رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هوامش سودانية فى الجامعة الأمريكية

فى كل مرة أجلس فيها وسط سودانيين أتلقى جرعة سياسية وافية عما يدور فى بلدهم، والتعرف على كواليس بعض التطورات. فى هذه المرة كان الحصاد كبيرا، لأنه جاء عقب وقت قصير من توقيع اتفاق المجلس العسكرى وتحالف الحرية والتغيير الذى أرسى قواعد المرحلة الانتقالية، وبعد تحركات سريعة لسد المنافذ على من يريدون تخريبه قبل أن يتحول إلى أمر واقع يلتف حوله الشعب السوداني، لأنه يعبر عن الحد الأدنى أو العملى لتطلعاته.

حضرت اللقاء الذى نظمته الجامعة الأمريكية فى القاهرة بقاعة إيوارت الشهيرة، مساء الاثنين، وسط مجموعة كبيرة من السياسيين والباحثين الذين لعبوا دورا مهما فى الثورة. ونجح حامد التيجانى أستاذ السياسات العامة بالجامعة فى حشد عدد معتبر من الناشطين بقوى الحرية والتغيير فى الندوة التى خصصت لمناقشة التحديات والفرص التى تواجه السودان.

وتطرق الحوار لملفات عديدة. وتشعب فى دهاليز قضايا شائكة. وصب مجمله فى عدم رضا الشباب عن الاتفاق الذى يحمل بين ثناياه قنابل موقوتة. ألقيت كلمات وقدمت اجتهادات كثيرة من هنا وهناك. وبدا الخلاف واضحا حول تراجع الثقة فى المجلس العسكري، وارتفاع حسن النيات لدى قيادات الحرية والتغيير. ولثراء الحوار الذى امتد لثلاث ساعات أكتفى بتسجيل ملاحظات أو هوامش سياسية كاشفة لطبيعة المرحلة المقبلة فى السودان الشقيق.

غمز صلاح مناع، القيادى بحزب الأمة القومي، أكثر من مرة إلى ضرورة رفع دول المنطقة أياديها عن السودان، وألمح إلى الاسطوانة التى تظهر وتختفي، حسب الحاجة السياسية، بشأن وجود دعم مصرى وخليجى للمجلس العسكري. ومع أن أحدا لا يملك دليلا واحد على حدوث تدخل مباشر، لكن المؤكد أن التصريحات الرسمية التى صدرت فى القاهرة ركزت فى مجملها على دعم الثورة ومساندة الشعب السودانى فى خياراته السياسية، بصرف النظر عن ماهيتها ومن يحكم. وقام حسام عيسى سفير مصر فى الخرطوم بعقد لقاءات أخيرا مع قوى وطنية مختلفة، بما ينفى فكرة الانحياز. تردد الغمز واللمز على لسان أكثر من متحدث. وفى تقديرى أن انعقاد ندوة فى الجامعة بالقاهرة وغالبية حضورها من قيادات وكوادر الحرية والتغيير أبلغ دليل على عدم صحة الانحياز المصرى للمجلس العسكري. كما أن دور محمد الحسن لبات المبعوث الإفريقى فى تذليل الكثير من العقبات أمام الاتفاق الأخير، يؤكد أن رئاسة مصر الدورة الحالية للاتحاد الإفريقى مفيدة، وجنى السودان من ورائها ثمارا سياسية عدة.

كنت أتمنى أن يتخلص الإخوة فى السودان من حساسيتهم التاريخية المفرطة، والاستفادة من الثقل الإقليمى لمصر بدلا من البحث عن وساطات وحلول لأزماتهم فى دول أخري، لأنها أكثر دول العالم حرصا على أمن وهدوء واستقرار السودان، لاعتبارات استراتيجية معروفة، وهو ما بدا على استحياء فى بعض الكلمات، بشكل عبر عن قدر من التناقض فى الحسابات.

لست بحاجة لتكرار الحديث عن الأضرار التى تكبدتها مصر من وراء نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وتكفى نظرة واحدة لدوره القاتم فى أزمة سد النهضة لمعرفة الصورة كاملة، ونوع الضرر الذى سوف ينعكس حتما على مصالح السودان نفسه مستقبلا. فضلا عن مساحة الحركة والسيطرة والتمكين التى جرى توفيرها لجماعة الإخوان المسلمين والمتشددين والإرهابيين هناك، والتى فضحت كلمات كل من السياسى القدير الشفيع خضر، والاقتصادى إبراهيم البدوي، جانبا مهما من معالمها، ولا تزال تمثل خطرا على البلاد، فقد هيمنت الحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان على مفاصل الحياة بكاملها فى السودان خلال حكم البشير. نبهت ندوة الجامعة الأمريكية إلى أن نفوذ الإخوان يؤثر سلبيا على الثورة، ومن الضرورى أن تتكاتف جميع القوى الوطنية لاقتلاع الجماعة من جذورها، لأن السودان يعد الرصيد الاستراتيجى للتنظيم الدولى للإخوان، ويلعب عبر أراضيه الممتدة دورا مهما فى المنطقة. ومن الخرطوم بدأ الانفتاح على دول كثيرة. ويستوجب هذا التحدى ممارسة ضغوط متواصلة لوضع نهاية عاجلة لمظلة الحركة الإسلامية فى السودان قبل أن تتمكن من ترتيب أوراقها وتصبح الرقم المعطل والمرجح معا فى المعادلة الجديدة. كشفت الندوة عن هوامش خفية أو مسكوت عنها فى الأزمة، تتجاوز المعالم الظاهرة للغموض الذى يكتنف جانبا من اتفاق المجلس العسكرى والحرية والتغيير. فلم يتم تحديد الآليات اللازمة لتنفيذه. ويبدو أنها تركت غامضة لضمان تمرير الاتفاق بعد تعرض الطرفين لضغوط محلية وإقليمية ودولية هائلة. وهى واحدة من العقبات التى ستظهر ملامحها عقب الشروع فى تقاسم السلطة، لأن سياسة الغموض البناء سوف تكون لها عواقب وخيمة فى حالة السودان المفعم بالسياسيين والناشطين والأحزاب والحركات المسلحة.

تغافل الاتفاق عن ما يسمى كتائب الظل فى السودان، وهى ميليشيات تمتلك السلاح بوفرة، وأنشأها نظام البشير للدفاع عنه لحظة الثورة عليه. وتمثل الآن هاجسا لقطاع كبير من المواطنين الذين يريدون تفكيكها فى أقرب وقت ممكن كدليل على عمق التغير، ومؤشر على الاقتراب من الاستقرار. وما لم تنته هذه الظاهرة فسوف يظل شبح البشير مخيما على أى حكومة مدنية يتم تشكيلها.

توافق المجلس العسكرى وتحالف الحرية والتغيير على حل أزمة المناطق المهمشة والتوصل إلى تسوية عادلة نقلة ضرورية فى مسيرة الأزمة. غير أن السباق نحو استقطاب قيادات الحركات المسلحة دخل مرحلة مبهمة. وكل طرف يريد استرضاء قياداتها كعلامة على الصفاء والنقاء والرغبة فى السلام الشامل، فى حين الغرض الحقيقى زيادة حصة التكتلات التى من المفترض أن يكون السودان الجديد تجاوزها. يقول الخبراء إن الاقتصاد ضحية السياسة، لكن فى السودان ربما يكون الأول ملهما للثانية، على حد قول الدكتور إبراهيم البدوي، والتوافق حول عقد اجتماعى لثورة اقتصادية مسألة مهمة لإيجاد حل لكثير من الأزمات. ويعتبر رفع اسم السودان من على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب واحدة من الخطوات الصحيحة فى هذا الاتجاه، لأنها تسهل التفاهم مع الصندوق والبنك الدوليين، وترفع المخاوف التى ترسبت لدى بعض الدول. وهى فى المجمل إشارة تنطوى على مكونات سياسية عميقة، وتؤكد أن سودانا جديدا يولد الآن.


لمزيد من مقالات محمـد أبـوالفضـل

رابط دائم: