رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما بعد "مندَبة" بلفور !

يقال إن معنى نَدَبَ فى اللغة في تعبير نَدَبَ الميِّت، أى بكى عليه وعدَّد محاسنه. وفى بداية شهر نوفمبر الحالى سادت العالم العربى "مندَبة" عظيمة فى ذكرى مرور قرن كامل من الزمان على إصدار بريطانيا وثيقتها الشهيرة باسم "وعد بلفور" فى نوفمبر من عام 1917.

وفى واقع الأمر؛ فإن المندبة العظيمة ليس المراد بها هو وثيقة وعد بلفور ذاتها لأنها وثيقة تعبر عن عمل غير مشروع بلا محاسن، ولكن المقصود الحقيقى هو البكاء على وتعديد محاسن الشهداء والضحايا والمشردين والمهجرين والمفقودين من أبناء فلسطين وأبناء العالم العربى بل ومن أبناء الكثير من دول العالم الذين حلت بهم الكوارث والخطوب من جراء الوعد الوارد بتلك الوثيقة المشئومة التى - وللأسف الشديد - ينتظر أن يستمر أثرها المشئوم لسنوات وربما لعقود أخرى قادمة !!
وباختصار؛ فإنه وكما أوضحت دوائر المعارف فإن وعد بلفور (أو تصريح بلفور كما تنص الترجمة عن اللغة الإنجليزية) هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التى بعث بها وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دى روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، والمؤسف أن فلسطين لم تكن ملكا لبريطانيا حتى يكون لها الحق فى إطلاق مثل ذلك الوعد.
وقد شجع إصدار الوعد المشئوم على حركة الهجرة اليهودية بوجه عام إلى أرض فلسطين استعدادا لتحويلها إلى دولة يهودية كما وعدت الإمبراطورية البريطانية!!
وتشير الإحصائيات إلى أنه حين صدر وعد بلفور كان تعداد اليهود فى فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أرسلت الرسالة قبل شهر من احتلال الجيش البريطانى لأرض فلسطين. وقد أطلق المناصرون للقضية الفلسطينية عبارة "وعد من لا يملك لمن لا يستحق" فى وصفهم الوعد.
كان الواضح أن بريطانيا تريد التخلص من عبء الهجرات اليهودية التى تدفقت على أراضيها عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وهو موقف ثابت ومعلن ليس منذ الحرب العالمية الأولى فقط بل ومن قبلها بقرون؛ حيث عارض الإنجليز فى أزمنة سابقة حركات الهجرة اليهودية إلى بريطانيا، بل وسعوا فعليا إلى إخراج اليهود من أراضيهم.
والأهم أن هناك ما يشير إلى أن وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور عندما كان يشغل منصب رئيس وزراء بريطانيا خلال الفترة بين عامى 1902 و1905، تبنى مواقف مضادة لحركات الهجرة اليهودية إلى بريطانيا انطلاقا من رفض اليهود الاندماج مع سكان البلاد، واستصدر تشريعات للحد من الهجرة اليهودية إلى بلاده. وكذلك كان حال ديفيد لويد جورج رئيس الوزراء البريطانى الذى صدر فى عهده وعد بلفور.
وهكذا يمكننا أن ندرك لماذا يحتفل البريطانيون اليوم "وبفخر" بإصدار ساستهم مثل ذلك الوعد. فقد جنبهم هذا التصرف (الذى يعد عملا غير مشروعا وفق القوانين والأعراف الدولية المتعارف عليها) الكثير من المشكلات والأزمات والمسئوليات التى كان يمكن أن تحدث لبلادهم وتضر بمصالحهم لو لم يجد ساستهم تلك الوسيلة الجهنمية غير المشروعة التى مكنتهم من "ضرب عصفورين بحجر" : فقد تخلصوا من أعباء الهجرات اليهودية المكثفة إلى أراضيهم وتهديدات العصابات الصهيونية المستمرة لهم ـ التى وصلت إلى حد تنفيذ الاغتيالات السياسية والتخطيط لضرب لندن بالطائرات فى الأربعينيات من القرن الماضى ـ من جانب، ونجحوا من جانب آخر فى "اختلاق معسكر مسلح متقدم" فى الأراضى العربية بما يخدم مصالح بريطانيا فى المنطقة العربية لعقود تالية.
وفيما يتعلق ببكائية مرور 100 عام على صدور وعد بلفور يمكن الإشارة إلى عدة أمور يجب وضعها فى الحسبان :
ـ أن ما جاء به وعد بلفور لم يكن الأول ولن يكون الأخير؛ فالأرض العربية بوجه عام وفى فلسطين تحديدا كانت دوما موضع مساومات ومبادلات بين القوى الكبرى التى تداولت استعمار المنطقة. ومن أبرز الوعود السابقة كان ذلك الوعد أو تلك الدعوة التى وجهها القائد الفرنسى نابليون بونابرت (الذى حكم فرنسا فيما بعد) إلى اليهود لإقامة وطن لهم فى أجزاء من فلسطين!!
ـ ومن المرجح، بل ومن المنطقى، أن يستمر ذلك الأمر إلى أن تظهر قوة عربية موحدة قادرة على فرض الأمر الواقع ووقف تلك المساومات على الأراضى العربية وكافة الحقوق والمصالح العربية بوجه عام.
ـ من الثابت أن الدول العربية لم تتخذ حتى اليوم من التحركات الشعبية أو الدبلوماسية الرسمية ما يمثل ضغطا حقيقيا على الحكومة البريطانية لإقناعها بالاعتذار عن "وعد بلفور".
ـ ومن الثابت أيضا أنه لم تتخذ حتى اليوم إجراءات ذات طبيعة قانونية لمحاسبة بريطانيا على ما أقدمت عليه.
فمن الواضح أن أية دولة تقوم بعمل يلحق الضرر بدولة أخرى تتم مقاضاتها وتتعرض للإجبار من المجتمع الدولى حتى تقدم التعويض الملائم عن الخطأ الذى ارتكبته. ولكن يبدو أن قوة الضغط العربية فى ذلك المضمار مازالت ضعيفة حتى اليوم.
ـ البعض، وفى مقدمتهم الكاتب الصحفى محمود مراد، اقترح فى الساعات الأخيرة قبل "بكائية مئوية بلفور" أن يتم تنظيم مقاطعة للسلع والخدمات البريطانية لمدة محدودة، وهناك من وجه دعوة إلى تنظيم مظاهرات فى أنحاء العالم الغربى للتأثير، وهو ما حدث فى بعض الأماكن فعليا ولكن حتى اليوم مازالت الجهود غير مؤثرة لأنها وببساطة ليست بحجم المصالح الكبيرة التى تربط "الكثيرين" ببريطانيا والولايات المتحدة الراعى الرسمى لإسرائيل.
وهكذا يجب أن نتذكر دائما تلك المقولة الخالدة القائلة بأنه : "لايضيع حق وراءه مطالب". ولكن حذارى من السكوت. فقد حذرنا علي ابن أبى طالب رضى لله عنه بمقولته الشهيرة : "حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق". واليوم نحن نتكلم ولا نسكت، وربما يأتى فى الغد ذلك اليوم الذى سيتحول فيه الكلام إلى عمل مؤثر فعال.
فإلى لقاء حتى يأتى ذلك اليوم المجيد.


لمزيد من مقالات طارق الشيخ;

رابط دائم: