رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عمال المستقبل

احتفت غالبية دول العالم بعيد العمال فى الأول من شهر مايو. وللاحتفال بعيد العمال عالميا رواية تعاد سنويا حتى تظل فى الذاكرة. ونحتفل فى مصر بعيد العمال أيضا ولكن بمفهوم آخر. وما يتطلبه المستقبل فى وطننا يعد مختلفا بعض الشئ.

أولا، يحتفل العالم بعيد العمال فى الأول من مايو لأنه رمز لنضال الطبقة العاملة من أجل حقوقها.وقد بدأت قصة ذلك اليوم التاريخى بوجود صراع بين العمال وأصحاب المصانع فى الدول الغربية الصناعية الكبرى فى القرن التاسع عشر بعد أن كثر الظلم للعمال وزادت الضغوط عليهم فى وقت كانت جهودهم فيه هى الأساس الرئيسى الذى قامت عليه الثورة الصناعية والتقدم ومن ثم القوة فى أوروبا وأمريكا. وكان المطلب الرئيس للعمال هناك الذى ناضلوا سنوات من أجله هو تحديد وقت ساعات العمل يوميا بـ 8 ساعات. وهو الأمر الذى قاومه أصحاب المصانع.

وتكرر الصدام بين الطرفين فى كل من كندا وأمريكا منذ عام 1856، ولكن، وفى يوم 1 مايو من عام 1886، نظم العمال فى شيكاغو (أمريكا)، ومن ثم فى تورنتو (كندا) إضرابا عن العمل شارك فيه ما بين 350 و400 ألف عامل، يطالبون فيه بتحديد ساعات العمل تحت شعار "ثمانى ساعات عمل، ثمانى ساعات نوم، ثمانى ساعات فراغ للراحة والاستمتاع"، الأمر الذى لم يعجب للسلطات وأصحاب المصانع بعد أن شلتالإضرابات الحركة الاقتصادية فى المدينة، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عددًا منهم، ثم ألقى مجهول قنبلة وسط تجمع للشرطة أدى إلى مقتل 11 شخصا بينهم 7 من رجال الشرطة فتم اعتقال العديد من قادة العمال وحكم على 4 منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن لفترات متفاوتة. واتضح فى وقت لاحق أن المحكوم عليهم تعرضوا للظلم وأنهم لم يرتكبوا الهجوم. فتقرر الاحتفاء بذكرى ذلك اليوم (1 مايو) عالميا وإن كانت بعض الدول تحتفل به فى أيام أخرى.

وقد زاد اهتمام العالم بالعمال حاليا من خلال تشجيع السياسات الموجِّهة للتنمية وتدعيم الأنشطة الإنتاجية واستحداث فرص عمل لائقة وريادة الأعمال والابتكار والإبداع وتشجيع إضفاء الطابع النظامى على العمل ونمو المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم. حيث ينظر العالم إلى تلك المشروعات على أنها المحرك الأساسى للوظائف وفرص العمل فى العالم فهى مسئولة عن توليد ثلثى فرص العمل.

وثانيا، نحتفل نحن فى وطننا الغالى مصر بعيد العمال لأن هناك تراثا عماليا مصريا مستقلا للاحتفال بعيد العمال بدأ فى عام 1924؛ حيث نظم عمال الإسكندرية احتفالاً كبيرًا فى مقر الاتحاد العام لنقابات العمال، ثم ساروا فى مظاهرة ضخمة ثم عقد مؤتمرا ألقيت فيه الخطب.

ورغم ما كان يوجد من صعوبات أمام هذه الحركة النقابية المصرية، فقد واصلت الاحتفالات بالمناسبة وتنظيم المسيرات والمؤتمرات طوال الثلاثينيات والأربعينيات. ولكن مع ثورة 1952 ووصول الرئيس جمال عبد الناصر إلى السلطة، والتأميم التدريجى للمؤسسات والمشروعات الاقتصادية والتجارية والإنتاجية الكبرى، أخذت المناسبة شكلاً رسميا وديا بعد صيانة حقوق العمال والتوسع فيها، وفى عام 1964 أصبح الأول من مايو عطلة رسمية يلقى فيها رئيس الجمهورية خطابا سياسيا أمام قيادات النقابات العمالية.

ويرى المؤرخون أن الاهتمام بالعمال فى مصر كان كبيرا فى العصور القديمة؛ فإلى جانب اعتقاد المصرى القديم بالعمل كنوع من أنواع التقرب إلى الخالق، وهو ما يبرر البراعة والإتقان فى ما صنعه العمال المصريون من أعمال وإنجازات. ولم يكن العامل المصرى يعمل بالسُخرة فى أغلب الأوقات؛ فقد كانت هناك حقوق وقواعد ونظم إدارية ومحاسبة يتم التعامل من خلالها مع العمال وتنظيم العمل، وقد شهدت الحضارة المصرية القديمة أول مدينة عمالية كما عرف القدماء العطلة الإسبوعية.

وثالثا، وهو الأمر الأكثر أهمية؛ فإننا يجب أن نتناول أمر العامل فى مصر من منظور جديد ومختلف يتسم بالواقعية من جانب وبالأمل فى المستقبل من جانب آخر.

فمن الناحية الواقعية تقول أحدث الدراسات إن النمو الاقتصادى يتحقق فى أفضل صوره عندما يكون مستندا إلى التوظيف والعامل وفرص العمل. وإن تطوير العامل بشكل شامل متكامل يحقق النجاح بشكل تصاعدى متنامٍ فى ذات الوقت الذى يتحقق فيه النجاح للأفراد على المسار الاجتماعى فى الدولة التى تطبق ذلك الأسلوب، وبالتالى لا يتحقق النمو الاقتصادى المنشود فحسب، وإنما يتحقق النمو المستدام الذى يراعى النجاح الاقتصادى والإنسانى معا، ويضمن استمرارالفائدة من النمو المتحقق فى المستقبل للأجيال القادمة. باختصار، إن العمال كانوا فى طليعة من حمل مصر إلى الأمام خلال سنوات الإضطراب الأخيرة، وهم أيضا من نعول عليهم فى الانطلاق بمصر ومنتجاتها، ومن ثم اقتصادها، فى المستقبل القريب.

وبالتالى، فنحن فى حاجة إلى تطوير فكر العامل إلى جانب تطوير مهاراته؛ فالعامل الناجح اليوم لا يقتصر فى عمله على تنفيذ مهام مكررة بشكل آلى غير مدروس، بل يمكنه أن يبدع ويبتكر ويضيف قيمة إلى كل ما يقوم به استنادا إلى مقدار ما تعلمه من أفكار تدفعه إلى الإبداع والابتكار ومقدار التدريب الذى حصل عليه الذى يضمن له تحويل أفكاره إلى منتجات مبتكرة ملموسة ومتطورة ومتقنة الصنع تستطيع أن تجد لها مكانا فى سوق عالمية هائلة فى حجمها وتنافسها أيضا. فلم يعد أمر العمالة مقصورًا على التصارع حول الحقوق والواجبات، وإنما أصبح الصراع على الأسواق.

وهكذا، ونحن فى تلك الأيام والسنوات الحاسمة التى نقوم فيها بإعادة بناء الوطن وتشييد المستقبل علينا أن نضع مكانًا ومكانةً مختلفة للعامل من حيث المنظور الاجتماعى ومن حيث الدخل والتأمين الملائم له (شهادة أمان المصريين) أما الأهم فيتمثل فى التطوير الفكرى والسلوكى والتدريبى للعامل حتى يتواكب مع مكانته الجديدة فى عالم مستقبلى جديد لا يعرف سوى لغة الابتكار والتنافس واقتحام الأسواق، وهو ما يتجه إليه الوطن وبقوة.


لمزيد من مقالات طارق الشيخ;

رابط دائم: