رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحـمد البرى..
اللحن الحزين

بريد الجمعة

أنا رجل فى الخمسين من عمرى، ولى عمل خاص يدر علىّ دخلا كبيرا، ولدىّ ولدان فى الجامعة، وقد بدأت حكايتى بعد تخرجى فى كليتى، فلقد فكرت وقتها فى الارتباط، وبحثت كثيرا عن فتاة مناسبة لى، ووفقنى الله عن طريق أقاربى إلى ابنة طبيب، زرته ووجدته على خلق رفيع، ولم يضع أى شروط، ولم تكن له أى طلبات، وأسرنى بكرمه وأخلاقه، فأتممت زواجى بها، وقلت فى نفسى: «يكفينى أنها بنت هذا الرجل المحترم»، وحرصت على تجهيز بيتى بكل اللوازم والكماليات، ومضت سنوات رحلت خلالها حماتى، وتأثر حماى كثيرا لوفاتها، ثم لاحقته الأمراض، فأغلق عيادته ولزم المنزل، وعاش وحيدا بعد زواج ابنه، وانتقاله إلى منزل مستقل، ولم يكن هناك من يرعاه، وكانت زوجتى تزوره من حين إلى آخر، والحقيقة أننى تأثرت لحاله، فعرضت عليها أن يقيم معنا، وذهبت إليه، وسعد الرجل لما حدّثته فى هذا الأمر، وعاش معنا، ونحن فى قمة الراحة والطمأنينة لوجوده بيننا، وبمرور الوقت اشتد عليه التعب، ولم يعد قادرا على التحكم فى عملية الإخراج، ولاحظت الضيق والتبرم على زوجتى، فقلت لها مرارا: «إنه أبوك، وعليك أن تكرميه، وتحافظى على مشاعره، ولا تجرحيه بكلمة أو إشارة، ولا تتأففى من تصرفاته فى هذه السن، والظروف الصحية التى شاء القدر أن يتعرض لها»، فكانت تهدأ أحيانا، وتثور أحيانا أخرى، وذات يوم أسرع إليها إبنى الصغير، وقال لها: «إلحقى ياماما.. شوفى جده عمل إيه»، فلقد بلل الرجل ملابسه وفراشه، وكان فى موقف صعب أمام حفيديه، وبدلا من أن تنهر زوجتى إبنها حفاظا لمشاعر أبيها، إذا بها تثور عليه ثورة بالغة بكلمات جارحة، ولما عرفت بما حدث بعد عودتى من العمل، حاولت تهدئته، وقلت له: «أى فراش يمكننا تغييره، وشراء آخر بدلا منه، لكننا لن نعوضك أبدا»، فبكى بحرقة، وانخلع قلبى له، ووجدتنى أتصل بابنه، وأروى له ما حدث، وتصورت أنه سيترك كل شىء، ويأتينا للاطمئنان على أبيه، فإذا به يقول لى إنه سوف يمر علينا خلال يومين أو ثلاثة!، وهنا انفعلت عليه، وقلت له: «تعال خذ أباك»، وأغلقت الهاتف، والحق أننى تضايقت من نفسى، وندمت على رد فعلى، فأنا أحب حماى أكثر من حب أبنيه له، ولم أقصد أبدا المعنى الذى قد يتبادر إلى الذهن من ردى عليه، ولذلك اتصلت بزوج خالة زوجتى، ورويت له ما حدث، فطلب منى من باب حسن النية أن أعتذر لشقيقها عن هذه العبارة، ففعلت من باب أن الاعتذار من شيم النفوس الطيبة، وبذلت كل ما فى وسعى لتفادى هذا الموقف العصيب، ولم يشعر حماى بشىء، ومضيت أؤدى واجبى إليه بكل حب واهتمام.

وبعد أيام زارنا شقيق زوجتى، وجلس مع أبيه وأخته، وكان الرجل وقتها فى حالة صحية مستقرة، فطلب منه ابنه أن يعطيه جزءا من ماله لحاجته الشديدة إليه، وحدثت مناقشات عديدة، وانتهى الأمر إلى أن الرجل قسّم جميع ممتلكاته بينهما، ولم يترك شيئا باسمه، وكان من بين ما كتبه لزوجتى فيلا بالساحل الشمالى، ثم حدث تطور غريب عليها، إذ بدأ الضيق يتسرب إليها من والدها، وتعالت صرخاتها فى وجهه، ولم تقدّر ما فعله من أجلها هى وشقيقها، وذهبت إلى شقيقها، وبعد عودتها لاحظت علامات تغير واضحة عليها، فسألتها عما حدث، فقالت إنهما قررا إيداع أبيهما دار مسنين، واستغربت صنيعهما، ولم يكن بيدى شىء لأفعله، وقد نفذا ما اعتزماه، والرجل لا حول له ولا قوة، ولم تمر أيام معدودة حتى تدهورت صحته تماما، وتم نقله إلى المستشفى، وبعد حوالى أسبوع رحل عن الحياة، ورحل معه الخير، والطيبة والشهامة، وكل الصفات الجميلة.. رحل الرجل الذى اعتبرته والدى، ووجدت فيه معانى الأبوة السامية، وبرحيله انقلبت حياتى رأسا على عقب، إذ تخلت زوجتى عن دورها التربوى تجاه ابنينا، فلم تتابعهما، وقد اكتشفت ذلك بعد تراجع مستواهما الدراسى، خصوصا ابنى الأصغر الذى كان طالبا فى الثانوية العامة وقتها، وفى مشادة بيننا، فوجئت به يتهجم علىّ، وتدخلت أمه، وحاولا تكتيفى، بينما وقف ابنى الأكبر فى صفى، ومنعهما من إيذائى، فألقيت يمين الطلاق عليها، وغادرت منزلى إلى بيت أمى، وبعد أن هدأت ثورتى، لجأت إلى دار الإفتاء، وعرفت أن يمينى فى لحظة غضب لا أثر له، وأن بإمكانى الصلح مع زوجتى، فاتصلت بها لإعادة المياه إلى مجاريها، فلم توافق بسهولة، ومع إلحاحى عليها، عادت إلىّ، لكن نفسها لم تصف، وظلت حالة الاحتقان كما هى.

وحدث متغير جديد أشد إيلاما، إذ عرفت طريق الخروج، والسفر إلى الساحل الشمالى لقضاء أيام عديدة بعيدا عن البيت بصفة مستمرة، ولم تعد تتابع ابنينا، وحاولت أن أشرح لها أن بعدها عنهما سيؤثر بالسلب على مستواهما الدراسى المتدهور أصلا، ولكنها لم تأبه لكلامى، وحتى الطعام لم تهتم به، لدرجة أننى عدت ذات يوم فى المساء، وطلبت منها إعداد الغداء لى، وكانت وقتها تشاهد فيلما فى التليفزيون، فقامت على مضض، ووضعت الطعام فى «الميكروويف»، وتركته مدة طويلة، فنبهتها إلى ذلك، ولكنها نظرت لى باستعلاء، وقالت: «أنا مش طايقة أشوف وشك، وأحمد ربنا إنى معبراك»، فلم أتناول الطعام، ودخلت حجرتى، وبعدها اعتادت الخروج دون إبلاغى، حتى وأنا موجود فى المنزل، وعرفت الشجارات طريقها إلينا من جديد، وفوجئت ذات مرة أنها ذهبت إلى ابن خالتها حيث تجمعها صداقة مع زوجته، ولما عرفت بذلك اتصلت بخالتها، وأطلعتها على ما فعلته، وبعد مناقشات كثيرة، عادت إلى المنزل، ولكن فى هذه المرة، عشنا منفصلين، كل منا فى حجرة مستقلة، ولا حديث بيننا على الإطلاق.

وفى أحد الأيام جاءنى ابنى الأكبر بعد أن جلس مع أمه فى حجرتها عدة ساعات، وقال لى إنه يريد أن يحدثنى فى أمر مهم، وأبلغنى أنه رسب فى مادتين فى كليته الخاصة، ولكى أتأكد من نتيجته اتصلت بابن أختى القريب منه، لكى أعرف منه النتيجة، فأبلغنى أنه راسب، وهنا مادت الأرض بى، وأدركت أن كل ما صنعته من أجله ضاع هباء، فلقد أعطيته سيارتى، ووفرت له كل ما طلبه منى، وكان دائما ما يتحدث معى، لكن استهتار أمه هو الذى أدى به إلى ذلك لدرجة أن رسوبه تكرر قبل ذلك لكنها كانت تخفيه عنى.

ورغم كل هذه المتاعب، فإننى كنت حريصا على استقرار بيتى، وإرضائها، لكنها رفعت دعوى طلاق ضدى، وتركت البيت واستأجرت شقة أخرى وأخذت ابنينا معها، ولم تفلح محاولاتى لإثنائها عن تعنتها ضدى، وهنا غيّرت «كالون» الشقة، ثم أعدت «الكالون» القديم، حفاظا على صورتنا أمام الآخرين، ولكى لا تهتز صورتى فى عينىّ ابنىّ، فإذا بها تأخذ كل محتوياتها، وتتركها «خرابة»، وانتقلت أنا إلى بيت أمى للإقامة معها، وبعدها سافرت لأداء فريضة الحج، ولم يكن فى وداعى ولا انتظارى أحد منهم، ورغم ذلك طلبت منها الصلح، لكنها أصرت على الانفصال، فطلقتها غيابيا، ولم أقصر فى حق ولدىّ، وظل الأمل يحدونى فى أن تعود إلى رشدها، لكنها لم تتزحزح عن موقفها، وبعد انقضاء شهور العدة، علمت أنها تزوجت من رجل متزوج، ولديه أسرة وأولاد، وأنه يزورها مرة أو مرتين فى الأسبوع، فضربت كفا بكف، وأسأل نفسى كثيرا: ما الذى جنيته لتصنع ما صنعته، وما الذى يجعلها تقف هذا الموقف أمام ابنيها؟، وما الذى قصّرت فيه، وما الذى أخطأت فيه؟، فبماذا تنصحنى لكى أعيش ما بقى لى من عمر فى هدوء وأمان، وأعزف لحنا جميلا بدلا من هذا اللحن الحزين؟.

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لم تكن تصرفات زوجتك معك بعد رحيل أبيها، سوى حلقة جديدة من حلقات التصرفات الطائشة التى تنم عن شخصية هوائية متقلبة، لا تعى الأمور جيدا، وتتصرف وفقا لما يمليه عليها مزاجها دون أدنى اعتبار لمعنى الأبوة، ولا حقوق الزوج والأولاد، فأما بالنسبة لأبيها فقد فاتها هى وشقيقها أن له فضلا عليهما، وأنه سجل لهما ممتلكاته من عقارات وأراض، ولم يعمل حسابا لتقلبات الأيام، إذ أدخلاه دارا للمسنين لمجرد أنه مريض، بل تشاجرت ابنته معه لمجرد أنه لا يتحكم فى عملية الإخراج، وأذلته أمام حفيديه، وتناست حقوق الوالدين، وما أمرنا الله به تجاههما، حيث يقول تعالى: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا» (الإسراء:23-24)، ولم تدرك أيضا صنيعك معه وأنت زوج ابنته، إذ قدمت له ما لم يفعله ابنه الذى لم يكن له هدف إلا الحصول على تركة أبيه، وهو على قيد الحياة.

والحقيقة أن توزيع الأب تركته فى حياته من القضايا المهمة التى يجب الانتباه إليها، والعظة من المآسى التى يتعرض لها الآباء والأمهات نتيجة لذلك، فقد يؤدى تقسيم التركة فى حياة الوالد إلى مفسدة كبيرة، ويصبح الأب والأم ألعوبة فى أيدى أبنائهما، خصوصا إذا وقعوا فى العقوق، وفى هذه الحالة يجد الأبوان نفسيهما مجردين، ولا يدريان ماذا يفعلان؟، كما أن بعض الآباء يرون فى ذلك هروبا من الشرع، خصوصا أصحاب الأراضى الزراعية، حيث يريد الأب ألا تذهب أرضه لبناته، لأنها بذلك تنتقل إلى أزواجهم الغرباء عن العائلة، وأنهم لا يمكن أن يحصلوا على هذه الأرض التى تعبوا فيها، ولابد أن تكون لأولادهم الذكور دون الإناث!

إن توزيع التركة يجب أن يكون بعد موت المورّث، فقد يعيش المريض زمنا يحتاج فيه إلى المال، وبالفعل احتاج حماك إلى مسكنه وماله، وكان باستطاعته الاستعانة بمن يقوم على خدمته فى بيته لو لم يقسِّم تركته بدلا من نقله مرغما إلى دار المسنين، التى تدهورت صحته فيها، وساءت نفسيته، فكانت بداية النهاية له.

وأما فيما يتعلق بتصرفاتها معك، فإنه لا يجوز أن يصدر من المرأة ما يسيء إلى كرامة زوجها أو الحط من مكانته، ومن الواجب عليها أن تطيعه فى المعروف وتحسن معاشرته، إذ حث الإسلام الزوجة على حسن طاعة زوجها، وجعل ذلك فى مقام الجهاد فى سبيل الله، حيث جاءت امرأة إلى رسول الله تبلغه استياء النساء من حرمانهن من أجر الجهاد والقتال، بينما الرجال يفوزون بذلك فأخبرها أن المرأة التى تحسن طاعة زوجها، لها من الأجر مثل أجر المجاهد.

وعلى هذا الأساس لا يجوز للزوجة أن تهين زوجها أو تسيء إليه أو تمتنع عن قضاء طلباته ما دامت فى رضا الله، فإذا طالبها بشيء مخالف لشرع الله فمن حقها أن ترفضه لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وعليه أيضا، فإن الزوجة الصابرة على إساءة زوجها إليها ومقابلة إساءته بحسن توددها وجميل معاشرتها، لا شك أن لها أجرا عظيما، وأما إن ردت على إساءته بالمثل أو سعت لإهانته والتقليل من قيمته وكرامته فلا شك فى حرمانها من الفضل الذى أعده الله للزوجة المطيعة المؤمنة الصابرة، وإذا كانت الزوجة ظالمة فإثمها أشد حتى قال بعض أهل العلم إن الزوجة المتسلطة على زوجها ظلما، تحرم من الجنة حتى وإن صلت وصامت.

وقد أثبت الله لكُلٍّ مِنَ الزوجين حقوقًا على صاحِبِه، وحقُّ كُلِّ واحدٍ منهما يُقابِلُه واجبُ على الآخَر، حيث قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا»، فطاعة الزوج سببُ للحفاظ على الحياة الزوجية مِنَ التصدُّع والانشقاق الذى قد يؤدِّى إلى انهيارِ كيان الأسرة، وهذه الطاعة تقوِّى المحبَّةَ القلبية بين الزوجين، وتُعَمِّقُ صِلاتِ التآلف بين سائِرِ أفراد الأسرة، وتُبْعِدُ خَطَرَ التفكُّك المتولِّد ـ غالبًا ـ مِنْ آفة الجدل العقيـم، والعنادِ المنفِّر، وتمنح الزوج الإحساسَ بالقوَّة للقيام بمسئوليَّته، وفى حديث رسول الله: «إِذَا صَلَّتِ المَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِى الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ»، وعلى الجانب الآخر أمر الزوج ألا يُعاقِبَ زوجتَه على تفريطها فى أمورٍ سابقةٍ، ولا على إفراطها فى مُعامَلاتٍ ماضيةٍ، ولا أَنْ ينقِّبَ عن العيوب المُضِرَّة إذا حصلَتْ له الطـاعةُ وتحقَّقَتِ الرغبةُ؛ تفاديًا لأيِّ فسادٍ قد ينجرُّ عن المَلامة، ودرءًا لأيِّ شرٍّ قد يَتولَّدُ عن المُتابَعةِ بالمُعاتَبة؛ لقوله تعالى: «فَإِن أَطَعنَكُم فَلَا تَبغُواْ عَلَيهِنَّ سَبِيلًا» (النساء: ٣٤).

أيضا على الزوجة أن ترعى مال زوجها بأَلا تأخذَ منه شيئًا، ولا تتصرَّف فيه إلَّا بعد استشارته وإذنه، وأن تربِّى أولادَها على هذا الخُلُق؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، ويجب أن تحرص على ألا يرى منها فى بيته إلَّا ما يَسُرُّه مِنْ حُسْنِ المظهر والهيئة، والزِّينةِ وطلاقة الوجه، وألا يسمعَ منها إلَّا ما يُرْضيهِ مِنْ حَسَنِ الخطاب وجميلِ الكلام، وعباراتِ التقدير والاحترام، ولا يَجِدَ منها إلَّا ما يحبُّ ويُفْرِح؛ فلا تُغْضِبه ولا تُسيءُ إليه

ولا شكَّ أنَّ قيامَ الزوجةِ بهذه المهمةِ النبيلة يحفظ للأسرة استقرارَها وسعادتَها، ويعمِّقُ رابطةَ التآلف والمودَّة فى ظِلِّ التعاونِ على البرِّ والتقوى، وعلى الزوج ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ أَنْ يقدِّرَ حالَها ولا يحمِّلَها ما لا طاقةَ لها به، وله أَنْ يُعينَها فى بعضِ شئونها ومَهَمَّاتِها للتكامل والتآزر، لا سيَّما فى حالِ مَرَضِها أو عَجْزِها أو زحمةِ الأعمال عليها اقتداءً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الذى لم يأنَفْ مِنْ مساعدة أزواجه، فعن الأسود قال: سألتُ عائشة رضى الله عنها: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَصْنَعُ فِى بَيْتِهِ؟» قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِى مِهْنَةِ أَهْلِهِ ـ تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ ـ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، أي: أنه عليه الصلاةُ والسلامُ كان يخدم فى مِهْنةِ أهله ويَقُمُّ بيتَه ويخدم نَفْسَه، ومما يدلُّ على مسئولية الزوجةِ فى القيام بحَقِّ الأولاد تربيةً ورعايةً قولُه تعالى: «واَلوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كَامِلَينِ» [البقرة: ٢٣٣]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «…وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ»

إن هذه الصفاتِ الحسنةِ والأخلاقِ السامية والآدابِ العالية تضمن سقفًا كريمًا مُتماسِكًا وبيتًا مُطْمَئِنًّا مُسْتقِرًّا مِلْؤُه المودَّةُ والرحمةُ وحياةٌ سعيدةٌ فى الدنيا والآخرة؛ وبهذا تكون الزوجةُ الصالحةُ مربِّيةَ الأجيالِ وصانعةَ الرجال، ولقد صَدَقَ الشاعرُ حين قال:

الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا

أَعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ

الأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَعَهَّدَهُ الحَيَا

بِالـرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّـمَا إِيرَاقِ

الأُمُّ أُسْتَاذُ الأَسَاتذَةِ الأُلَى

شَغَلتْ مَآثِرُهُمْ مَدَى الآفَاقِ

ورغم أن الزوجات يمتلكن معظم خيوط السعادة الزوجية، فإن منهن مَن يسئن غزل هذه الخيوط ونسجها لتخرج فى صورة جميلة باهرة، فيستمتعن بها ويجعلن كل من حولهن يستمتعون ويسعدون أيضًا، وذلك إما لعدم وعى هؤلاء الزوجات بكيفية حياكة ثوب السعادة نتيجة عدم إعدادهن وتعليمهن ذلك مسبقًا، أو لأنهن لا يقدِّرن نعمة خيوط السعادة التى بحوزتهن، ولا يعرفن كيفية استغلالها  خير استغلال وتطويعها لإسعادهن!، ولكى تتمكن الزوجة من غزل ثوب السعادة الزوجية والاستمتاع به لأطول فترة ممكنة أُوصيهاِ بتجنب بعض الأمور، ومنها اختلاق النكد، فللأسف الشديد هناك من هن بارعات فى ذلك، فبدلًا من استقبال أزواجهن بوجه بشوش وابتسامة رقيقة ونظرة تقدير وعرفان بعد انقضاء ساعات العمل المتعبة والشاقة وعودتهم إلى المنزل، يستقبلنهم بوجه عبوس وصوت ساخط وقائمة من الشكاوى والمطالب والأخبار السيئة وغير ذلك من الأمور التى تجعلهم يكرهون اللحظة التى عادوا فيها إلى البيت!، وكذلك فإن الانتقاد المستمر لتصرفات الزوج هو البخار السام الذى يخنق الحياة الزوجية لاسيما لو تم ذلك أمام الأبناء أو أمام أقاربه، مما يفقده الشعور بذاته وإحساسه بالقوامة، فما أجمل أن تقدر الزوجة زوجها وتبدى له إعجابها بخصاله، ولا ترهقه بمطالبها المادية المبالغ فيها، ودائما على الجميع أن يحمدوا الله على نعمه، وفى الحديث الشريف: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا لمن هو فوقكم، فهو أجدر ألا تحقروا نعمة الله عليكم».

لقد فات مطلقتك كل ذلك، فلا تستدع الماضى، واعلم أن ما مضى فات، وأن لك الساعة التى أنت فيها، وأرجو أن يكون بينك وبين ابنيك جسر من التواصل المستمر، فأخشى ما أخشاه أن يظلا على شاكلة أمهما، من عقوق الأب، وعدم الاكتراث به، فالشواهد كلها تؤكد أنهما يسيران على نهجها، مثلما تعودا الدلع المبالغ فيه، والفرصة مازالت مواتية أمامك لبدء حياة جديدة، فتحر كل شئ عمن سوف ترتاح إليها، وتجد فيها عوضا عن مطلقتك التى ستدرك ولو بعد حين الأخطاء التى ارتكبتها بما فيها زيجتها «الغريبة» التى أشرت إليها، ووقتها لن ينفعها الندم، وفقك الله وسدد خطاك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق