رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الختان فى دول أفريقيا.. طقوس الرجولة المبكرة

صخر صدقى
الطفل لم يأت إلى العالم عبثا, ولكنه يحمل رسالة ما, ويمتلك من المواهب ما يجعله نافعا للناس ولمجتمعه, وحكماء القرية من العجائز لهم من البصيرة ما يجعلهم قادرين بفحصهم للمولود الجديد, على اكتشاف بواطن القوة فيه, يدونونها فى سجل الطفل الخاص به.

لتبدأ بعد ذلك احتفالات التسمية، وتُذبح الأضاحي, وتُقرع الطبول, وتتمايل الأجساد, وتصدح الأغاني، مُهلِّلَة ومُرحِّبَة بالضيف الجديد.و«طقوس التأهيل» فى أفريقيا «nitiation ceremonies» تمارس فى كل مراحل تطور الإنسان منذ ولادته وحتى موته. وتتفاوت الطقوس من مجتمع إلى آخر, ومن مرحلة حياتية إلى أخري. والمحطات الرئيسية التى تمارس فيها الشعائر وتقام الاحتفالات هى الطفولة, والبلوغ, والزواج, والعجز, والموت.

يظل الطفل يمارس طفولته كاملة, إلى أن يصل إلى سن البلوغ, وهنا تبدأ أكثر مراحل الانتقال والتأهيل أهمية, وصعوبة. فإذا كان صبيا فعليه أن يلقى بطفولته خلف ظهره وهو يخطو نحو الرجولة, ومطلوب منه أن يبرهن عمليا على قدرته على تحمل الألم بكل صوره وأشكاله التى تتعدد بتعدد القبائل. وإذا كانت بنتا فعليها أن تجهز نفسها لتصبح امرأة، فالانسلاخ من مرحلة يتطلب نوعا من الاحتمال, والمثابرة, والشجاعة إذا لم تتوافر يسقط الفتى أو الفتاة فى قاع العار, وتتجرع الأسرة مرارة هذا السقوط.

رأيت الصبية والبنات فى نيجيريا وهم يخرجون جماعات ليمهدوا الأرض للزراعة، وفى مرة أخرى وأثناء رجوعنا من ورشة تعليمية, استوقفنى مشهد مجموعة من الناس من قبائل الفولانى يتقدمهم طابور من الصبية يمسكون بعصى رفيعة وكأنهم يحملون أسلحة. وكانوا فى طريقهم إلى الساحة التى ستشهد حفل تأهيلهم. رغبت بشدة فى رؤية ولو جزءا قليلا من الحفل، كان المشهد مفزعا وأنا أرى أحد الصبية واقفا بنصفه الأعلى عاريا.. يداه متشابكتان فوق رأسه, ومن خلفه وعلى مسافة قريبة منه يقف خصمه متحفزا والعصا الرفيعة بيده, بعد هنيهة انتظار لإشارة البدء, وجدته يجلد الصبى أمامه ثلاث جلدات متتالية، وجرى الناس على الصبى الذى ترك وقع العصا علامات دامية على ظهره, واحتضنوه, ورفعوه على الأعناق ابتهاجا باجتيازه اختبار احتمال الألم، وقدمو له الشراب, وألصقوا بعض العملات على جبينه، ليجئ الدور بعد ذلك على الصبى الخصم, لينال الجلاد نصيبه من الإيذاء من الصبى نفسه الذى قام بجلده. وفى ذات الوقت تقام طقوس للبنات اللاتى على أعتاب التأهل، وتستعد البنت فى هذا اليوم لتحمل وخز الإبر الذى سوف يوشم به وجهها، فإذا صرخت من الألم أو بكت يؤجل تأهيلها، وتعامل كطفلة لم تنضج، ويبدأ رجل القبيلة المتخصص فى عملية الوشم, بتحديد مسار الوشم على وجه البنت بصبغة كالحناء, بخطوط ورسومات لها مغزاها, الرسم بجوار العين يرمز إلى طاعة ورعاية الزوج، وخطوط الوجنتين رمز للرخاء ورغد العيش. والأولاد والبنات يتلقون بعد ختانهم دروسا فى السلوك والأخلاق ومعلومات وإرشادات تتعلق بإرث القبيلة, ومعتقداتها التى لا بد من احترامها, خاصة بعد طقوس تأهيلهم. ودخولهم مرحلة مختلفة, بمثابة ولادة جديدة.

غالبا ما يعزل الصبية البالغين بعيدا عن مجتمعاتهم, حيث تجرى لهم اختبارات التأهيل التى يثبتون بها قدرتهم على التحمل، وعندما يرجعون من عزلتهم الإجبارية يكونون قد تشبعوا بفكرة أنهم انسلخوا تماما من طفولتهم, وصاروا رجالا. وإمعانا فى الإيهام باختلاف صورتهم الجديدة عما كانوا عليه, تحلق رؤوسهم, وتحرق ملابسهم القديمة, بل إنهم فى بعض القبائل يطلقون عليهم أسماء أخرى غير أسمائهم.

وتتخذ احتفالات التأهيل مظاهر عديدة. فى قبيلة زوسا «جنوب أفريقيا», حيث يأخذون الصبى بعيدا إلى الجبل حيث يبنى له أقاربه كوخا, يكون بمثابة بيته لعدة أسابيع، وتُجرى له عملية الختان فى الكوخ ويترك هناك بلا طعام ولا شراب حتى يشفي. وفى «بوركينا فاسو» يعكف الصبية قبل ختانهم على نحت أقنعتهم التى سوف يرتدونها فى الاحتفال بأنفسهم.

وقبيلة الماساى فى «كينيا وتنزانيا», يُجهزون للاحتفال قبله بشهرين, حيث يتخلص الصبية من كل متعلقاتهم التى تذكرهم بطفولتهم. وينتزعون من على أجسادهم كل ما يتزينون به, ويحلقون رؤوسهم. ينقشون وجوههم بالطباشير, والطمى الأحمر, والفحم. يرتدون عباءات سوداء. ويرشقون ريش النعام فى رءوسهم. تمارس الطقوس بالأضاحي, وبالرقص والغناء. ويقوم العجائز بممارسة طقوسهم الروحية داخل خيمة الصبى الذى تجرى له عملية الختان بدون مخدر, وبدون أن يبدر عنه ما يشى بتألمه حتى لا يبدو جبانا وتضيع عليه فرصة تأهيله. يظل الصبى داخل خيمته دون أن يخلع عنه عباءته السوداء. الماساى بارعون فى إيقاف النزيف بعد الختان, حيث يتناول الصبى الكثير من التوت الأحمر قبل العملية بيوم, وباستخدام نوع خاص من البودرة يوقف النزيف, يعالج الجرح بمزيج من لبن البقر الطازج وبوله وروثه, ولكى يستعيد الصبى حيوته يناولونه اللبن ممزوجا بدم البقر ليشربه. يخرج بعد شفائه التام ليتبوأ مكانته الجديدة فى المجتمع كمحارب «worrier». ويخلعون عباءاتهم السوداء, ليصيروا مسئولين عن مجتمعاتهم, وعن رعاية الأبقار, خاصة فى موسم الجفاف. ومن الجدير بالذكر أن احتفالات التأهيل للماساى فى السابق كانت أشد قسوة, فكان من أهم شروطها, أنه لن يقبلوه محاربا إلا من يقتل أسدا. وفى الوقت الحالى لا يقتلون الحيوانات البرية الممنوع صيدها إلا إذا هوجمت ماشيتهم.

وبنات الماساى لا يتزوجن إلا إذا تم ختانهن. والرغبة فى الإنجاب هى الهدف الرئيسى من الزواج فى تلك المجتمعات. فلا المظهر الخارجي, ولا الشهوة يثيران الاهتمام, بقدر ما تثيره الرغبة فى الإنجاب، والبنات على العكس من الصبية مسموح لهن بالصراخ وهن يعافرن بين أيدى أمهاتهن اللاتى تقيدهن. وكنت قد طالعت خبرا فى صحيفة كينية شد انتباهى, عن أحد أفراد هذه القبيلة ويعمل صحفيا, وهو يكتب شاكيا, بأنه رأى الكثيرين من أفراد قبيلته وقد زُجَّ بهم فى السجن, عقابا لهم على ختانهم لبناتهم, وأنهم تركوا أطفالهم خلفهم بلا حول ولا قوة, وبأنهم يعانون من الجوع فى غياب الأبوين. ومن ضمن ما كتبه فى هذا السياق, هو عدم رضاه عن تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى . وأنه من المحزن أن يرى فتيات صغيرات فى العاشرة من عمرهن تزوجن بعد أن تم ختانهن.

بعد تضييق الخناق على قبائل الماساى من قبل حكوماتهم, اضطروا إلى ممارسة طقوس الختان فى الخفاء، إلى أن بدأت منظمة من مثقفى الماساى Masai educational discovery» MED» تفتح حوارا صريحا مع حكماء القبيلة, ومع الشباب من الجنسين, للتوعية بخطورة الممارسة، وبالفعل تحققت بعض النتائج الإيجابية الملموسة فى هذا المضمار.

فى كينيا تقوم قبائل السامبورو بعملية ختان جماعى وعلنى للصبية 13- 15 عاما، ويمشون بهم مسافات طويلة نصف معصوبين، وأمهاتهم يبكين, ويضع الآباء أيديهم على رؤوسهم فى انتظار النتيجة، هل يتحمل الولد قطع جلده بشفرة حادة بدون مخدر وربما بدون تضميد، هل يرجع لهم رجلا, أم يمرغ رؤوسهم فى العار لو هرب أو صرخ؟ وربما لا يرجع، فمنهم من ينزفون حتى الموت، وفى جنوب أفريقيا عام 2013 أعلنت الشرطة أن أكثر من عشرين صبيا أعمارهم 10- 15 عاما ماتوا خلال أسبوع بسبب عمليات الختان غير الصحية التى يقوم بها الخاتنون التقليديون فى القري، وللأسف رغم صدور التشريعات التى تحرم تشويه الأعضاء التناسلية, إلا أنه مازال الخاتنون التقليديون يقومون بالختان فى معظم قرى بلدان شرق وجنوب أفريقيا, للأولاد والبنات، والشىء المدهش أنه رغم توافر المستشفيات ورغم معرفة الكثيرين بالختان الطبي, إلا أن هناك الكثير من القرويين يخشون الوصم بأن أبناءهم أو بناتهم قد ختنوا طبيا! ختان البنات فى أفريقيا بمثابة صداع دائم لمنظمة الصحة العالمية، حيث أجريت دراسات عديدة وإحصاءات وتوصيات فى هذه القضية باعتباره تشويها للأعضاء التناسلية للأنثى وله تداعياته الصحية الخطيرة على حياتها، وتحظى مصر وإثيوبيا بالنصيب الأكبر من هذه الممارسة, التى تنتشر أيضا فى غرب أفريقيا وإن اختلفت المعدلات من بلد إلى آخر، وجدوا أن نسبة البنات المختونات فى جامبيا وموريتانيا هى الأعلي, بينما النسبة الأدنى فى غانا والنيجر. وبعض الدول التى انتشرت فيها هذه الممارسة خطت خطوات جادة لتحجيمها, بل والعمل على القضاء عليها نهائيا. من هذه الدول «بوركينا فاسو» التى تنتشر فيها الملاحقة القضائية لمن يخرق القانون الذى صدر لمنع هذه الممارسة الشاذة، وبالفعل انخفض المعدل إلى درجة كبيرة بحسب إحصاء منظمة الصحة العالمية. والجدير بالذكر أن حكومة «بوركينا فاسو» كانت قد أسست لجنة وطنية لتوعية الناس بالأخطار الصحية الجسيمة, كنتيجة حتمية لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق