رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه : أحمـد البرى
السعادة التائهة!

أحمـد البرى
لا أعلم بماذا أبدأ كلماتى، ولا كيف أعبر لك عما يضيق به صدرى، فمهما خط القلم، ولملم من كلمات، فإنه يقف عاجزا عن التعبير عما تحويه نفسى من ألم وعذاب شديدين، ولقد بذلت جهدا مضنيا فى استجماع قواى والتغلب على الخوف الذى يحاصرنى كلما هممت بالفضفضة إليك،

وها أنا أكتب حكايتى بعد أن سئمت المحاولات الفاشلة للوصول إلى حل لما أعانيه بمفردى، وأعود إلى نقطة البداية فأقول إننى فتاة عمرى ثلاثون عاما نشأت فى أسرة متصدعة مليئة بالأزمات بين أبى وأمى، وأدركت فى سنوات الصبا أن ظروف زواجهما هى السبب فيما آلت إليه أحوالهما فيما بعد، حيث إظن أبى عندما تقدم للارتباط بها كانت وقتها معيدة بالجامعة، وفى الوقت نفسه جاءتها إعارة إلى السعودية، ورفض خالى السفر معها كمحرم، ولذلك فضلت الأسرة لها الزواج والسفر بدلا من الاستمرار فى السلك الجامعى، ورأت أن أبى هو الحل البديل خصوصا وانه كان أفضل من أرادوا الزواج بها، وبعد عقد القران سافرا معا إلى البلد العربى، وأنجبا أخى ثم أنا بعده بعامين، واستمررنا تسع سنوات ثم عدنا إلى مصر، ولم تتحمل أمى المعيشة فى المدينة التى نقطن بها، فرتب أبى أموره، وانتهى بنا المطاف فى رفح بشمال سيناء، وكنت وقتها فى الصف الثالث الابتدائى، وأخى الأكبر فى الصف الخامس، والتحقنا بالمدارس ثم الكليات الجامعية هناك، وحصلت على الليسانس، وعملت بوظيفة بإحدى المؤسسات، وفى الوقت نفسه أكملت دراساتى العليا، وأصيب والدى بمرض مزمن عاناه عدة سنوات ثم مات فى أثناء إعدادى رسالتى للماجستير، وكانت وفاته صدمة قوية لنا خصوصا أننا نعيش فى مدينة لا أهل لنا فيها ولا عزوة، ومن المفارقات الغريبة أنه فى ليلة وفاته ذهب أخى مع خالى للقاء عريس لى فى محافظتنا التى نشأنا فيها بناء على ترتيب مسبق، وقد وافقت عليه الأسرة بالإجماع برغم أنه لم يكمل تعليمه الجامعى، لكنهم رأوه مناسبا لى ورأيته أنا أيضا كذلك، وفى تلك الليلة حدثته فى الهاتف، وعرف أخى أننى أكلمه فانهال علىّ ضربا، ووقف أبى قليل الحيلة أمامه صامتا وظهر عليه الوجوم، وبعد هذه الواقعة بساعات رحل عن الحياة، فاتهمونى بأننى سبب وفاته، وافتعل أخى معى مشكلات لا حصر لها، لكنى ظللت متماسكة، وتحملت مسئوليتى كاملة تجاه أمى وشقيقى، فأنا التى أشترى طلبات المنزل، وأتولى شئونه وليس له أى دور فى حياتنا، وكلما حدثت أمى فى شأنه عندما تكون هادئة معى، ترد علىّ بأنها لا تثق فيه، ونتيجة حالة التشتت هذه، لم يكتمل ارتباطى بالشاب الذى كان محل قبول الجميع، وتكرر ذلك مع كل من تقدموا لى من رفح، إذ لم تكن أمى ترغب فى الاستقرار بها، وبعد ذلك جاءنى انتداب للعمل فى دمياط، فأشارت علىّ أن أسكن مع خالتى مؤقتا، وطلبت منى أن أفاتحها فى ذلك، فألمحت إليها برغبتى فى السكن معها مؤقتا، وأن أدفع مقابل هذه الإقامة كأنى أستأجر مكانا بمفردى، فقالت لى «بيتك ومطرحك»، وبالفعل سافرت إليها وقضيت معها عدة أسابيع حضرت خلالها دورة تدريبية فى مجال عملى، وساندت إبنتها فى ترتيب استعدادات زواجها، وبعد الزفاف فوجئت بأمى تقول لى إن خالتى ترى أن تصرفاتى جريئة، وأنها تخشى على أبنائها منى، وحاولت أن أعرف عن اى تصرفات تتحدث، ولكن للأسف لم أصل إلى شىء، فكتمت أحزانى من جديد، وأوكلت أمرى إلى خالقى، وكثيرا ما خلوت بنفسى، وبكيت بصوت مسموع فى عز الليل، ولكن لا يسمعنى أحد فالكل مشغول بنفسه عنى، وأحيانا أسأل المولى عز وجل «إلى من تكلنى؟».. إلى أم تتهمنى دائما بسوء الخلق؟.. أم إلى أخ لا يهمه سوى نفسه؟.. وسرعان ما أتدارك الأمر، وأقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم مناجيا رب العزة: «إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى».

ووسط حالة الحزن التى سيطرت على كيانى كله وافقت امى على أن تصحبنى إلى دمياط لتنفيذ الانتداب، اما اخى فقد أصر على الاستمرار فى رفح، وارتبط بفتاة من الإسكندرية دون أن نسأل عنها بحجة أن هذا قراره المقتنع به تماما، وتخيلت أن أمى ستغير موقفها منى، ولكن هيهات لها أن تتخلى عن اتهاماتها السيئة لى بالرغم من أنها الوحيدة التى تعلم كل شىء عنى، وليس لى ذنب فى رفضها العرسان حتى بلغت سن الثلاثين وكل من تقدموا لى تزوجوا وأنجبوا وصارت لهم ذريات، أما أنا فلم أتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، وكل ما فى الأمر أننى ورثت نفس تخصص أمى بل ونفس زملائها الذين كانوا يكرهونها.

وحاولت أن أقترب من زوجة أخى وهى بنت وحيدة لأخين متزوجين، لكنها ظلت بعيدة عنى تماما.. وما أكثر المواقف المحرجة التى حدثت لى عند زفافهما، فعند لقائى بأهلها لم ألق أى تقدير من أحد، ولم يدعنى أخى ولا عروسه للذهاب معها إلى الكوافير، وجلست وحدى، وفى آخر نهار يوم «الصباحية» اتصلت به لاستئذانه فى زيارته مع العائلة لمدة عشر دقائق كما هى العادة فى الأفراح، فرفض استقبالنا، ولم تهتم أمى بكلامه وذهبنا إليه مع خالى وخالتى، فبدت عليه علامات الغضب منا، وبعد الزفاف بأيام عاد إلى سيناء، وبرغم ترددى على بيتنا هناك لم أزره أو يسأل عنى!، وطالت حالة الجفاء بيننا، ثم تقدم لى مدرس يسكن فى بلد مجاور لنا، والتقيت به مرة واحدة فقط، ولما قلت لأمى أننى سأقابله مرة ثانية هو وأسرته لكى يتأكد كل منا من قبول الآخر، رفضت بحجة أننا التقينا من قبل، ولم أفلح فى إفهامها أن نصف ساعة هى مدة لقائنا الوحيد لا تكفى للتعرف على طباعه وطباع أهله، وأمام تعنتها غير المبرر فى إتاحة فرصة أخرى للحديث معا قبلت الارتباط به، وفى يوم الخطبة اتهمته أمى بتبديل الشبكة فخرج مسرعا، وحاول ابن خالة والدتى تهدئة الموقف، ونظم لنا رحلة مشتركة إلى رأس البر، لكن كلام أمى ظل يراودنى خصوصا وأنه أهدانى خاتما ذهبيا وقال لى إنه بثلاثة آلاف جنيه، وعندما عرضته على أحد الصاغة أفادنى بأن ثمنه ألف وخمسمائة جنيه لا غير!.. وأحسست بخوف شديد من إتمام هذه الخطبة القائمة على الكذب والخداع ففسختها، ومر على ذلك عام كامل لم تتوقف أمى خلاله عن معايرتى بأنه لا يتقدم لى سوى الكذابين المحتالين، بل واتهمتنى بأننى أسرق أموالها، وأغلقت جميع غرف المنزل أمامى، وتركت لى حجرة واحدة أنام فيها مع قائمة ممنوعات منها التليفزيون، ووجدتنى فى سجن لا أستطيع الخلاص منه، وفى كل حوار بيننا أتعرض للخسارة، لأن جميع مناقشاتنا «سفسطائية»، وكم توسلت إليها أن تغير موقفها منى، ولكن هيهات أن تستجيب، بل قالت لى: «إن لم تعجبك المعيشة معى، اذهبى للإقامة حيث تشائين»، فخرجت من المنزل أمامها فلم تحرك ساكنا، وذهبت إلى عمى بالملابس التى أرتديها، فرحب بى، ولكنى بعد أن هدأت بعض الشىء عدت إلى المنزل، فحدث متغير جديد وهو أنها تشكك فى تصرفاتى، وحاولت أن أبحث عن مخرج مما أنا فيه، وسعيت إلى استكمال دراساتى العليا فى جامعة دمياط، فإذا بها تفسر ذلك على هواها، وتسبنى بشتائم يندى لها جبين الحياء خجلا، وللأسف الشديد تسكن إلى جوارنا تلميذاتى، فيسمعن هذا السباب، ولا أدرى كيف ينظرن إلىّ الآن؟.. إننى تعبت من الكلام معها لكنها مصرة على تحطيم نفسيتى وصرت أتحدث مع زميلاتى فى الخفاء، ولا أستطيع استخدام الانترنت أو مشاهدة التليفزيون أو زيارة صديقاتى، ولا أدرى متى تستقر حياتى؟، ولا كيف أتعامل مع هذه العقلية الصلبة؟، فبماذا تشير علىّ؟.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

لكل من الوالدين والأبناء حقوق وواجبات بالأصالة، وليس على سبيل المبادلة أو المعاوضة، فمن حقوق البنوة، العدل والرحمة وحسن التربية، ومن حقوق الأمومة والأبوة، الإحسان والطاعة والبر بغض النظر عن حالة أى منهما، فلم يجعل الله أداء أحد الجانبين ما عليه من الحقوق والواجبات شرطا لأداء الآخر، بل لكل منهما حق وواجب مستقل، ولذلك لا يحل لك أن تقصرى فى القيام بحقوق أمك وواجباتك نحوها، مهما قصرت هى فى حقوقك وواجباتها نحوك، ومهما بلغت الكراهية فى قلبها تجاهك، بل عليك أن تجاهدى نفسك أن تبريها وتحسنى إليها، إذ أن حقها عليك عظيم، ومن هنا يجب أن تتجنبى الكلام الذى لا موجب له معها، وحاولى دائما أن تكونى هادئة فى كل حوار بينكما، وتأملى دائما قول الحق تبارك وتعالى «وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا» (الإسراء 53)، بمعنى أن تتسمى دائما بالحلم والصبر، وأن تحملى نفسك على مقابلة السيئة بالحسنة، والكلمة القاسية بالطيبة.

وأرجو أن تضعى موقف أمك منك فى موضعه الصحيح، فقد يحدث أحيانا مع تقدم الأم فى السن أن تشعر بالغيرة من إبنتها، وقد تحاول أن تفقدها الحماس تجاه ما فيه خير لها، ويكون حديثها معها دائما فى صورة نقد لاذع، وهذا نوع من المرض ينبغى التوقف أمامه والتعامل معه بحكمة وهدوء إلى أن تتدارك الأم خطأها وتعود إلى رشدها، ومن هنا ينبغى أن تعلم أمك أن نقدها القاسى لك يتسبب فى نتائج سلبية عليك، ويثير مشاعر الكراهية بينكما، والواجب عليها أن تكون مصدر دفع لك إلى الأمام باختيار أسلوب مناسب فى الحديث معك وبما يجعلك تشعرين بالثقة بالنفس وتقبلين على الحياة بحب واطمئنان.

وعلى جانب آخر فإن الشكوك التى تساور أمك فى أنك تتحدثين مع آخرين عبر الهاتف أو أن هناك أسرارا غامضة فى حياتك تخفينها عنها قد تكون هى السبب فى زعزعة ثقتها فيك، فماذا أعددت لإعادة الثقة المفقودة؟.. ليتك تجلسين معها جلسة مصارحة وتناقشينها بهدوء عن أحاسيسك هذه، ثم دعيها هى التى تقرر كيف تردم الهوة بينكما، وشيئا فشيئا فسوف يتغير موقفها، وتدرك فداحة خطئها فى حقك، فأنت فى النهاية إبنتها، ولا تقبل بأى حال أن يمسك سوء أو أذى، والحقيقة أنها تستحق منك هذا الصنيع الذى يجب ألا تترددى فيه مهما تكن قسوتها عليك، وإذا كانت تراك عنيدة، وتنفذين ما يتراءى لك من أفكار وخطوات فى حياتك ترينها سليمة، فإننى أرى أن درجة معقولة من العناد مطلوبة، لأنه يقوى الشخصية من الناحية التربوية، ولكن يجب ألا يكون عنادا شديدا أو ما يسمى «العناد الشارد» الذى يؤدى إلى كثير من التفاعلات والانفعالات والفورات النفسية السلبية، ومن الواضح أن هذا العناد معك وحدك بدليل أن شقيقك الوحيد يفعل ما يحلو له دون أن تلفت نظره أو تتخذ منه موقفا مماثلا لما تمليه عليك، وربما تكون قد فضلته واختصته بأمور أخرى، مما ساعد على وجود رواسب سلبية من ناحيتك تجاهه هو الآخر، وتسبب فى الشرخ النفسى الذى يكبر داخلك بمرور الأيام، وفى ذلك أذكر ما جاء عن النعمان بن بشير ــ رضى الله عنهما ــ أن أمه سألت أباه بعض ماله لإبنها، وطلبت منه أن يشهد رسول الله على ذلك، فأخذه أبوه من يده وهو غلام فأتى الرسول، وقال له: يا رسول الله عن أم هذا بنت رواحة ـ أعجبها أن أشهدك الذى وهبت لإبنها، فسأله الرسول: يا بشير ألك سوى هذا؟.. قال: نعم.. فقال الرسول: أكلهم وهبت له مثل ذلك، فرد: لا، فقال الرسول: «فلا تشهدنى إذن، فإنى لا أشهد على جور»، ولذلك فإن على والدتك أن تكون محبتها لكما واحدة، فإن ذلك يجعلك أكثر هدوءا واطمئنانا.

وتأكدى أن ما مررت به من ألم إنما هو مرحلة عبرت طريقها، وأنت الآن التى بيديك الإصلاح والصفح والغفران، والبدء بمشاعر جديدة تملؤها الرحمة تجاه أمك، فلا تجعلى قلبك يحمل ذرة من قسوة تجاهها، واحتسبى ذلك طاعة لله، وعندما تتزوجين ويصبح لك أولاد وبنات سوف تلمسين معاناتها، وتعذرينها، فاعتبرى تجربتك درسا تعلمتيه فى تربية أبنائك مستقبلا، ووقتها ستكونين مؤمنة بحاجتهم إلى الاحتواء والحب والحنان، وإياك والأحزان، فالإنسان لم يخلق لها، وإنما خلق للسعادة والفرح، وعليك أن تتلمسى طريقك إليها بتسوية خلافاتك مع أمك وشقيقك، وأنت قادرة على ذلك بالحكمة والعقلانية، أما عن زواجك فلتضعى له أسسا وقواعد واضحة، حتى لا تندمى بعد فوات الأوان، وينبغى على أمك أن تعقل ذلك، وأن تساعدك على اختيار الشخص المناسب لك، وأن تمد جسور التواصل معك لا أن تفرض عليك قائمة ممنوعات غير مقبولة، ولا أن تحول البيت إلى سجن يجعلك تفكرين فى الهرب منه بأى شكل .. وفقك الله وسدد خطاك على الطريق السليم، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق