رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وأزورك يا نبى!

د. هالة أحمد زكى
المحمل المصرى كان يخرج من باب النصر في حفل كبير ]من كتاب مصر فى عدسات القرن 19
لا يعرف الناس ليلا من نهار...فكل شىء فى بر مصر المحروسة لا يكاد يهدأ، حتى البيوت لا تعرف الهدوء وقد نسيت النوم والسكون منذ أن هل الهلال واقتربت أيام الحج.

وأما هذا الركن من الغرفة، فهو يخفى ما فيه من ملابس الاحرام وكأنه سر الأسرار، حتى يحين الموعد فيتكشف هذا السر الكبير للأهل والجيران، وتخرج الملابس من مخبئها إيذانا ببدء أجمل رحلات العمر التى يعرفها ويتمناها الحكام والمحكومون.

ولكن هل هذا هو ما يحدث أيضا فى بيت ابن طغج الاخشيدى حاكم المحروسة؟

فهذا الحاكم الذى تاه فى كتب التاريخ، وكما يروى لنا الباحث محمد عباس عن المقريزى, قد حج اثنتين وعشرين حجة، وكان ينفق مائة وخمسين ألف دينار فى كل حجة، وتخرج معه تسعون ناقة خاصة به، وأربعمائة ناقة لجهازه ومرافقيه وصحبته.

يبدو أن دولة الإخشيديين فى بر مصركانت عامرة، ويكفى أن كافور الإخشيدى, العبد الذى اعتبر أخر حكام هذه الدولة، كان- كما يقول المؤرخ أبو المحاسن- يضع على مائدته مائة خروف كبير ومائة خروف صغير، وخمسين اوزة وخمسمائة دجاجة، وألف زوج من الحمام ومائة صحن من الحلوى سعة الصحن عشرة أرطال.

ومع هذا لا يمكننا قياس أبهة رحلة حج الإخشيديين بما صنعه حكام الدولة الفاطمية التى كانت صاحبة رونق واعتداد خاص، كما اننا أيضا لا نستطيع أن نقيس كل هذه الفخامة والتميز بحال القائد صلاح الدين الأيوبى الذى لم يتيسر له أداء مناسك الحج بعد أن نصحه مستشاروه بعدم السفر للأراضى الحجازية, لأن هذا يمكن وبسهولة أن يعرضه لهجوم الفرنجة وأسرهم له فى أبسط تقدير.

هذه هى الحياة التى لا تستقر على حال، فهل يصدق أحد أن الحج فى زمن الحروب الصليبية كان واحدا من الأمنيات الكبرى لصلاح الدين الأيوبى؟

هذا ما تؤكده د. سعاد ماهر فى كتابها « مساجد مصر وأولياؤها الصالحون», وهى كلها تفاصيل سبقت زمن المحمل المصرى الذى يقول المقريزى إن أول من أخرجه هو الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وجعل ابنه السعيد أميرا لهذا المحمل بعد انقطاع دام لاثنتى عشرة سنة بسبب فتنة التتار.

وإن كان هناك من يؤكد أن شجرة الدر هى أول من أرسل المحمل والكسوة للكعبة المشرفة.

فتقول بعض المراجع -كما يشير أحمد محمد عيسى فى كتاب الكعبة المشرفة- إن شجرة الدر أرملة الملك الصالح نجم الدين أيوب أرسلت كسوة وهدايا للكعبة من مصر، ولكن السلطان الظاهر بيبرس جعله أمرا مقررا.

كان المحمل المصرى ،كما يوضح الباحث محمد عباس إبراهيم، يضم عددا من أصحاب المهمات ومنهم أمير الحج، والدوادر كاتب المهمات، وقاض وشهود يعينهم ذلك القاضى، ومشرف جمال وخيول ، ومشرف للمطبخ وآخر للتموين، ومشرف للسقاية، ومنظم سير المحمل، ومتقدمو الركب، وحاملو المشاعل، والميقاتى والمؤذن والطبيب، والطباخون والخباز والبيطار والشعراء والطبول خانة والبارودى الذى يستخدم البارود فى اعلان الوداع والرحيل.

ليس هؤلاء فقط هم من يقومون بخدمة المحمل، فهناك العشرات والعشرات من أصحاب المهن التى كانت تقوم بهذه المهمة الجليلة طوال الطريق إلى الأراضى الحجازية.

وكانت مكة المكرمة والمدينة المنورة فى المقابل تستعدان لوفود الحجيج عبر عدد من الاستراحات والنزل الموجودة بالفعل منذ زمن الخليفة عمر بن الخطاب.

فالطرق تتلاقى عند مكة أم القرى ـ كما يقول الباحث مجدى السرسى ـ من الكوفة، والبصرة، وعبر طريق الحج الشامى وطريق الحج العمانى وطريق الحج اليمنى، فى حين احتفظ بر مصر وحده بطرق ودروب متعددة.

أولها طريق يقطع الشمال الإفريقى، ويبدأ من أقصى الغرب فى السنغال وغانا ومالى، مرورا بالمغرب العربى وليبيا، حتى يصل إلى مدينة الاسكندرية.

وطريق آخر بحرى يبدأ من قرطبة الأندلسية لينتهى هو الآخر فى مدينة الاسكندرية ، وهو الطريق الذى وصف مشاهده ومحطاته الرحالة ابن جبير فى كتاباته.

وبشكل عام، كانت القوافل تتحرك من القاهرة فى الأسبوع الأخير من شوال، لتبدأ رحلة لاتتعدى الأربعين يوما يسلك خلالها الحجاج طريق السويس ثم سيناء، وصولا إلى العقبة حيث يلتقون مع قوافل الحج الشامى.

وفى بعض الأحيان كان الحجاج يستقلون السفن من السويس لجدة مرورا بصعيد مصر عبر نهر النيل.

ولا ننسى ميناء «عيذاب» فى منطقة حلايب وشلاتين المصرية الذى أكد المقريزى على أهميته فى نقل الحجيج وخاصة بعد أن أغلق الصليبيون طريق الحج إلى الشام.

وعادة ما تبدأ تلك الرحلة من الفسطاط ودمياط ورشيد للقادمين من شمال إفريقيا والأندلس، لينتهى المطاف إلى قوص بمحافظة قنا، ومنها يجتاز الحجاج الصحراء متجهين إلى ميناء «عيذاب»، ومنها إلى مدينة جدة التى تعد أقصر الطرق إلى مكة المكرمة.

أما طريق سيناء فيبدأ من القاهرة ومنها إلى السويس، ثم سيناء التى يتوجهون منها إلى العقبة ومدين التى تتفرع إلى طريق جنوبى يصل إلى المدينة المنورة؛ وطريق آخر يسير بمحاذاة البحر الأحمر وصولا إلى مكة المكرمة.

كل الطرق تؤدى فى النهاية إلى مكة التى كرمها الله تعالى ببيته الحرام، ومدينة النبى صلى الله عليه وسلم التى أضاءت أنوار الهداية من أرضها.

فإذا كتب الله تعالى لنا الوصول، نكون قد أدركنا غاية العشق والطريق صاحب الأبواب المفتوحة إلى الله عز وجل.

ونكون ونحن على هذه الحال قد تركنا كل خوف وتعب، فلا يبقى فى ذاكرتنا إلا دعوات للأهل والأحباب ، ورجاء بالقبول. فهذا ما بقى لنا من متاع الدنيا وإن ظلت فى أذنى كلام تردده الجدات..يا ريت يا نبى أزورك وأزمزم قلبى وشعورى.

ولا غرابة فى وصفنا لرحلة الصفاء والرضا ، فهى الرحلة التى تجعلنا نعود بالزمن إلى الوراء لنرى ما كان، ونقفز بالزمن إلى الأمام لنتخيل ما سيكون.

وبين خيال وذكريات نقطع الطريق إلى رضاء الله تعالى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق