رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة - يكتبه: أحمد البرى..
نهاية المطاف

بريد الجمعة;

أنا رجل فى الخامسة والستين من عمرى، وتركز عملى فى المقاولات، وحصلت على شهادة التعليم الأساسى فقط، ولى سبعة أشقاء، وترتيبى بينهم قبل الأخير، وكلنا نعمل فى التجارة والحرف المختلفة، ونشأنا لأب وأم من الفلاحين، وقد عرفا بين الناس بالطيبة، وحسن التعامل مع الآخرين، وحرصا على أن نكون بمثل أخلاقهما، وبالفعل سرنا على هداهما، ومع بلوغى سن السابعة عشرة، صرت ماهرا فى حرفتى، وبعد أن أديت الخدمة الوطنية، ارتبطت بفتاة فاضلة، وتزوجنا وبدأت حياة جديدة بافتتاح ورشة خاصة بى، ثم حدث أول زلزال فى حياتى بوفاة زوجتى بعد تسعة أشهر فقط، فى أثناء ولادة ابننا الذى حملت فيه برغم أن ظروفها الصحية كانت تمنع حملها، لكنها لم تخبرنى بهذا السر، وفضّلت ألا تحرمنى من أن يكون لنا ابن على حياتها، ولكنها رحلت ومعها وليدها، وحزنت عليها حزنا شديدا، وظللت أبكيها ليلا ونهارا، وافتقدت طعم الحياة، وتقوقعت على نفسى، وعشت بمفردى، وجاءنى أبواى، ونصحانى بالزواج رحمة بى، وقالا لى، إن الحياة لا يمكن أن تستمر على النحو الذى وضعت نفسى فيه، وعرضا علىّ عددا من بنات العائلات المعروفة، وبعد حوالى عام حدثنى عامل فى ورشتى بأن عمه لديه أربع بنات كلهن مؤهلات للزواج، وأن أسرته تتميز بالهدوء والأخلاق الطيبة، واصطحبت شقيقى الأكبر فى زيارة لهذه الأسرة، وجلست مع الفتاة التى رشحوها لى، ولم أجد ما يمنعنى من الزواج بها، وبعد خمسين يوما تقريبا أقمنا حفل الزفاف، وقد زوّدت البيت بأثاث جديد، أما أثاث زوجتى الراحلة، فقد أعطيته لوالدتها، وبعد حوالى سنة رزقنا الله بابنتنا الأولى، وتبعها بعد عامين ابننا الثانى، وطلبت منها أن ننظم نسلنا لنتمكن من تربية أبنائنا وتعليمهم، فاستجابت، ولم تحمل إلا بعد ذلك بسبع سنوات، حيث رزقنا الله بابننا الثالث، ومضيت أعمل بكل جد، واجتهاد من أجل توفير حياة مستقرة لأبنائى، واستأجرت محلا كبيرا حوّلته إلى معرض لمنتجات ورشتى، واستدنت الكثير من معارفى وأصدقائى لكى يكون فى أبهى صورة، ثم حدث ما لم يخطر ببالى، إذ طلب منى مالك المحل إخلاءه بحجة حاجته إليه، ولم أفلح فى إثنائه عن موقفه المعاند لى بلا سبب، وانتقل الأمر إلى المحكمة، وبمساعدة محاميه، وعدم إبلاغى بمواعيد الجلسات، صدر حكم لمصلحته، وفقدت كل شىء، وعجزت عن تسديد ديونى، واضطررت إلى بيع شقتى حتى أفى ببعض ما قطعته على نفسى من عهود لرد الحقوق إلى أصحابها، واستأذنت صاحب الورشة فى تقسيمها إلى شطرين، ورشة بالخارج، وغرفة وصالة بالداخل إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، والحق أنه كان رجلا شهما تعاطف معى، وساندنى فى مصابى بعكس صاحب المحل، وظللت خمس سنوات فى نزاع بالمحاكم حتى أسترد حقى المسلوب بلا جدوى!

وذات يوم كنت جالسا مع زميل لى فى نفس مهنتى، وفجأة توقفت سيارة أمامنا، ونزل منها رجل فى حوالى الأربعين من عمره، ووجّه كلامه لى قائلا: أريد مقاولا للعمل بمشروع كبير فى مجال «....»، فأشار زميلى إلىّ، ولم يفكر الرجل كثيرا، إذ عرفنى بنفسه بأنه المهندس المسئول، وطلب منى أن أذهب معه إلى الموقع الذى يعمل به، وهناك سألنى عن مقايسة المشروع، فشرحت لهم كل شئ من واقع خبرتى، ثم أحيل الموضوع إلى الوزير، وتسلمت العمل، وأنا لا أملك مليما واحدا!، وعلم تاجر من معارفى بأمر هذا المشروع، فأعطانى بضاعة بمبلغ كبير، وقال لى: «خذ ما شئت، وعلى الله التدابير»، وخلال ثلاثة أشهر حققت نجاحا كبيرا، وسددت جانبا كبيرا من ديونى، وزادت تنقلاتى بين القاهرة والصعيد، وتقدم أبنائى فى دراساتهم، وفى أحد الأيام اتصلت فى السابعة مساء وأنا فى الصعيد بأسرتى، وردت علىّ ابنتى، وقالت لى إن والدتها خرجت لشراء بعض متطلبات المنزل، فكررت الإتصال حتى الثانية عشرة، ولمّا لم تصل إلى البيت فى تلك الليلة عدت فى السابعة صباحا على طائرة أحد الخطوط الداخلية، وعلمت أن أخت زوجتى ماتت، وأن ابنها إصطحب خالته لإحضار جثة والدته من مستشفى قريب من بلدتنا، فذهبت إليهم، وحضرت مراسم الدفن والعزاء، وعدت أنا وزوجتى فى المساء، وعاتبتها لمبيتها خارج البيت، وتركها أبناءنا وهم فى سن صغيرة، وقد يتعرضون لما لا تحمد عقباه، كما أن لها شقيقات أخريات كان من الممكن أن تذهب إحداهن مع ابن أختهن، ولم أقتنع بأعذارها، وأقسمت أن أتزوج عليها، ونفّذت تهديدى وتزوجت بأخرى لا تقل عن زوجتى الراحلة، فحوّلت أم أولادى البيت إلى «حلبة مصارعة فى قلب جهنم»، وعاونها ضدى أشقاؤها، وابناى الكبيران، أما ابنى الأصغر فقد وقف ضدهم سدا منيعا، كلما أساءوا إلىّ فى غيابى، وظلت الحال على ذلك خمس سنوات، وقد انفصلت عن السيدة الثانية بناء على اتفاق بيننا، ليس لعيب فيها فهى من الزمن الجميل، ولكن لأن أولادها كثيرو المشكلات، ولم أخبر أم أولادى بأننى طلقت ضرتها، إمعانا فى تأديبها، والحقيقة أننى كرهتها، وأقسمت عليها أكثر من مائة يمين طلاق من شدة التوتر الذى تسببه لى!

وحدث أمر غريب، إذ أخذت زوجتى هى وابنها وابنتها مبلغا من المال، واشتروا به شقة باسم الإبنة لتكون سكنا بديلا لهم، وهو المبلغ الذى تركته لدى زوجتى، وعند احتياجى إليه، لم أجده، وقالت لى إن ابنها أخذه لإدخاره مع أحد أصدقائه مع أننى اشتريت له شقة فى القاهرة وأثثتها له، وبالمصادفة التقيت مع المحامى الذى وكلوه لشراء الشقة، وأبلغنى بحسن نية أن عقدها جاهز، وطلب منى أن أرسل إليه من يتسلمه، وواجهتهم بالحقيقة، وقلت لزوجتى: من تفعل الصغيرة، من الممكن أن ترتكب الكبيرة، وأبلغتها أن حياتنا معلقة إلى أن يتم زواج ابنتنا، وبعت المنزل الذى اشتريته عندما تحسنت أحوالى المادية للدخول فى «مقاولة» كبيرة، واستأجرت شقة فى مكان غير بلدتنا لأولادى.

وفى ذلك الوقت تعرضت لصدمة كبرى، إذ رحل أصغر أبنائى فى حادث أليم، وهو فى الفرقة الثالثة بالجامعة، وكان هو الوحيد البار بى، ولم أحس بطعم الحياة منذ رحيله، وانغمست فى عملى، ومشروعى الجديد، وأقمت عمارة من خمسة أدوار منها شقتا «دوبلكس» لابنى، وقد خطب ثلاث مرات وتم فسخ الخطبة، كما أن البنت تمت خطبتها أكثر من مرة، ولم يحدث نصيب، بسبب غلظتها التى اكتسبتها من أمها، وقررت بيع شقة بالعمارة لأسدد باقى ديونى، فتصدوا لى، وفوجئت ذات يوم بسيارة الشرطة تأتينى ببلاغ منهم أننى ضربتهم، وأخذونا إلى القسم، وحاول الضابط إصلاح الأمور، ولكن هيهات، بل إن زوجتى ادّعت أننى على علاقة بإحدى السيدات، وهنا ثرت عليها وشرحت كل شئ للضابط فقال لهم: ما طلبكم الآن؟، فقالوا: ألا يدخل علينا البيت؟، فاستغرب طلبهم، وحوّلنا إلى النيابة، وقضينا تلك الليلة فى غرفة الحجز، وفى اليوم التالى خرجنا، وطلقت زوجتى، ومرضت ودخلت المستشفى لإجراء جراحة دقيقة، ولم يكن معى سوى سكرتيرة مكتبى، ثم أجّل الأطباء العملية ثلاثة أشهر، ولم أتمكن من تسديد ايجار المكتب، فرفع صاحبه دعوى طرد ضدى، وتمت خطبة ابنتى دون علمى.. وهذه هى حالى.. إننى أملك الآن ما تزيد قيمته على خمسة ملايين جنيه، وفى الوقت نفسه لا أستطيع توفير مائة وخمسين ألف جنيه، وقد قالت لى مطلقتى إنها لن تترك البيت إلا وهى ميتة، ولا أدرى ماذا أفعل لها ولابنىّ العاقين اللذين لم يقدرا كل ما صنعته من أجلهما، فماذا أفعل؟.

 

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

توقفت أمام رسالتك كثيرا، ووجدت أنك اتبعت منهجا غريبا فى حياتك، ليست له أسس واضحة، أو خطوات محددة برغم حديثك الفضفاض عن دراسات الجدوى لمشروعاتك، وإثناء أصحاب المشروعات على أسلوبك فى العمل، وجهدك المبذول فيه، وامتد هذا المنهج إلى حياتك الخاصة، فتزوجت بمن رشحوها لك، ثم انقلبت عليها لمجرد أنها ذهبت مع ابن أختها المتوفاة لإنهاء إجراءات إخراج جثتها من المستشفى، وهو أمر لا يوافقك فيه أحد، ولا أدرى ماذا كنت تنتظر منها فى هذه الظروف غير ما فعلته؟، إنها لو لم تفعل ذلك لصارت مقصّرة، ولاتهمها كل من حولها بقسوة القلب، وانعدام مشاعر الأخوة، والأدهى من ذلك هو تبرير تصرفك بأنك تزوجت عليها بأخرى إمعانا فى إذلالها، والانتقام منها، وكان طبيعيا أن تكرهك كما كرهتها، وأن ينحاز ابناك الكبيران إليها لأنهما لم يلمسا أى إساءة منها تجاهك.

أيضا فإن المسألة الخاصة بابنيك لا تتوقف عند حد الإنفاق عليهما، وتوفير متطلباتهما المادية، وإنما هناك جانب معنوى أغفلته تماما، إذ لم تفطن إلى أن سوء العلاقة مع والدتهما ينعكس عليهما سلبا، ومن ثم يريان أن زواجك بأخرى غير مبرر، تماما مثل طلاقك لها والذى لم يكن له ما يبرره أيضا، فالسبب الذى سقته عن خلافاتها المستمرة مع أولادها لم يكن كافيا لانفصالك عنها، والواضح أن هناك جوانب كثيرة لم تشرحها فى رسالتك، فجاءت غير مترابطة، وتحمل كلها سردا من وجهة نظرك دون سماع وجهات نظر باقى أطراف المشكلة، والحل الأمثل بعد كل ما جرى هو أن تكون لدى كل منكما ثقافة الاعتراف بالخطأ ثم الاعتذار والتسامح، والتفكير فى مصير ابنيكما، فلقد أخطأت بما صنعته معها منذ يوم رحيل أختها عن الحياة، وأخطأت هى الأخرى فى حقك بتجاوزاتها المتلاحقة، وأخذها المال الذى ائتمنتها عليه، ولا سبيل إلى تدارك ما فات إلا بالعفو والتسامح، والتخلص من العداوة، والكراهية، وليعلم كل منكما أن هذا هو الطريق نحو الفوز بمغفرة الله سبحانه وتعالى، ويتأكد ذلك من قوله تعالى: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (النور22)، وقوله أيضا: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحــِبُّ الْمُحْســِنِينَ» (آل عمران 133 ــ 134).

إن العفو يزيد قدرة الفرد على ضبط نفسه، والتخلص من الرغبة فى الانتقام، والابتعاد عن الحقد، والكراهية، وهو خير دليل على قوة الشخصية، وليس على ضعفها كما يظن بعض الأشخاص، بل إنه يسهم فى تحسين نفسية الفرد، وتخلصه من الأفكار السلبية، والعادات غير المستحبة التى تشغله عن تحقيق أهدافه الأساسية، ولا أرى حلا لمشكلتكما الحالية إلا بالحوار، ولن يتحقق ذلك إلا فى وجود احترام متبادل بينكما، بمعنى أن يقدر كل منكما وجهة نظر الآخر، وبالتالى تمهيد الطريق للتعاون حتى يتم فض الاشتباك فى المسائل العالقة بينكما.

لقد طغت عليكم جميعا المادة فصارت هى كل شغلكم الشاغل، وبدلا من أن يكون رحيل ابنك الأصغر درسا وعبرة بأن الحياة لا تدوم، إذا بكم تنغمسون أكثر وأكثر فى شراء الشقق، وإدخار الأموال، والتحايل لجنى المزيد منها، ولم تدركوا أن كل الماديات إلى زوال، وأنه لا تبقى سوى الكلمة الطيبة والفعل الحسن.. ولتعلموا أن الوضوح والشفافية والخلاص هى العوامل التى تساعدكم على تفادى الأزمات المتتالية التى أحالت حياتكم إلى جحيم، فعليكم مراقبة الله فى السر والعلن، والفرار إليه لقوله تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» (الذاريات 50)، فهو عز وجل «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ» (غافر: 19) ، ومن ثم تستحون من الله وترجون ثوابه، والشاعر يقول:

وإذا خــلوت بريبــــة فى ظلمــــة    والنفس داعية إلى الطغيان

فاستح من نظر الإله وقل لها  الذى خلق الظــلام يرانـــــي

ولهذا تجد المخلص الموفق يجاهد نفسه، ويحملها على الطاعات وفعل الخيرات، ويحاسب نفسه فى كل ساعة، ماذا قال؟ وماذا عمل؟ وهل كان قوله وعمله موافقًا لشرع الله أم هو مخالف؟ ويتبع فى سبيل إصلاح نفسه وتطهيرها وتزكيتها عدة أمور، منها مراقبة الله فى جميع أعماله، ومحاسبة نفسه على ما تقدم، كم ربح وكم خسر؟ ومجاهدتها بصدق حتى تتفتح له سبل كثيرة وأبواب مغلقة من أبواب العلم والعمل لقوله عز وجل: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» (العنكبوت: 69)، ولذا يقول تعالى: «وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» (طه: 82) فإيمان صحيح، وعمل صالح، ثم استقامة على ذلك توصل الإنسان للفلاح بإذن الله، فليكن هذا هو منهجكم فى الحياة، وأعتقد أن ابنك وإبنتك قادران على تسوية خلافاتك مع أمهما، فاعطها حقها بالمعروف، وفق ما اتفقتما عليه من قبل، وليشهد ذلك نفر من أهليكما، ولتحتفظا بعلاقة طيبة، وكفاكم جميعا «بهدلة فى المحاكم»، وأسأل الله لكم التوفيق وراحة البال، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق