رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«كلمة السر» أسقطت البوسطجى «لص الأرامل»

محمد شمروخ
المتهم

لا تتعبي نفسك يا ست.. اتركي الكارت وكلمة السر وأنا سأحضر لك فلوسك حتي باب البيت!.. إلهي يريح بالك يا أستاذ «ح» يا موظف البوسطة زي ما ريحت بال الغلابة والمساكين.

وبالفعل كان الأستاذ «ح» مرتاح البال وهو يدخل كروت الفيزا تباعا لكي يقبض المعاشات لبعض العميلات ويوقع بدلا منهن وكن يسمحن له بذلك، لأنهن لا يعرفن التعامل مع ماكينات الفيزا، كما أن ذاكرتهن المتعبة لا تحتمل حفظ «كلمة السر» (الباسوورد)، ولا حفظ خطوات إدخال الكارت وصرف النقود، فمن هذا الذي سيكشف لهن ما يفعله وهو المتصرف الموكل بموجب الكارت والباسوورد؟!

خد الكارت ياولدي واتصرف كما بدا لك..ربما كانت صفات الشهامة التي تبدو ملامحها واضحة علي شخصية هذا الموظف الطيب وما يبديه من تعاطف مع البسطاء، هي ما جعلته محلا لثقة المترددات من الأرامل والمطلقات والمعيلات من مستحقات معاش الضمان الاجتماعي، علي مكتب البريد الواقع في تلك المنطقة الريفية النائية الواقعة خلف حي الوراق شمال محافظة الجيزة.

فالغالبية العظمي من تلك الفئة من البشر يسهل أن تعطي ثقتها لمن يبدي استعداده للمساعدة ويجيد الخداع وإظهار الطيبة والحرص علي الحقوق، ولأن كثيرات منهن لا يجدن في أنفسهن أي مطمع لأي سبب، كانت ثقتهن بلا حدود في الأستاذ «ح» فتركن له مطلق الحرية في التعامل مع تلك الكروت التي تم تسليمها إليهن، لتسهيل صرف معاشهن، بل حتي اللائي يجدن القراءة والكتابة منهن، قد ائتمنه علي تلك الكروت وبلغت الثقة به أن سلمته كل واحدة منهن ورقة صغيرة بها الرقم السري لكارت الفيزا الخاص بها، وكم كانت الأكف ترتفع بالدعاء للأستاذ الشهم الأمين، لأنه يسر عليهن صرف المعاشات وعناء مشوار مكتب البريد والتعامل مع الماكينة ولم تكن أي واحدة منهن تراجع وراءه بل تترك بطاقة الفيزا لديه ليكرر عملية الصرف ولم تهتم أي منهن بأنه يوقع بدلا منها، فمثل تلك الإجراءات تثقل عليهن مهما بدت من سهولتها.

أما الأستاذ «ح» نفسه، فكان يزهو بتلك الثقة وهو يرتب بطاقات الفيزا ويراجع «الباسوورد» الخاصة بكل بطاقة وعموما لم يحدث طوال الفترة الماضية أن شككت واحدة منهن في ذمته ولا ارتابت في أنه يوقع بدلا منها علي إشعار الصرف.

كان موظف البريد يقوم بكل ذلك وهو في مأمن من السقوط، فعملاء المكتب من مستحقي معاشات التضامن الاجتماعي من أبناء تلك المنطقة لن يخطر علي بالهم أنه يستولي علي الكثير من أموالهم، فالغالبية ما بين العجائز والأرامل وجميعهم سواء رجالا كانوا أم نساء، لا يعرفون الكتابة والقراءة ومن يعرفها منهم هو بالكاد يقرأ ويكتب اسمه فقط، فوق كل ذلك هم طيبون سذج ولا يدرون ماهي قيمة مستحقاتهم أو الزيادات المقررة.

لكن الموظف الخبيث كان لديه قدرة هائلة علي فرز عملائه، فكان يستبعد منهم من تبدو عليه ملامح النباهة أو من يراجع وراءه أو من لديه من يحسب له مستحقاته وكان إذا حدث ولعب لعبته الخبيثة مع أي من تلك النوعيات الخطيرة، فسرعان ما يتراجع وهو يبدي أسفه علي ما بدر منه من خطأ متعذرا بكثافة العمل وكثرة المترددين، لكنه علي أي حال كان نادرا ما يقع في مثل هذا الخطأ.

وعزز الأستاذ «ح» موقفه وشهرته بالأمانة ودماثة الخلق ومساعدة الضعفاء والإشفاق علي العجائز والأرامل، بأنه كان يتجشم مشقة الذهاب بأن يمر بنفسه عليهن في بيوتهن ليسلم إليهن مستحقاتهن ويكفي أن الرجل - ربنا يبارك له- لا يأخذ كثيرا أو قليلا مقابل خدماته الإنسانية الجليلة التي لا يرجو من ورائها سوي وجه الله.

ــ ربنا يخليك للغلابة يا أستاذ «ح».

ــ ربنا يكون في عونك مثلما أنت في عون المساكين.

ـ إلهي يجازيك بعملك يا شيخ!.

ولكن فيما يبدو أن باب السماء كان مفتوحا أمام هذه الدعوة الأخيرة حتي وكأنها «كلمة السر» التي فتحت الباب لكشف حقيقته وسقوطه وفضحه، فمباحث البريد بالإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات كانت بالمرصاد لخطوات الموظف وكانت قد أعدت تقريرا عنه قدمته إلي اللواء قاسم حسين مساعد وزير الداخلية ومدير الإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات، فأمر بسرعة تتبع الموظف وكشف ألاعيبه حتي لا يفلح في استكمال جرائمه بتزوير التوقيعات والاستمرار في الاستيلاء علي حقوق الغافلين والغافلات ممن ائتمنوه علي ما يكفي بالكاد لسد رمقهم وإسكات الجوع في بطون أطفالهم، فأسفرت التحريات التي أجراها ضباط مباحث البريد بإشراف اللواء حسني عبد العزيز مدير مباحث النقل والمواصلات، عن أنه يحتفظ بعدد من بطاقات الفيزا الخاصة بعملاء المكتب مع كلمة السر لكل بطاقة، فداهمت قوة منزله وعثرت علي 164 كارت فيزا و331 ألف جنيه هي الباقي مما تحصل عليه من أموال الأرامل والعجائز وفي التحقيق، سرد الموظف خائن الأمانة تفاصيل ما كان يفعله شهريا بنهب حقوق أولئك المساكين الذين كانت ألسنتهم وقلوبهم تلهج بالدعاء له دون أن يكشفوا حقيقة لص الأرامل والعجائز حتي كلمة السر الأخيرة في مشوار الحرام.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق