رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى
أرجوحة المصير!

أتابع بانتظام بابك الشهير، ولم يخطر ببالى أننى سأكون واحدة من بطلات قصصه ومآسيه

، وفجأة وجدتنى ألتقط الورقة والقلم لأكتب إليك لأول مرة بعد أن ضاق صدرى، وارتفع ضغط دمى، وأغلقت كل السبل أمامى للوصول إلى بر الأمان مع ابنى الأوسط، فأنا سيدة متزوجة منذ أربعين عاما من زميل الدراسة، وقام ارتباطنا على الحب والتفاهم، وكافحنا معا من نقطة الصفر وصارت حياتنا سيمفونية رائعة من المودة والرحمة والحب ولم يعكر صفوها شىء، وكانت الخلافات البسيطة التى لا يخلو منها بيت تنتهى على الفور دون أن يحدث ما يكدرنا، فحتى فى الخلاف كنا أحباء، وساد بيننا مستوى راق من التعامل، ولم يرتفع صوت أى منا على الآخر أبدا، أو يتلفظ بكلمة نابية على الإطلاق، وسافرنا إلى دولة خليجية، وفتح الله لنا باب رزق واسعا، وسارت حياتنا هادئة مطمئنة، وأكرمنا سبحانه وتعالى ببنت وولدين هم قرة العين وروح الفؤاد.

ومرت السنوات تباعا وتفوق كل منهم فى دراسته، وتزوجوا جميعا وصارت لهم أسر مستقلة، وأصبح لكل واحد بيته وحياته وعمله، وتظلل روح المودة والتراحم حياتنا وحياتهم، ولكن ظهرت لنا مشكلة وحيدة لا أدرى كيف نواجهها، وهى تخص ابنى الأوسط الذى يعمل عضو هيئة تدريس بجامعة إقليمية، وهو على قدر كبير من الذكاء والوسامة، وقضى عدة سنوات فى دولة أوروبية لنيل درجة الدكتوراه منها، فلقد اضطررنا على عجل إلى تزويجه بإحدى تلميذاته فى الكلية التى يعمل بها، وهى تتميز بالجمال والأخلاق الطيبة، ومن أسرة متدينة ووحيدة والديها، ولأنها صغيرة فى السن وتعودت عدم المسئولية ربما نتيجة التدليل الزائد بحكم أنها وحيدة، تفاقمت المشكلات بينهما فى الغربة، وامتدت إلى ما بعد عودتها إلى مصر، وهى مشكلات تافهة من وجهة نظرى بحكم سنى وخبرتى فى الحياة، ومعظمها اختلاف فى وجهات النظر، وكان من الممكن تداركها سريعا، فكم من مشكلات مشابهة حدثت بيننا أنا وزوجى ولكن سرعان ما كنا نتغلب عليها، ويحتوى كل منا الآخر، لكن ابنى وزوجته لم يستوعبا هذا الدرس الذى رددناه عليهما كثيرا، وأخذت أمورهما حجما أكبر من حجمها الأصلى بلا داع، ويكمن السبب فى مشكلاتهما معا إلى أنها قليلة الخبرة بالأعمال المنزلية، وكسولة إلى أقصى درجة يمكن أن تتخيلها، وتعشق النوم والمكياج والملابس الأوروبية الضيقة والإكسسوارات، وتهمل واجبات المنزل، ورعاية الأطفال، وتعتقد أن غاية واجباتها هى إرضاء الزوج فى العلاقة الخاصة فقط، واكتشفنا أن عقلها فارغ ولا يشغلها شىء مفيد، ولا تستطيع أن تتحاور مع زوجها فى أى موضوع أو تبادله الحديث فى أى أمر من الأمور، وكل هذا كان يمكن تحمله أو إصلاحه لو أنهما تداركا خلافاتهما وامتثلا لنصائحنا بعدم توسيع دائرة المشاحنات، ولكن للأسف الشديد انحدرت علاقتهما إلى تبادل الألفاظ البذيئة والسباب الذى لم نعرفه أبدا، واستنجدت بأهلها وإذا بهم يتطاولون على ابنى، ويصرون على أن يطلق ابنتهم، وأن يدفع لها النفقة ويسلمها قائمة المنقولات لأنهم يعلمون جيدا أن ظروفه المالية لا تسمح له بتكبد ما سوف يسفر عنه الطلاق، إذ ليس لديه إيراد خاص سوى ما يتقاضاه من مرتب الوظيفة.

ولك أن تتخيل حالى وأنا أرى ابنى الهادئ المؤدب المتدين يخرج عما تربى عليه، ويبادلهم الألفاظ السيئة، ويضربها بعد أن ضربته.. فعلا شىء لم أتخيله أبدا، وزاد الأمر سوءا أن ابنى استدار إلينا، وأخذ يعدد المواقف، ويقول إننا السبب فيما يعيشه من متاعب لأننا مارسنا عليه ضغوطا لكى يتزوج على عجل، وقبل أن يستقر على فتاة يختارها بنفسه دون توجيه ولا إملاء منا، ولمست الكراهية التى تسللت إلى قلبه تجاهها، وبذلنا كل ما فى وسعنا لإصلاح أمورهما خاصة بعد أن أنجبا طفلين لا ذنب لهما فى خلافاتهما، ولكن دون جدوى، لقد هجر ابنى زوجته تماما، وعندما حدثته فى هذا الأمر، رد علىّ بأنه يريد الارتباط بفتاة أخرى تعمل معه فى الكلية نفسها، وهى أقل منها جمالا، ولكن تفوقها ذكاء ولباقة وكياسة، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يطلق أم طفليه للزواج بهذه الفتاة، ونحاول جاهدين ألا يطلقها حرصا على مستقبل ابنيه، وسعيا إلى تنشئتهما تحت رعايته، ولكنه يرفض بإصرار لأن ظروفه لا تسمح له بتوفير شقة أخرى للزوجة الثانية كما أنه لن يتمكن من الإنفاق على بيتين، أما أهل زوجته فيتعاملون معه من منطلق أن القانون فى صف ابنتهم، وأن الشقة من حق الزوجة، وغير ذلك من التبعات التى سوف تترتب على طلاقها، وهذا فى حد ذاته يزيد الأمور تعقيدا، فماذا نفعل؟.. هل نوافقه على زواجه الثانى؟، وهل يطلق زوجته الأولى والدة ابنيه، أم يجمع بين الاثنتين؟.. أرجو أن تساعدنا برأيك للخلاص من القلق والتوتر، والجراح التى لا نعرف سبيلا إلى التئامها.

> ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

فى القرارات المصيرية يجب التأنى دائما، ففى العجلة الندامة، ولذلك أرى أن تسرعكم فى تزويج ابنكم كان قرارا خاطئا، إذ لم يدرس لا هو ولا زوجته طبائع بعضهما، ولم تتح لهما الفرصة الكافية للتعرف على أوجه الاتفاق والاختلاف فيما بينهما، ولا يكفى للدلالة على وجود توافق بين الطرفين ما نراه ونلمسه من صفات كل منهما كالجمال والأخلاق والمؤهل الدراسى، فكيمياء التلاقى بين الطرفين تحكمها عوامل خفية إلى جانب الصفات الملموسة التى يمكن رصدها، ولذلك تكشفت حقائق غابت عنكم عن طباع زوجته، من الكسل والاهتمام بالمظهر والملابس على حساب الأعمال المنزلية، ولم تدرك أن على الزوجة مسئوليات عديدة تجاه بيتها الذى يعد مملكتها الأولى، وأنها إذا لم تهتم به فإنها تهدم عمودا أساسيا فيه مما ينذر بانهيار الحياة الزوجية فى أى لحظة، وبالمثل لم يكن ابنك قادرا على لملمة شتات زوجته واستيعاب تقلباتها، فاصطدم معها بعد أن تبخرت سعادة شهر العسل، وآفاق على أن نجاح العلاقة الخاصة وحدها ليس كافيا لإقامة حياة مستقرة، وبالطبع فإنها لم تدرك هى الأخرى أن صنيعها من هذه الناحية لا يكفى وحده، وإنما هناك نواح أخرى تكتمل بها أركان البيت، وإلا فإن حياتهما الزوجية تكون مهددة بالانهيار فى أى وقت، وما دامت الأمور قد وصلت بينهما إلى ما وصلت إليه، فلن يحلها زواجه بأخرى، وهى على ذمته، ويتطلب الجمع بينهما موافقتها ورضاها، لكنك لم تشيرى إلى ذلك، فربما ترفض هذا الوضع، وترفع دعوى طلاق ضده للضرر، وفى هذه الحالة ستحصل عليه مع احتفاظها بكل حقوقها التى كفلها لها الشرع والقانون، ولذلك فإن مسألة الجمع بين الاثنتين تتوقف على ثلاثة عوامل مهمة هى استعداد زوجته لأن تشاركها أخرى فيه، وقبول الزوجة الثانية احتفاظه بالأولى، وقدرته على العدل بينهما، وإلا فإن حياته ستكون مرشحة لمزيد من المعاناة مع ما يترتب عليها من انهيارات نفسية وأسرية وتأثير على الأبناء.

ومن هنا فإن على ابنك أن يدرس أمره جيدا، وأن يعيد النظر فى موقفه من زوجته مادام لم يحدث بينهما ما تستحيل معه عشرتهما، وألا يظلمها، وأذكره بتحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظلم الزوجة، وضرورة الإحسان إليها بقوله: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى»، ولا يبخسها حقها، فإن رفضت أن يتزوج عليها، فليسرحها بإحسان، فالحقيقة أن الزواج الثانى إذا لم يكن برغبة الزوجة الأولى فإنه يفتح بابا للمنغصات والمتاعب على الزوج لن يتمكن من إغلاقه أبدا، أما إذا قبلت به وقاسمت الثانية حياتها فى رضاء تام مادام زوجها يعدل بينهما، فإن الحياة الزوجية بين الثلاثة تكون مرشحة للاستقرار، إذ أنه حينئذ سيصبح واثقا فى نفسه بدرجة أكبر، ويستطيع تحقيق مشاريعه وأحلامه.

ويجب أيضا أن يهيئ ابنك طفليه على قبول زوجته الجديدة، وعليها هى الأخرى أن تقترب منهما وتشعرهما أنها «مثل» أمهما تماما، وتكون قادرة على استيعاب تقلباتهما إلى أن يطمئنا لها، وعلى أمهما أيضا أن تضع مستقبلهما فى مقدمة الاعتبارات وهى تتخذ قرارها بشأن علاقتها بزوجها، فالوالدان هما القدوة الفاعلة فى نفوس الأبناء، حيث يشعرون معهما بالأمان والرضا والعزة، ورعايتهما لهم لها أثر كبير فى تنشئتهم السوية، ومن هنا ينبغى على إبنك إدراك أن الزواج الثانى أمر قد يكون حلا لبعض المشكلات الاجتماعية، ولكن بشروط إن انسلخ منها فقد يدخل فى دائرة المحرمات، وربما يتسبب فى التفسخ الاجتماعى والأخلاقى وزرع الكراهية داخل النفوس، ومن ثم يصبح سببا فى تدمير حياة أسرة هانئة، فهناك مسئولية كبيرة على الأب مثل وجوب النفقة لقوله تعالى: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (البقرة 233)، وقوله تعالى: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى» (الطلاق 6)، كما أن هذا الجانب قد يتأثر لعدم القدرة على الإنفاق على أسرتين فى آن واحد، أو تحريض الزوجة الثانية ضد الأسرة الأولى، وهذا يحدث فى معظم الزيجات, وقد يدفع الزواج الثانى الأب إلى إهمال الجانب التربوى لأبنائه، ويتركه لزوجته الأولى وحدها، وهذا ما حذر منه رسول الله بقوله: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول»، وقوله أيضا «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأب راع فى بيته، ومسئول عن رعيته»، ولأن الأسرة هى التى تخلق حالة التوازن النفسى لتكوين الشخصية، فإن الشرع وضع شروطا للزواج بأكثر من واحدة حتى لا يسعى إليه الرجل لمجرد أنه يريد إشباع رغبة لديه، ومنها أن يكون قادرا على الإنفاق والعدل بين زوجاته ورعاية أبنائه.. ومن هنا فإنه إذا كان ابنك لا يستطيع الإنفاق على بيتين لأن ظروفه لا تسمح بذلك، وبالتالى لا يريد أن يجمع بين زوجتين، فله ما أراد بشرط أن يعطى زوجته حقوقها الكاملة التى يكفلها الشرع والقانون، وأن يصرف على ابنيه، وأن يحرص على تنشئتهما فى كنفه، فاجلسوا معه وناقشوه بهدوء فى ظل هذه المعطيات ليتخذ قراره وهو على بينة من أمره، فمصيره فى ظل حالة التردد التى تعيشونها أشبه بالأرجوحة التى تتأثر بأى رياح، ولا شك أن وضع النقاط على الحروف سوف يساعده على اتخاذ القرار السليم بموافقة جميع الأطراف بما فى ذلك أهل زوجته الأولى، والعروس المنتظرة، وأسأل الله أن يلهم ابنك القرار السليم فى مشواره مع الحياة، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق