رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«نسرين طافش» .. تحريض رومانسى يتحدى الضياع

محمد حبوشة
لأنها تملك قدرا من الذكاء الفطرى الحاد يضاف إلى حجم موهبة كبيرة فى التجسيد الدرامى الحي، كنت أتوقع أن تكون تجربة «نسرين طافش» الغنائية الأولى قادمة بمداد من المتعة الخالصة،

ليس على مستوى جمال ورقة وعذوبة الصوت فحسب، بل على مستوى الأغنية المصورة الـ«فيديو كليب» مستفيدة من خبرتها كممثلة لإضفاء حالة رومانسية غاية فى الرقة والبراعة، بداية من فكرة المخرج «سعيد الماروق» والتى اعتمدت لغة الأبيض والأسود كدلالة رمزية تشير لشفافية زمن الرومانسية الجميل الذى افتقدناه من ناحية، ومن ناحية أخرى يرسخ شعورا طيبا بالراحة والهدوء النفسى الذى يناسب الحالة.

حسنا عمد «الماروق» لأسلوب السينما فى إحداث نوع من المتعة البصرية معتمدا على براعة «نسرين» كممثلة محترفة بمفتتح ذكى بـ «كلوز أب» كرنفالى بديع فى تواز متناغم وسلسل يتواكب مع العد التنازلي، مجسدة حالة لوعة المحب، وهو ما عكسته بحرفيتها المعهودة فى التكثيف الموحى من الداخل مستعينة بتعليمات «ستانسلافسكي» فى جودة التمثيل بالوجه، خاصة إشارات «خفقان القلب، وضع اليد على الصدر» كتمهيد لانطلاق لحظة الغناء بحساسية مرهفة متزامنة مع العزف على البيانو.

الفستان الأحمر وسط درجات تتأرجح بين الأبيض والرمادى وصولا للأسود الداكن لإغلاق المشهد الأول أضفى أجواء رومانسية دافئة للغاية، فى إطار تهيئة الأذن والعين لاستقبال المشهد الثانى بقدر من الشجن المحبب، وهو ما نجح فيه «سعيد الماروق» مع لحن «إياد الريماوي» بحسه الشفاف فى التصوير الموسيقي، فضلا عن توزيع «جان مارى رياشي» بخيط رفيع بلغ أقصى غاياته فى إكساب ملامح نسرين نوعا من الأداء الدرامى المبطن بالشجن بطريقة عفوية ومغايرة لأسلوبها فى تجسيد الأدوار الدرامية من قبل على الشاشة، مستندة للغة جسدها التى تعرف كيف تتعامل مع التفاصيل وتطوعها لغاية النص المصور ببلاغة.

تابلوهات غاية فى الروعة قدمتها نسرين - غناء وتمثيلا - فى هذا الكليب، متألقة وهى تتنقل كفراشة رشيقة ما بين لحظات الصمت والغناء بحركات سحرية محسوبة بدقة وإتقان، فى جلوسها أمام «البيانو» مشغولة فى العزف، تطل من نافذة السيارة المشبعة برزاز مطر خفيف يكسب بريق عينيها حدة ساهمت فى صدقية اجترار الحزن والفقد والحنين بحسب الكلمات متواكبة مع الموسيقي، وعلى قدر برودة أداء «الموديل» وطوله الزائد وبلادة إحساسه داخل المصعد، إلا أنك تشعر بدفء زفير «نسرين» القادم من قلب مشحون بعاطفة جياشة تقوى على إحداث التوازن المطلوب فى المشهد والمشاهد التالية.



























بشاشة وجه «نسرين» متزامنا مع دخولهما الصالة يعكس فرحا داخليا سرعان ما يتبخر فور الجلوس على الطاولة وهى تلمس يده فى حنو يقابله برود متعمد لايخفى دفء مشاعرها الممزقة، ولأنها ممثلة محترفة لم تلجأ إلى الأسلوب الخطابى والحماسى للتمثيل لأجل مدخل أكثر واقعية كمبرر درامي، مرتكزة على القواعد النفسية لتطور الشخصية، ما منحها حق اللجوء العاطفى أمام البيانو والسيارة والشارع، وكأنها روح تواقة للحرية ترفض الانكسار، رغم أنها أهدته «الغنية»، ويعاب على المخرج هنا أنه لجأ إلى تكرار المشاهد ولم يلجأ للمونتاج بعمل «فلاش باك» يعكس التاريخ الرومانسى للشخصية بشكل أعمق عبر صور لمشاهد قديمة تعكس ذكريات عاطفية بين الحبيبين.

على أية حال تبدو «صولوهات رياشي» فى منتصف الكليب استثنائية ليقوى إيقاع الموسيقى التصويرية للريماوى فى تجسيد الحالة العاطفية بلمسات خاصة من نسرين - كممثلة محترفة - عبر نظرات مختلسة مصحوبة بلمسة يد تفضى إلى تحريك الكاميرا للوراء «مرة ثانية»، حيث البيانو والسيارة والشرود بتنهدة تعكس اللوعة، ولمس الكتف فى ارتباك يعقبه نزق راقص يحرك المشاعر المبطنة برغبة عارمة فى استجداء عاطفة مستحيلة، ويبقى مشهد الخروج الأخير للشارع هو الأبرع فى شريط الكليب بكامله، من حيث أداء ارتجالى برعت من خلاله نسرين فى توليد شعور ببرد قارص يغالب العاطفة فى لحظات هبوط الكاميرا من أعلى لأسفل وهى تستند لعمود الإنارة فى ثبات لايخفى الضعف، وتتوقف الموسيقى على إيقاع الكون المشبع برزاز مطر يجمد حالتها وسط ذهول الخيبة والضياع ليلخص الفكرة بكاملها، وهو مايشهد على براعة تجليات «الماروق» بالتأكد.

النقطة السلبية الوحيدة من وجهة نظرى أن المكياج كان مبالغا فيه إلى حد ما على الشفتين، وكان يمكن أن يكون مقصودا بتوظيف ذكى يعكس حالة الاضطراب النفسى التى تعانيها، لو أن المخرج استعرض صورا فى الخلفية لنسرين بمكياج خفيف يوضح لحظات البراءة قبل الهجر، حتى لايبدو عالم الماروق مصنوعا بتقنيات مبالغ فيها بعض الشئ لإبراز إثارة متعمدة، وهو ربما لا يتناسب مع حالة نسرين كممثلة تتسم بحس رومانسى يجنح نحو البراءة، فى ظل ذهاب الماروق إلى خلق عوالم «سندريلا» طبقا لسيناريو الكليب.

وفى النهاية يبقى لنا زاد هائل من المتعة الغنائية والبصرية التى جلبت الدفء القادم من نبع وفيض محبة «نسرين طافش» بلاشك .. فلها أجمل تحية فى جلب أجمل اللحظات الرومانسية التى تتحدى زمن الضياع.

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق