رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحمد البري..
العاصفة الكبرى!

بريد الجمعة;

أرسل إليك ما كتبته زوجتى الحبيبة، وأم بناتى لنحتكم إلى رأيك الرشيد، وهى التى اقترحت ذلك، إذ لم تفش طول عمرها سرها لأحد، فلقد تعاهدنا منذ زواجنا على أن نناقش مشكلاتنا فيما بيننا، ولا تخرج عن حدود غرفة النوم، ونحرص على أن تكون حواراتنا بعيدا حتى عن آذان بناتنا بقدر المستطاع، ولا أنسى كلماتك عن أن التسامح وحسن الظن من أبرز أسس السعادة الحقيقية التى تترعرع بها شجرة الحب، وتظل مثمرة طول حياة الإنسان، والحق أننى كثيرا ما أتذكر عبارتك المستمدة من خبراتك، وأطبقها فى حياتى.

إننى أحب زوجتى، فهى أم بناتى ورفيقة عمرى، وأكن لها كل الحب والاحترام والتقدير، وقد عاهدت الله أمامها وأمام نفسى أننى لن أفرط فيها حتى آخر نفس فى عمرى، وسأستمر على عهدى معها مهما يحدث، وإلى جانب ما ذكرته من تفاصيل فى رسالتها إليك، أضيف أنها سيدة بيت ممتازة، وعلى دين وخلق، ويحبها الجميع، «أهلى وأهلها» لأدبها، إلا أن بها خصلة تسبب لى متاعب كثيرة، وهى المبالغة الشديدة فى اعتزازها بنفسها لدرجة أنه لو برقت عيناى لها فقط، أو ارتفع صوتى قليلا، ينتابها البكاء، وتعتبر موقفى البسيط «إهانة فظيعة» لها، فأسارع إليها، وأقبّل رأسها، وأجلس معها وقتا طويلا حتى ترضى عنى، وقد تحمّلت منها الكثير من هذا القبيل، ومازلت صابرا عليها ليس ضعفاً، فالجميع يشهدون لى بقوة تأثيرى وشخصيتى، ولكن لحبى لها، وتقبلا لهذه النقطة السلبية، أمام الكثير من مزاياها الأخرى التى تشفع لها فى أى موقف تتخذه منى، ولقد تحوّل بيتنا حاليا إلى جحيم ونكد وبكاء لا يتوقف لأننى فكرت فى الزواج بأخرى، والحقيقة أننى لم أسع مطلقاً للزواج من غيرها، فأنا مكتف ببيتى وعملى، لكنى تعرفت على سيدة عربية غير مصرية، ومطلقة ولديها ستة أولاد كلهم فى سن الشباب المبكر، وتبادلنا الأفكار وأصبحنا صديقين منذ ستة شهور تقريبا برغم إيمانى بعدم وجود صداقة «بمثل هذا النحو»، حيث تقاربت رؤانا، ووجدت فيها طاقة متجددة، وخفة ظل، وروحا جميلة وحبا للحياة، وعرفت منها أن ظروفها المادية ليست على ما يرام، وترانى حصنا وحماية وسترا لها، فوعدتها بالزواج على أن يتم ذلك بعد الترتيب مع زوجتى وبعلمها، إذ لا أحب حياة الظلام، وصارحت زوجتى بذلك وجعلتها تتحدث معها مرتين على الهاتف لكى أقربهما من بعضهما، متصورا أننى أستطيع أن أجعلهما صديقتين، واتفقت مع هذه السيدة أن تكون لينة طائعة حتى تقنع زوجتى بالقبول بها زوجة ثانية لى، وأن نعيش جميعا فى سلام، علما بأن لدىّ شقة أخرى فى نفس العمارة التى أقطن بها حاليا، وترتيبى أن يكون لكل منهما بيتها المستقل، واضعا فى ذهنى أننى سأستر امرأة، وأجعلها تحيا من جديد بحول الله وقوته، وأكون مطبقاً الآية الكريمة «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، لكن الأمر كله قوبل برفض كامل من زوجتى لدرجة أنها حاولت الانتحار، وخيّم على بيتى الحزن والكآبة، كما أن بكاءها مستمر ليلا ونهارا.

إننى أشفق عليها، وكثيرا ما أضمها إلى صدرى وأهوّن عليها، وأدعوها لأن تتقبل نقاط ضعفى كرجل، وأننى لم أرتكب جريمة فى حقها، فلقد أعطانى الدين والشرع هذا الحق، مادمت سأتحرى العدل بينهما، وأحسب أننى باستطاعتى ذلك، ولكنها تهدأ حينما أتحدث معها، وبعدها ينهمر دمعها أنهارا حزنا على ما حدث لنا، وتطيل النظر إلىّ وهى تقول: «يا خسارة»، وأصدقك القول أن عقلى يلح علىّ بالسؤال: لماذا كل هذا الاستئثار والاستحواذ والأنانية من طرف زوجتى، فكثيرا ما تقول لى: «أنت ملك خاص لى»، ولا أعترض على كلامها لى، فهو يعبّر عن حب جارف، وأسعد به وأبادلها الشعور نفسه، ولكن ما المانع أن تتغير هذه العبارة حينما تكون هناك فرصة لتقديم عمل خير فى شخص إنسانة ارتحت إليها، بل وتعلقت بها، وكثيرا ما أحدّث نفسى، وأسألها: «لماذا لا أقترن بهذه السيدة، وأكون بالفعل حصنا لها، وأحميها وأؤمن حياتها، فأنا قادر ماديا وجسديا على ذلك، وزوجتى لا ينقصها شىء، بل أشعر على المستوى النفسى أن زوجتى نفسها سوف تسعد بهذه السيدة لو قبلتها وتعاملت معها دون تحفز، فهى تتمتع بحراك فكرى ونشاط دؤوب فى نشر معانى الخير والنور فى قلوب وعقول من حولها، وأراها من وجهة نظرى، إضافة حقيقية للحياة بشكل عام، ولولا ظروفها الصعبة الخاصة لأصبح لها شأن كبير فى عالم الفكر والتنمية البشرية وعلم الطاقة والغوص فى المعانى القرآنية بزوايا جديدة لم يتطرق إليها أحد من قبل، فهى حافظة للقرآن بالكامل والأحاديث النبوية، وزوجتى تحتاج إلى صديقة بمثل هذه النوعية.. إننى أحتكم إلى رجاحة عقلك وفهمك العميق لنفسية رجل مثلى، ولست أول رجل يحب زوجته وبيته، وينوى الزواج بأخرى، وإليك رسالة زوجتى.

..........................

أنا سيدة فى أوائل الخمسينات من عمرى، تزوجت منذ أكثر من ربع قرن، وزوجى يكبرنى بعامين فقط ، وأكتب إليك لأول مرة فى حياتى لكى أستعين برأيك فى مشكلتى برغم أننى تعودت طول عمرى ألا أحكى ولا أشتكى لأحد، ولا ألجأ إلا لله، وأستعين به سبحانه وتعالى دائما فى حل ما يواجهنى من مشكلات وعقبات، ولقد كان زواجى تقليديا عن طريق المعارف، فأنا من محافظة ساحلية، وأنتمى لعائلة متوسطة الحال، وحاصلة على مؤهل عال نظرى، وتعرفت على زوجى وهو مهندس من القاهرة، وارتاح كل منا للآخر، ووجدت فيه الحب والحنان منذ أول مرة رأيته فيها، وفضّلت أن أتفرغ لشئون المنزل بناء على طلبه، ولرغبتى فى ذلك، وتزوجنا خلال عام من خطبتنا، وعلى مر السنين تأكدت أنه الرجل الذى كنت أبحث عنه بما وجدته فيه من تدين وطيبة وحسن خلق وشهامة ورجولة وصدق وأمانة وحلاوة اللسان والذكاء فضلا عن وسامته وجسمه الرياضى الطويل، وكان جميع من حولى سواء من أهلى أو أهله يحسدوننى عليه، وعلى مدى ارتباط كل منا بالآخر، وتفاهمنا الواضح للجميع، وعشت كأننى أحيا فى الجنة، وغمرتنا السعادة برغم بساطة بدايات الحياة للشباب، وهم يبدأون أولى خطواتهم فى الحياة العملية والزوجية، والحمد لله مضت حياتنا فى ستر ونعمة وسعادة ورضا بالمتاح لدينا، ومع كل يوم جديد كان ينزل فيض من السماء ورزق واسع، ووهبنا الله أول طفلة خلال عامنا الأول، وكانت أحلى وردة وهدية توج بها ارتباطنا الجميل، وظل زوجى دائما بجانبى فى كل لحظة، وفى أهم مواقف حياتى خلال الحمل ومتاعبه، ثمّ الولادة، حتى عندما كنت بالمستشفى عند وضع ابنتنا، كان وقتها فى مهمة عمل فى محافظة تبعد عن القاهرة بحوالى سبع ساعات، وبمجرد أن عرف بدخولى المستشفى، شد الرحال عائدا إلينا قبل أن يكمل مهمته، ولم يبال بطول السفر، وجاء على عجل، ولازمنى إلى أن وضعت مولودتنا، وهو إلى جوارى فى غرفة العمليات، وقد خرجت إلى الحياة بين يديه، ولم يكن معى سواه، فأهلى بحكم سكنهم فى محافظة أخرى، لم يتمكنوا من الحضور إلا بعد الولادة، وقد عوّضنى غيابهم، قائلا عبارته التى لا تغادر ذاكرتى: «إعتبرينى أهلك»، ولم يبخل علىّ بشىء لدرجة أنه حرر لى توكيلا فى البنوك، ومنحنى حرية التصرف فى حساباته بالسحب أو الإيداع، فصرت أشد حرصا منه على ماله، ولم أصرف مليما واحدا إلا بإذنه، ويشهد لى بذلك، ومن جانبه، فإنه ساندنى فى المواقف الصعبة، ولا أنسى لحظة وفاة والدى، إذ بكى عليه أكثر مما بكى على والده، حيث كان مرتبطا به ارتباطا كبيرا، والحق أن زوجى احتضننى كثيرا، وظل على عهده بى، وقد رزقنا الله ببنتين أخريين، والتحقن جميعا بكليات مرموقة بالمقاييس المتعارف عليها، وتخرجت الكبرى منذ عام، وسوف تتخرج الثانية بعد عام، وبدأت الثالثة دراستها الجامعية هذا العام، وقد ربيناهن على الأخلاق الحميدة والطهر والعفاف، وما يتحلى به ديننا الجميل من الوسطية والإستقامة، ويشهد جميع من حولنا لهن بالجمال وحسن الخلق، ويتمنون أن يكون أولادهم وبناتهم فى مثل أخلاقهن.

فى هذا المشوار الطويل فضلت البقاء بالمنزل لرعاية أولادى، أما زوجى ونظرا لطبيعة عمله كمهندس، فإنه كثير التنقلات والسفر، فمنذ زواجنا ونحن فى سفر وترحال، وكنا دائما معه داخل مصر وخارجها إلا فى سنة واحدة، عمل خلالها فى دولة عربية، وعاش فيها بمفرده، وكان يزورنا لقضاء إجازة قصيرة لمدة عشرة أيام كل ثلاثة شهور، وعندها وجدته مختلفاً، ووصلنى إحساس بأن شيئا ما دخل إلى حياته برغم أنه كان يخفيه، فتقصيت الحقيقة، واكتشفت أنه يراسل سيدة تعرّف عليها، وأنه كان يوجد مشروع زواج بينهما، لكنه عدل عنه، وفضّل بيته وبناته وزوجته، ومرت هذه العاصفة، لكنها كانت صدمة كبيرة فى حياتى، ولم أتخيل يوما أن يصدر من زوجى مثل هذا الفعل، فطول الوقت أراه مثالا للرجولة، وقد أكون مبالغة اننى أحيانا أراه ملاكاً لا بشراً، ولذلك انتابتنى الحيرة، وسألت نفسى: ماذا أفعل؟.. هل أستمر فى هذا الزواج؟، وكيف أواصل حياتى مع زوجى بعد ما طرأ عليه من تغيرات؟.. وكان حتى ذلك الوقت مسافرا، ولم أجد بدا من أن أنحى هذه المشكلة جانبا، وأن أعيش مع بناتى الثلاث، وأرعى شئونهن، ولم يغب عن عقلى وتفكيرى أننى أتولى تجهيز متطلبات البيت والمذاكرة للبنات وزيارة الأطباء ..... إلخ، بينما يهيم والدهم فى حالة حب وغرام ومشروع زواج مع امرأة أخرى.. كان هذا منذ إحدى عشرة سنة، ولا أعرف كيف مرت الأيام والسنوات بيننا بين هدوء وعواصف وشك وقلق، وأيام من الصمت والخصام والبعاد والحب وأحيانا الكره من جانبى.. نعم كل هذه المشاعر المتناقضة اختلطت بداخلى، وازدادت تغلغلا فى قلبى وعقلى، وتواكب ذلك مع تغير طباع زوجى وأخلاقه، كما أصبح كثير الغضب، وكلما وجدته على هذه الحال أقول له: «إننى لا أعرفك، فأنت شخص آخر غير الذى تزوجته، بعد أن راح الحنان والحب ونظرة السكينة من عينيه.

وأخيرا هبت علينا العاصفة الكبرى، أو قل هى طامة قاسية إلى أبعد الحدود،، فمنذ حوالى أربعة شهور شعرت بتغير فى سلوكه إلى جانب قضائه فترات طويلة على الإنترنت والهاتف المحمول، وتبين لى أنه تعرف على سيدة أخرى منذ حوالى ستة شهور، واتفقا على الزواج، ولم يكن الأمر سهلا بالنسبة لى، فلقد سقطت على الأرض مغشيا علىّ من الذهول والصدمة، فابنتانا الكبرى والوسطى فى سن الزواج، وكلها عامين على الأكثر، ويصبح لنا أحفاد؟، فماذا جرى لزوجى، هل أصابته «أزمة منتصف العمر»، وكيف السبيل إلى علاج الأمر هذه المرة؟، وتقصيت أخبارها، وعرفت أنها من بلد عربى، وتعرّفا بالصدفة عن طريق الإنترنت، وأنه فى بداية تعارفهما قال لها إنه يحب زوجته وبناته، ولا يريد الخوض فى هذه العلاقات، فافترقا فترة ثم عادت إليه بحجة المناقشة فى أمور وقضايا عامة وأمور الدين وخلافه خاصة أنها تلقى محاضرات فى الدين وعلم النفس، ومتخصصة فى التنمية البشرية (فأى واحد الآن تلقى ودرس بعض الكورسات يتخيل نفسه عالما نفسيا وفيلسوف زمانه).. المهم ذهب معها إلى ما تريده من خلال الإنترنت، وشيئا فشيئا تتطور الموضوع إلى أن دخل فى صورة وعد بالزواج والإتفاق عليه، وعرفت كل شىء، وكنت هادمة اللذات ومفرقة الجماعات، وأعلنتها حربا شعواء، ودخلت معه فى نقاش حاد، وقلت له بالحرف الواحد: «إننى لا أتحمل وجود أخرى ونفسيتى وأعصابى لا تتحملان أى متاعب بعد كل ما مررت به معك من مصاعب وآلام، تزوّج بها إذا أردت، ولكن أتركنى مع بناتى، وسيكون زواجنا على الورق فقط من أجلهن، ولكن فعليا نحن منفصلان».. المهم بعد شد وجذب وحرق أعصاب ومحاولتى الإنتحار على مدى شهرين، تنازل عن فكرة الزواج، رضوخا لى وحرصا منه على بيته وبناته، وأكد لى أنها نزوة، ويرجو منى أن أسامحه، وأن نفتح صفحة جديدة، وقد صدقت هذا الكلام أو أردت ذلك، وحاولت نسيان ما جرى، مثلما أفعل فى كل مرة، إذ مررت بهذه المواقف كثيرا، ورصدت (نزوات وسقطات ....)، ولم يدر بخلدى وقتها أن يتورط فى علاقة مع أى امرأة، وهو الرجل الذى أحببته، وأفنيت حياتى فى خدمته.

ومر شهر على قطعه علاقته بهذه المرأة، وحاولت إستعادة حياتى معه ونسيان كل ما جرى حتى تستمر حياتنا، ولا تشعر بناتنا بما يفعله، خاصة أنهن شاهدن بعض تلك الأحداث دون معرفة التفاصيل، وأخفينا عنهن مشكلاتنا، إذ نناقش كل ما يستجد من أمور فى غرفتنا، ولم يلمسوا شيئا عن نزوات أبيهم، ولكن يستغربن بكائى ليلا ونهارا، وأصارحك القول أن الله أنزل على قلبى بعد هذه الأزمة التسامح، فتناسيت كل ما فعله، وعقدت العزم على أن أبدأ حياتى من جديد بعد خمسة وعشرين عاما من الزواج!.. نعم قلت فى نفسى أننا أصبحنا فى سن متقدمة، ويحتاج كلانا للآخر، فيطبطب عليه ويغفر له ويسامحه، وللأسف لم يمر شهر واحد حتى عاودت الاتصال به، وواصلت نشر «سمها» فى أذنيه عن احتياجها له، وأنها ضائعة بدونه، وإذا به يستجيب لها، وتتجدد حكاية الزواج منها، وللعلم هذه السيدة مطلقة ولها ستة أولاد وعدد من الأحفاد، وأصغر منى ولديها طلاقة فى اللسان والأفكار، وتحاور وتناور باسم الدين، وتحفظ القرآن كله، وكذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد تحدثت معها مرتين من خلال التليفون فى محاولة لإبعادها عن زوجى، فردّت علىّ بأنها واثقة من نفسها وقدرتها على الإقناع بالحجة بالقرآن والسنة عن مدى شرعية تعدد الزوجات، وقالت لى إننى بمثابة أخت لها فى الإسلام وأنها لن تضرنى، وجميع حقوقى محفوظة، وأننى سوف أكون فوق الجميع .... إلخ.

إننى مهما حدّثتك عما أعانيه، فلن أستطيع وصف مشاعر الحزن والأسى والألم التى أكابدها، فزوجى يمثل لى عمرى ودنيتى كلها، وها هو الآن يُسرق منى، وما بنيته طوال رحلة كفاحى فى الحياة ينهار أمامى، وكنت قد عاهدت نفسى أنه إذا كرر هذه النزوات، أو حاول معاودة الإتصال بهذه السيدة مرة أخرى سيكون قد قطع آخر الخيوط التى تربطنا معا.. إننى تعبت ويئست من عدم وجود جدوى لمحاولاتى إبعاده عن هذه السيدة، ولذلك قررت أن أهب باقى عمرى لبناتى، فأواصل مشوارى معهن إلى أن أطمئن على كل واحدة منهن فى بيتها وتستقر بهن الحياة، وأدعو الله أن يهنأن بحياتهن ويكن أسعد حظاً من أمهن، ويرزقهن أزواجا صالحين يقدرون قيمتهن،

وإنى أسألك: هل أنا محقة فى موقفى، أم يجب أن أسلك مسلكا آخر؟، فلقد ارتضيناك حكما بيننا، وهو من متابعيك، وهو الذى أرشدنى إلى متابعة ما تكتبه فى بريدك الشهير، فبماذا تشير علينا؟.

< ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

إن المعادلة الصعبة فى مشكلتك مع زوجك من واقع ما كتبه كل منكما، هى أنه يريد أن يحتفظ بك، وأن تظل عاطفتك تجاهه بنفس وهجها، فى الوقت الذى ينعم فيه بزوجة ثانية تلبى له نزوته، لكنه يدرك أن الثمن لن يكون هيناً، إذ سوف تبتعدين عنه، وقد تتحوّل حياته إلى جحيم فى ظل عدم رضاك بالزيجة التى يحاول إقناعك بها، وما أراه فى شأن موقف زوجك أن هذه السيدة لن تكون سوى محطة فى حياته سرعان ما يغادرها بعد أن يستنفد غرضه منها، فلا هو يحبها، ولا هى تحبه، ويعتبر كل منهما زواجه من الآخر مجرد تجربة لن يخسر فيها شيئا، فهى فى حاجة مادية بعد طلاقها، ومعها ستة أولاد، وتسعى إلى ترميم حياتها ولو على حساب حياتك، ولا يهمها إن كانت ستتسبب فى خراب بيتك أم لا، ولا يعنيها سوى الهدف الذى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه، بمعسول الكلام، ولا مانع من دعم الموقف بآيات وأحاديث ليست فى محلها، فالمهم أن تصل إلى الهدف، ومن هذا المنطلق أثّرت على زوجك، فراح يتحدث بنفس طريقتها مستعينا بالآية الكريمة فى قوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»(المائدة 32).. قائلا أنه يريد أن يبث فيها الحياة من جديد، وبالطبع فإن هذه الآية لا تنطبق عليها، كما أن إحياء النفس لا يكون بالزواج منها، فحتى المعنى البعيد للآية ليس ما قصدته فى استدلالك بها، وإنما المقصود هو أن يدل إنسان شخصا آخر على الله، ويحثه على طاعته، ويدفعه إلى العمل الصالح، ويعينه على التوبة، ويسهّل له طريق الحق، وهذا شيء لا يقدر بثمن.

أيضا فإن الزواج ليس مسألة بسيطة إلى الدرجة التى يتم حصره فى العلاقة الجسدية والنزوة العابرة، فهو أكبر من ذلك بكثير، ولكى ينجح لابد له من شروط كثيرة، وإنى أسأل زوجك: هل يكفى الكلام عبر الهاتف والإنترنت لكى تتزوج بأخرى؟، وهل كل امراة فى حاجة إلى المساعدة المادية يكون الثمن هو الزواج منها، فهى ليست الأولى التى تتعمق معها فى الحديث عبر الهاتف وتصلان معا إلى مرحلة الزواج، فأى زواج هذا الذى يقام على رسائل الإنترنت، وكلمات الهاتف؟.. إنك لا تحب هذه السيدة، وتدرك تماما أن المسألة برمتها لا تعدو كونها نزوة، سرعان ما ستتركها بعدها، لكنك تكابر من أجل هذا الغرض الزائل باسم الحب، وإذا أردت إتمام زواجك بهذه السيدة، فليكن لك ما أردت، ولكن لا تجبر أم بناتك على ما لا تريده، فمن حقها حينئذ الانفصال للضرر الذى سيصيبها، ولا أحبذ موقفها لعلاج المشكلة باستمرار زواجكما على الورق فقط، والإنفصال جسديا، فهو تصرف خاطئ، فإما الزواج الكامل، وإما الطلاق»، ولو أن كل إنسان اتبع هواه، وبحث فقط عمن يؤمن له المتعة، ويحقق له السعادة الشخصية فقط دون النظر إلى حق الآخر لخربت بيوت وهدمت أسر بأكملها، فلا يعقل أن يبنى الزوج سعادته على تعاسة وشقاء زوجته التى لم تقصر فى القيام بواجباتها تجاهه، ولم ينكر عليها خلقا، ولا دينا، فاختر مع من ستواصل رحلتك فى الحياة، وبمن ستضحي، وراجع نفسك جيدا، ثم خذ قرارك النهائى، أما أنت ـ يا سيدتى ـ فإن انجذاب زوجك إلى من تعرف عليها بطريق المصادفة، مؤقت، ولا يزيد عن كونه نزوة؛ وسيكون النجاح حليفك، فاصبرى عليه، لأن بيتك هو مملكتك، وزوجك هو وطنك؛ فكونى حصناً منيعاً رادعاً لكل من يقترب من أسواره أو يفكر فى مداهمته.

وإذا كان تعدد الزوجات مباحا شرعا، فإنه مرتبط بوجود أسباب تدعو إليه، فمن حق الزوجة أن تنفصل عن زوجها إذا رأت ضررا من استمرارها على ذمته، أو أنها لن تستطيع أن تكون زوجة كاملة له، فالإسلام لم يشرّع ما فيه ضرر على الفرد والمجتمع، وجميع التشريعات فيها الحياة والبناء والطهارة والعفاف وكل المعانى السامية، ويحدث الخلل ممن لا يُحسنون فهم الشرع، ولا يمكن لزوج عاقل أن يبنى بيته الثانى على أنقاض بيته الأول، ولا أن يضيع جهوداً بذلها، وأموالاً أنفقها، وأوقاتاً قضاها فى بناء ذلك البيت من أجل زواج آخر لا يحتاج إليه حاجة ماسَّة، وليكن حكيماً فى تصرفاته، عاقلاً فى أفعاله.

لقد بحثت فى ثنايا ما كتبه كل منكما عن الآخر، فلم أجد سببا من الأسباب التى تدعو الرجل إلى التفكير فى الإرتباط بزوجة ثانية، وأبرزها افتقاده العطف والحنان مع انشغال زوجته بتربية الأبناء، وبالتالى يبحث عن الحب خارج المنزل، ولا يجده إلا من خلال التعرف على امرأة ثانية، والارتباط بها فى بعض الأحيان، وربما الشىء الوحيد الواضح فى رسالتيكما هو اعترافه بضعفه من ناحية النساء، وقوته الجسدية وثرائه، وحديثك عن نزواته الصغيرة، ووسامته التى تجذب بالطبع الكثيرات إليه، ويبدو لى أنه يريد أن يشعر بأنه مازال جذابا ومرغوبا فيه من النساء، وهذا هو ما يوقعه من حين إلى آخر فى نزوة يسميها «علاقة حب» من مجرد كلمة تشعره بجاذبيته.

وعندما تدخل امرأة جديدة فى حياة الرجل، فإنه لا يكون خالى الذهن من التفكير كما يظن الكثيرون، وإنما يكون واقعا فى مجموعة من المشاعر المختلطة التى تجمع بين قليل من السعادة، وكثير من المخاوف والقلق مما يتهدد استقرار أسرته ومستقبلها، ويظل حائرا بين نداء عقله والعودة إلى زوجته، ونداء رغبته بتجربة الزيجة الجديدة ظانا أنه قد وقع فى حب جديد، والحقيقة أن ما حدث له مجرد وهم، وليس حبا على الإطلاق، فكل ما فى الأمر أنه وجد شيئا يفتقده فى شخص آخر، وعندما يشبع رغبته فى امتلاك هذا الشئ، يتضح له أن هذه العلاقة ليست حبا، وإنما كانت مجرد نزوة وإشباع رغبة، وسرعان ما يعود إلى زوجته الأولى، فإذا كان قد طلقها، فسيكون حينئذ قد فقد كل شىء، ولن ينفعه الندم.

وعلى الجانب الآخر، فإنه على كل زوجة أن تعرف متطلبات شريك حياتها فى المراحل العمرية المختلفة، وأن تدرك أن المرحلة العمرية التى تبدأ من سن الأربعين وما بعدها، هى مرحلة خطرة فى حياة الرجل إذ يحاول جاهدا خلالها أن يستعيد ذكريات الشباب، وبالتالى يجب أن تغمره بفيض من الحب حتى لا يبحث عنه مع امرأة أخرى، وأن يكون بينهما انسجام دائم فى العلاقة الحميمية، فهى تزيد درجة القرب بينهما، وتجعل الرجل مكتفيا بها دون البحث عن سواها، فعدم وجود هذا الانسجام هو الذى يدفع الرجل إلى التفكير فى الزيجة الثانية، ويظل تذرعه بأسباب أخرى مجرد ستار لإخفاء رغبته الحقيقية.

فى ضوء كل ذلك أرى أن تعيدا النظر فى موقفيكما، زوجك بالتريث فى مسألة الزواج من هذه السيدة، ودراسة الأمر من مختلف جوانبه، وتبعاته الخطيرة فيما بعد، وأنت بإتاحة الفرصة له لكى يتأكد تماما من أنه سيكون الخاسر من الإقدام على الارتباط بهذه السيدة، مع مراعاة الالتزام بإعطائه حقوقه الشرعية، وإثبات أنك ستظلين وفية له إلى النهاية، فإذا أصر على الزواج منها بعد كل ذلك، فليكن له ما أراد، ولك أن تنفصلى عنه، فلا الشرع ولا القانون يجبرانك على الاستمرار فى حياة زوجية على غير رغبتك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق