رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

إعادة الاعتبار للدبلوماسية المصرية

عندما كتبت فى هذا المكان منذ أسبوعين مقال «الواقعية فى السياسة الخارجية المصرية»،

تلقيت عددا من ردود الأفعال المتفاوتة، بعضها اعتبر ما كتبته نوعا من التضخيم المعنوي، لأن هناك غموضا يكتنف بعض المواقف فى عدد من القضايا الإقليمية، وهناك من أثنى، واعتبر ما كتبته جزءا يسيرا، وأن الدبلوماسية الراهنة التى رسم خطوطها العريضة الرئيس عبدالفتاح السيسي، ويتولى إدارتها بحرفية سامح شكرى وزير الخارجية، تستحق أكثر مما كتبت.

عندما فكرت فى التحفظ والإشادة، وجدت أن كليهما صحيح، فالسياسة الخارجية بحاجة لقدر أكبر من الحسم فى بعض الملفات، حتى ولو تفهمنا طبيعة المرحلة الحالية والتعقيدات التى تخيم على جميع قضايا المنطقة، لكن إذا أرادت مصر أن تلعب دورا محوريا كبيرا، عليها أن تتخلى عن الحذر الذى لازم بعض مواقفها، وجعلها تفتح قنوات اتصالها مع جميع القوى، بما فيها قوى متناقضة ومتنافرة ومتصارعة، ربما حقق هذا الاتجاه أهدافه فى وقت لم تتوافر فيه رفاهة المواقف الحدية، لكن مصر التى تستعيد دورها الإقليمي، عليها أن تكون أكثر حسما، وتتخلى عما يمكن وصفه بـ »الحذر والتريث الزائدين«، لأن سياسة الخطوط المتوازية لن يكون لها مكان فى المرحلة المقبلة.

أما فيما يتعلق بالدور الذى لعبته الدبلوماسية المصرية، منذ ثورة 30 يونيو 2013 وحتى الآن، فقد حقق أغراضه بامتياز، ويذكرنا أداء الوزير سامح شكري، بعدد من شيوخ الدبلوماسية، الذين كانت المصلحة الوطنية حاكما رئيسيا فى جميع تصوراتهم وتصرفاتهم، ونجحوا فى إعادة الاعتبار لمصر إقليميا ودوليا، ووضعوا لمساتهم وبصماتهم، ليس فقط لتمسكهم بجملة من الثوابت الإستراتيجية الحاكمة للرؤية المصرية، لكن لأنهم وقفوا بقوة أمام العواصف والرياح التى كانت تأتيهم من كل حدب وصوب.

المرحلة التى تعيشها مصر الآن، بكل تشابكاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، تبدو قريبة من مرحلة سابقة، عاشتها البلاد خلال حقبتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والكثير من تفاصيل ما حدث فى ذلك الوقت، له روافد ونماذج شبيهة الآن، وعندما امتلكت السلطة الحاكمة إرادة قوية للمواجهة والتحدي، وعكست وزارة الخارجية الرؤية الإستراتيجية، تمكنت مصر من عبور غالبية الأنفاق التى حُفرت فى طريقها.

فى تقديري، ما قام به، ولا يزال، سامح شكرى يذكرنا بهذه المرحلة، فعندما قامت ثورة 30 يونيو، كانت علاقات مصر الخارجية على المحك، والمؤامرات على أشدها، والمشهدان، الإقليمى والدولي، بالغى الصعوبة، وخلال أقل من عامين، نجحت الوسائل الدبلوماسية، فى أن تعيد ترتيب عدد كبير من الأوراق لمصلحتنا، وتتخطى كثيرا من العراقيل والمطبات، وفوتت الفرصة تلو أخرى، على من حاولوا حشر مصر فى زاوية ضيقة، حتى أصبحت العلاقات جيدة، وربما ممتازة، مع عدد كبير من الدوائر السياسية فى العالم.

من أهم مزايا هذه السياسة، التى كانت مهارة الوزير شكرى ظاهرة فيها، عدم الدخول فى صدامات مجانية مع أى دولة، وتجنب المهاترات التى كانت تظهر فى الخطاب الرسمى لبعض الدول، ولعل طريقة التعامل مع تركيا، من أكثر المواقف التى كشفت عن منهجه، فمع كل »السفسطة« والتجاوزات التى قامت بها أنقرة، غير أن الردود المصرية كانت حكيمة ومنضبطة، ولم تنزلق إلى المربع الذى أراده بعض قيادات تركيا لها، وعندما يتطلب الأمر للرد بحسم، لم يتردد شكرى أو المتحدث باسم الخارجية المستشار أحمد أبوزيد عن الرد بالقسوة الواجبة، عندما يستلزم الأمر ذلك.

وحتى فى القضايا الشائكة، التى تتقارب فيها الخطوط البيضاء مع السوداء، مثل الأزمة السورية والليبية واليمنية، خاصة فى الآونة الأخيرة، عندما يُساء فهم الموقف المصري، كانت الخارجية تتكفل بمزيد من التوضيح والتصويب، وربما أغضبت قوة شخصية شكري، وقدرته على بلورة مواقف بلاده بطريقة سلسة، بعض زملائه فى دول شقيقة، ولأن دفاعه كان منبثقا من تقديره الوطنى لدور مصر الإقليمي، بدا منسجما مع القيادة السياسية، التى تدرك أهمية هذا البلد، وأن القدر وضعه فى منطقة ملتهبة، وقدره أيضا أن يكون على مستوى المسئولية الملقاة على عاتق أبنائه.

المرحلة المقبلة، هى مرحلة الحسم فى عدد من القضايا الساخنة، وسوف يزداد فيها دور سامح شكرى والجهات المعاونة لوزارته، وهو ما يتطلب المزيد من الحنكة لجنى ثمار ما تم زرعه فى العامين الماضيين، فمرحلة الرئيس الأمريكى الجديد دونالد ترامب، مؤكد أنها سوف يظهر فيها الكثير من التجليات السياسية، التى تجعل الأدوار الدبلوماسية لا تحتمل القسمة على اثنين.

إذا كانت وزارة الخارجية المصرية، ربحت الكثير خلال مرحلة السيولة السياسية، فمن المتوقع أن تكون مكاسبها أكبر، فى مرحلة الحسم، الذى يكشف عن وجه آخر لمصر، تتطلع إليه منذ فترة، لكن طبيعة المرحلة وحساسيتها المفرطة أجلت تدشين تفاصيله، مما يضع على كاهل الدبلوماسية مهمة تعظيم الدور الإقليمى لمصر، خاصة أن البيئة تبدو مهيأة له، فى ظل العثرات التى تواجهها بعض القوى الطامحة والجامحة، والتى تفتقر إلى المقومات الحقيقية لممارسة دور متعاظم، كما أن الاتجاه الدولى العام أصبح على قناعة بأن مصر رمانة ميزان مهمة، ويمكن التعويل عليها لضبط بعض المعادلات المختلة، التى حسبت قوى معينة أنها قد تكون رقما رئيسيا فيها، وتستطيع التحكم فى بعض مفاتيح الحل والعقد بالمنطقة.

السمات الإيجابية الكثيرة التى أضفاها أداء شكرى على الدبلوماسية، منحت قطاعات كبيرة من المواطنين، ثقة فى الدور الذى يمكن أن تلعبه مصر، وجعل فئات مختلفة تتيقن أن الأمن القومى لبلادهم يبدأ من خارج الحدود، الأمر الذى يحتاج إلى تضافر الجهود لدعم الخارجية، وتتمكن من أداء مهامها، بعد أن أصبحت المظلة الرئيسية، المعبرة عن الرؤية المصرية، وجرى تجاوز جوانب كثيرة من التشويش والتخبط والتشتت، الذى خيم عليها، قبل ثورة 25 يناير 2011، بسبب تضارب الجهات الفاعلة، وتوزيع المهام على أكثر من جهة.

رد الاعتبار للدبلوماسية المصرية، مهمة كانت فى غاية الصعوبة، الفضل يعود فيها للوزير سامح شكري، والرئيس عبدالفتاح السيسى الذى وقف خلفه ومنحه هذه الفرصة، حتى أمسك بخيوط متعددة، جعلته رمزا وواجهة سياسية مشرفة، و«كابوسا« لعدد من نظرائه فى المنطقة، ممن يريدون تحجيم دور مصر، وحشرها بين فكى أزماتها المحلية، وهمومها مع بعض جيرانها

لمزيد من مقالات محمد أبـوالفضــــل

رابط دائم: