رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

دماء شهيدى العِلْم على كتاب المدرسة

كتب ــ أحمد الأترجى
أحلام بمستقبل باهر ارتسمت في مخيلتهما بعد أن يوفقا في اجتياز مرحلة الثانوية العامة بتفوق، ويتأهلا لاحدي كليات القمة، التي أصبحت حلم الكثيرين من الطلاب ليتوج التعب والسهر في تحصيل الدروس، بالتخرج في احداها، والحصول علي الوظيفة اللائقة التي تضمن لهما ولأسرتهما العيش الكريم، الا أن كل هذه الطموحات والآمال النبيلة، صدمتها عجلات الاهمال والرعونة علي طريق الموت.

«عمر طلعت» و «محمد صلاح» طالبان بالثانوية العامة من أبناء قرية قمن العروس التابعة لمركز الواسطي ببني سويف، تربطهما صداقة قوية من الصغر، اجتمعا علي حب العلم والتفاني في حياتهما الدراسية، متخذين من الاجتهاد والنجاح شعارا لهما في مسيرة التعليم، وفي رحلة البحث عن النجاح والمستقبل المشرق سلكا طريق العلم، راجين من المولي عز وجل أن يسهل لهما به طريقا الي الجنة، ولأن الوصول الي التميز والتفوق الدراسي يتطلب الكثير من المذاكرة، وتحصيل الدروس، كان لابد من الاجتهاد في المذاكرة بالاضافة الي الاستعانة ببعض الدروس الخصوصية، لدي معلمين متميزين حتي وان بعدت المسافة عن قريتهم ببعض الكيلومترات.

كانا يذهبان معا الي مدينة الواسطي التي تبعد عن قريتهما نحو 4 كيلومترات لحضور درس «الرياضيات»، ولم يجدا أمامهما وسيلة أسرع وأسهل تنقلهما الي مكان الدرس سوي «الموتوسيكل»، حسبما تخيلا، ولكنهما لم يدركا أنها ستكون الوسيلة الأسهل والأسرع في ذهابهما الي الموت.

وفي يوم الحادث، حضر الصديقان آخر «حصة» درس في حياتهما، وكانا كعادتهما متجاوبين مع المعلم، ويتسابقان مع زملائهما في حل المسائل الرياضية، وما ان انتهي «الدرس» حتي أسرع كل منهما الي مصافحة المعلم والزملاء داخل القاعة بحرارة، ولم يدر بخلد الجميع أنها مصافحة الوداع، وأنهما لن يحضرا الحصة القادمة، لأنهما سيكونان في عداد الموتي، وهمّا الي العودة لقريتهما، حيث أسرتهما في انتظار عودتهما بسلام، خاصة أنه بين الحين والآخر يأتي خبر عن حوادث «الدراجات النارية» علي الطريق السريع، واستقلال الاثنان « الدراجة البخارية» خلف صديقهما «عبدالرحمن»، وأخذوا يتحاورون فيما استفادوه من الدرس والتركيز علي الأسئلة المهمة، وعلي الطريق الزراعي كان للصديقين موعد مع القدر، وفجأة صدمتهم سيارة نقل ثقيل من الخلف وأطاحت بهم، وسقط الثلاثة علي الطريق غارقين في دمائهم، وتلطخت كتبهم بدمائهم الذكية، واذ بسيارة أخري تدهس الاثنين «عمر» و «محمد»، ليفارق الأول الحياة في الحال، وينقل الثاني الي مستشفي القصر العيني لكنه توفي بعد يومين ليلحق بصديق عمره، أما «عبدالرحمن» فقد نجاه الله، وأصيب بكدمات وكسور.

أما الأثر الأكبر من الحزن والألم علي فقدان شهيدي العلم فكان من نصيب والدتيهما، وراحا يبكيان بدلا من الدموع دما، علي فراق أغلي الشباب، وكانت والدة «عمر» كلما شاهدت أحدا من أصدقائه ذاهبا الي المدرسة ارتمت علي كتب فلذة كبدها وأخذت تنظر الي اسمه المدون عليها، ودموعها تتساقط مثل المطر، ورفضت أن تلملم أشياءه ومتعلقاته من غرفته حتي كتبه تركتها علي المكتب الخاص به لتشتم فيها رائحته وملابسه المعلقة داخل دولابه، رفضت الأم الثكلي أن تخفيها بعيدا عن نظرها لتري ابنها داخلها، وكلما أذن المؤذن لأداء صلاة الفجر انتفضت من نومها لايقاظ ابنها حتي يؤدي الصلاة ويهرول الي مدرسته وبعدها تفيق من حلمها علي الحقيقة المرة بأن فلذة كبدها قد فارق الحياة ولم يتبق منه سوي الذكري. وفي أجواء خيم عليها الحزن الشديد وارتفعت أصوات البكاء من أهل القرية حزنا علي فقدان الشابين، وأخذ «محمود جابر» يبكي رحيل صديقه «محمد صلاح» ويقول انه كان متفوقا في دراسته وكان يحلم بأن يصبح مهندسا كبيرا ويصمم بنفسه منزله الذي سيتزوج فيه، والغريب أن العديد من أصدقائنا تحدثوا عن أن الفقيد كان يشعر أنه هيموت قبل الحادث بأسبوع، وروي لهم أنه رأي ذلك في المنام، أما «علاء الدين ميهوب» فراح يتحدث عن الابتسامة التي كانت لا تفارق وجه صديقه «عمر طلعت»، والذكاء والفطنة اللذين كانا يشعان من عينيه، غير مصدق أنه لن يراه مرة أخري.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق