المستويات الطبقية بين المدارس والمعاهد والجامعات، وأنا أعترف فى البداية أن الأمر ليس جديدًا فالتنوع التعليمى قائم كما أن التفاوت كان ملموسًا هو الآخر خصوصًا فى المدارس وما يؤدى إليه ذلك من اتساع الهوة بين أبناء الجيل الواحد، إلا أننا نتذكر أيضًا أن المدارس فى بلادنا تحت مظلة التعليم العام كانت تضم فى الفصل الواحد مستويات اجتماعية مختلفة فكان ذلك بمثابة صمام أمان ومبرر للتجانس والانسجام بين الأطفال من مختلف الطبقات والتلاميذ من كل المستويات، ونحن إذ نكتب اليوم عن ديمقراطية التعليم فإننا نصافح واحدة من أهم القضايا فى تشكيل مستقبل الوطن، فلقد لاحظنا فى العقود الأخيرة ذلك التعدد الكبير، والتنوع الواسع فى أنواع التعليم فإننا ندرك أنه إذا تعددت المدخلات كان طبيعيًا أن تتعدد المخرجات لنجد أنفسنا أمام وطن يضم جزرًا منعزلة وفقًا لنوعية التعليم وما غرسه من قيم وما زرعه من أفكار، وبهذه المناسبة فإننى أزعم أن الانصهار الاجتماعى والتجانس السكانى يأتيان من مصدرين لا ثالث لهما، الأول هو الجندية وأداء الخدمة العسكرية على كل المصريين بحيث تضم الوحدة الصغيرة داخل الجيش كافة فئات المجتمع ومستوياته، فقراء وأغنياء، مسلمين وأقباطًا دون تفرقة أو تمييز، فالكل سواء أمام ضريبة العلم وواجب الدفاع عن الوطن، لقد كنا نسمع من الجيل السابق علينا أنهم كانوا يجلسون فى المدارس العامة فى الفصول بلا تفرقة حيث كان التعليم موحدًا ومتجانسًا ولم تكن المدارس الخاصة القليلة إلا مأوى للفاشلين أو المتعثرين دراسيًا، وقد حكى لى أحد أبناء ذلك الجيل أنه كان يجلس مع ابن ناظر الخاصة الملكية على مقعد واحد فى ذات الفصل وهذه فى ظنى هى ديمقراطية التعليم التى تتيح للجميع فرصًا متكافئة وعلى قدر من المساواة دون تمييز لأسباب مادية أو قدرات مالية، ولعلى أطرح هنا الملاحظات الآتية:

أولًا: لقد ذكر الرئيس السيسى فى أحد لقاءاته طرحًا واضحًا حول ثقافة التعليم وكيف أن العملية التعليمية يجب أن تتم فى إطار ثقافى يحيطها وينير الطريق أمامها، وفى ظنى أن ذلك يحتاج أيضًا إلى ما نطلق عليه ديمقراطية التعليم لأن التعليم فى النهاية هو نمط فى التربية لابد أن يشعر فيه الطفل الصغير والفتى اليافع بمفهوم المساواة والفرص المتكافئة بل والعدالة الاجتماعية أيضًا، وتلك كلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما نطلق عليه ديمقراطية التعليم.

ثانيًا: ليس صحيحًا أن مصر قبل 23 يوليو كانت تغلق أبواب التصعيد أمام أبناء الطبقة المتوسطة أو ما دونها، ونتذكر هنا نموذج (على مبارك) فى الصعود من قاع الفقر إلى قرب قمة السلطة وهو رائد كبير للتعليم المصري، وذلك يعنى أن الفرصة كانت متاحة أيضًا للصعود الطبقى من خلال سلم التعليم الذى يعتبر أقصر وأفضل وأشرف الطرق للصعود الطبقى المقبول من كافة أطراف المجتمع لأنه يعتمد على الجهد وعلى القدرات الشخصية والكفاءات الذاتية، لذلك فإننا نظن أن الأبواب لم تكن كلها موصدة وأن النوافذ لم تكن كلها مغلقة، رغم تسليمنا بأن مجتمع النصف فى المائة كان يحتكر جزءًا كبيرًا من مقدرات الوطن وطاقات الشباب.

ثالثًا: إن التعليم هو بوتقة الأمة التى تنصهر فيها الاتجاهات وتزدهر الأفكار ذلك أن التعليم هو عملية حيوية مفتوحة تستقبل كافة الأفكار بلا تفرقة، وتقبل كل الرؤى بلا تمييز، وتتعامل بشفافية ونقاء مع كافة الاتجاهات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى ثقافية، فالتعليم منظومة محايدة لا تخضع لضغوط ولا تستجيب لتوجهات لأن العلم لا وطن له وإن كان للعلماء أوطانهم لذلك فإننا عندما نتحدث عن ديمقراطية التعليم فنحن نستهدف التحديات المرتبطة بالعملية التعليمية ذاتها، وهنا يأتى دور المعلم باعتباره حجر الزاوية فى القضية برمتها إلا أننا لا نخفى انزعاجنا من التنوع الذى تشهده الساحة فى منصات التعليم المختلفة، فهناك تعليم عام وتعليم خاص، وتعليم مصرى وتعليم أجنبي، وتعليم استثمارى وتعليم مدنى وتعليم ديني، هل يتأتى مع هذا التنوع فى بلد واحد أن نتوقع وجود انصهار بين أطراف المجتمع؟! إن ديمقراطية التعليم أيها السادة هى قضية القضايا لأنها تتحكم فى شكل المجتمع الذى نريده والأجيال التى نتوقعها.

رابعًا: إن التقدم التكنولوجى الكاسح قد غير من فلسفة العملية التعليمية وفتح الأبواب والنوافذ أمام سيل متدفق من المعلومات يؤدى إلى انصهار المجتمع أكثر من قبل، وهذه ظاهرة إيجابية يجب أن تدعم ما نطرحه اليوم حول مفهوم ديمقراطية التعليم بحيث تصبح عاملًا مساعدًا نبنى عليه كل المحاولات الجادة لانصهار المجتمع المصرى والقيام بعملية اندماج اجتماعى كامل فى هذا السياق، وفى ظنى أن مثل هذا الجهد يصب فى خانة ضرب التطرف ومواجهة الغلو والتشدد وإقرار المجتمع الوسطى الذى نتطلع إليه.

خامسًا: إن التباعد بين نوعيات التعليم قد أدى إلى هوة كبيرة بين أطراف المجتمع فهناك من درسوا فى التعليم الأجنبى فى مقابل من تعلموا فى الأزهر الشريف ذ على سبيل المثال ذ ولذلك فإن هناك هوة تحتاج إلى أن نملأها بفتح جسور ثقافية بين أطراف المجتمع بغير استثناء، فلو أجرينا مناظرة بين شيخ سلفى وشخص آخر خريج جامعة أجنبية سوف نشعر بالفارق الكبير الذى أدى إلى وجود أكثر من مصدر واحد للتعليم فى وقت واحد.

إن كل ما نتطلع إليه هو تأكيد انصهار المجتمع وتجانس أطرافه والقضاء على الفوارق الكبيرة الناجمة عن اختلاف نظم التعليم التى يجب أن يربط بينها قاسم مشترك حتى لو تنوعت التخصصات واختلفت الدرجات.


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى الفقى

رابط دائم: