رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى فى قرى الدلتا

> عبده الزراع
عيد الأضحى أحد أهم المناسبات الدينية التى تشهد العديد من الظواهر الفولكلورية، مثل العادات والتقاليد التى توارثتها الجماعة الشعبية، وأصبحت راسخة فى الوجدان الشعبى.

وتتشابه مظاهر الاحتفال بهذا العيد فى أنحاء مصر، لكنها تختلف فى الأداء من مكان إلى آخر، فهي فى المدينة تختلف عنها فى القرى، لاختلاف الثقافتين.

وإن إندثر كثير من هذه المظاهر الاحتفالية، لارتفاع مستوى ثقافة القرية لازدياد عدد المتعلمين، أو لارتفاع تكاليفها مع الغلاء الفاحش، وانتشار التليفزيون والدش والكمبيوتر والانترنت، الوسائل التي غيرت سلوكيات وعادات وتقاليد المجتمع الريفي، مما أدى إلى إندثار بعض المظاهر الفولكلورية. لكن مازال أبناء القرية يحرصون على بعضها رغم مرور عشرات السنين لأهميتها، والتخلى عنها يمثل تقصيرا برأي الجماعة الشعبية، ويحرص أبناء القرية عليها حتى لا تدينه الجماعة، ومن هذه المظاهر «زيارة القبور»، لأهم محور لدينا هنا. وتنقسم مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى المبارك إلى «مظاهر ما قبل العيد» و «مظاهر أثناء العيد». والأولى تتمثل في شراء «الأضحية» قبل حلول العيد بفترة قد تصل إلى شهر، قبل أن يغلو ثمنها، ويقوم صاحبها بتغذيتها بالبرسيم وغيره لتسمن قبل ذبحها في العيد.

والخبيز أيضا من المظاهر المهمة، ويتمثل في إعداد «الفطير المشلتت، والعيش البلدى، والبكاكين، والقُرَص»، وغيرها من المخبوزات، وهى تختلف من منزل إلى آخر حسب الحالة الاقتصادية، ويتم هذا قبل العيد بيوم أو اثنين ليكون طازجاً.

وكذلك تجهيز واجبات الضيافة مثل الترمس، والحلبة، والفول السودانى، والحمص، لتقديمها للزائرين طوال أيام العيد. وأيضا صيام عرفة يوم وقفة الحجاج على عرفات.

وهناك مظاهر أثناء العيد نفسه مثل «صلاة العيد» التي يؤديها المصلون فى مساجد القرية أو فى الخلاء كسنة عن النبى (صلى الله عليه وسلم). وزيارة القبور، حيث يتوجه الرجال إليها عقب صلاة العيد مباشرة، وتعقبهم النساء لتوزيع «الرحمة» على الفقراء، وهي تتمثل فى «البكاكين، والقرص، وأقراص الحلوى من السمسمية و الحمصية و البلح، وإن كانوا يكتفون الآن بتوزيع النقود.

ويكون «ذبح الأضحية» عقب زيارة المقابر، ويتم حجز الجزار قبل العيد بعدة أيام، لفرط انشغاله طوال هذا اليوم، لكثرة الأضحيات بالقرية، ومن السنة أن يشهد صاحب الأضحية عميلة الذبح حتى يغفر له الله ذنوبه مع أول قطرة من دمها. ويتم توزيع الأضحية عقب انتهاء ذبحها مباشرة، وتقسم إلى ثلاثة أجزاء، الأول للفقراء والمساكين، والثاني للأهل والأصدقاء، والثالث لصاحب الأضحية.

ومن السنة ألَّا يحلق المضحى ذقنه ولا يقص أظافره لمدة عشرة أيام قبل حلول أيام العيد، وغالبا ما يترك صاحب الأضحية أبنائه بعد أن يشهد عملية الذبح، ويذهب لحلاقة ذقنه، ثم يقص أظافره.

ثم يتبادل الناس الزيارات، من الأهل، والجيران، والأصدقاء طوال أيام العيد.

وصباح العيد يرتدى الأطفال ملابسهم الجديدة ويتوجهون إلى والديهم لأخذ العيدية، ثم يذهبون إلى الأقارب للحصول على العيدية.

وتعد «زيارة القبور» في قريتي «برنبال» بمركز مطوبس، محافظة كفر الشيخ، صباح أول أيام العيد، من أهم العادات التى يحرص عليها الناس. وهى تعتبر من مظاهر الاحتفالات الجنائزية التى لا تنتهى بانتهاء مراسم الدفن، بل تستمر عبر السنوات، وتوجه الجماعة الشعبية اللوم لأهل الميت المقصرين فى هذه الزيارات، ويعد التقصير إهمال أهل الميت أو نسيانهم لميتهم، ويرجع الحرص على هذه الزيارة لاعتقاد قديم سائد بأن أرواح الموتى تتصل بأجسادهم فى القبر لتمكنهم من رؤية الزائرين والاطمئنان عليهم، والاستئناس بوجودهم ( حسب د. سميح شعبان في كتابه «الموت في الماثورات الشعبية». وقد شاركت في بحث حول هذه الظاهرة، واستطلعت آراء بعض الإخباريين، فقال لي أحدهم: «كان أبويا الله يرحمه، ياخدني معاه للجامع وهو رايح يصلى العيد، وبعد الصلا، ياخدنى معاه برضه للمقابر نزور قبر جدى مصطفى ونقراله الفاتحة، وبعدين نرجع على الدار، وأنا طلعت أعمل زيه».

وحسب كتاب «سميح شعلان» أيضا، تزور النساء المقابر فى صباح يوم العيد مثل الرجال، وتحملن «أسبات» من الخوص، فوق رؤسهن مليئة بالقُرص والفطير والتمر لتوزيعه على أرواح الموتى، وتصطحبن الأطفال بملابس العيد، ليعتادوا على زيارة المقابر وقراءة الفاتحة على أرواح موتاهم.

وأدى وجود الأطفال فى المقابر إلى وجود بائعي اللعب، وكانت اللعب سابقا تنحصر فى «الصفافير» المصنوعة من الغاب، وتباع مقابل بعض «قُرص الرحمة»، وكان اقتناء الأطفال لآلات موسيقية مثلها يشيع نوعا من البهجة فى المقابر، وبجانب تلك البهجة الناتجة عن استخدام تلك اللعب، كنا نسمع عويل بعض النساء على مقبرة أحد الميتين حديثا، حيث تتألم قريبات المتوفى على الفقيد فى العيد الأول لوفاته.

وتختلف الرحمة التى توزع على أرواح الأموات فى المقابر أثناء الزيارة من أسرة إلى أخرى حسب مكانتها الاجتماعية وقدراتها المادية، وقال لي إخبارى ثانى:«عيلة زغلول مثلا لما كانوا بيطلعوا الترب يوم العيد،

كانت النسوان بتاعتهم بيبقوا شايلين «اسبات» كتيرة مليانة من خيرات الله، إيشى قُرص كبيرة، وفطير مشلتت، وبرتقان وموز وعنب وجوافه، ورجالتهم كمان بيوزعوا فلوس بالهبل على الغلابة، وكنا نروح من بدرى علشان نلحق الرحمة بتاعتهم وكان بيدونا ياما».

وكانت زيارة القبور تمتد من صباح اليوم الأول حتى غروب شمسه، وقديما كانت تلقى اهتماما كبيرا من أقارب المتوفى أكثر من الآن، وتراجعت هذه الظاهرة عن سابق عهدها بكثير، وبعض العائلات توقفت نهائيا عن زيارة المقابر فى العيد، زعما أنه يدعو إلى الحزن، والحزن مكروه فى يوم العيد، خاصة بعدما هاجمها شيوخ السلفية باعتبارها بدعة ليست من صحيح الدين.

ويقول الإخبارى الثالث: « الزيارة خفِّت عن الأول، يعنى حرص الناس عليها ما عدش زى الأول، وفيه ناس دلوقت بتصلى العيد وما تروحش المقابر، وفيه ناس بتروح بس الأغلبية بطلت هذه العادة حتى لا تحزن فى يوم العيد».

وبمرور الوقت إقتصرت زيارة للمقابر على صباح اليوم فقط، والنساء أصبحن لا يذهبن إلى المقابر إلا فيما ندر، وحسب «شعلان» «هذا التغير نشأ عن انشغال قريبات المتوفى بأمور الأحياء الخاصة باحتفال العيد، وما تبعه من تجهيزات، وبعد الزيارة وقراءة الفاتحة لأمواتهم، وأموات المسلمين أجمعين، وتوزيع الرحمة على أرواحهم، يعودون أدراجهم متجهين إلى بيوتهم لذبح أضاحيهم».

وكان العديد من فقهاء القرية يذهبون لقراءة القرآن على قبور الأموات طمعا فى الحصول على الرحمة والعيدية، وحسب الإخباري: «دلوقت ما عدش فيه مقرئين بيقروا القرآن على التُرَب زى زمان». ويذهب شعلان في تفسير هذا إلى الزحف الوهابى على قرى الريف المصرى لدرجة أن معظم الشباب الآن يرتدون الجلباب القصير، ويطلقون اللحى، وحرموا زيارة القبور في العيدين وحرَّم خطباء المساجد زيارة المقابر، دافعهم فى ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حرَّم زيارة القبور فى الأعياد، لما يتبع تلك الزيارة من آلام تذكر الموت والموتى، وهو ما لا يتفق مع بهجة العيد وفرحته».

ويرى إخباري آخر أن: «معظم خطباء المساجد الآن بيقولوا إن زيارة المقابر حرام، وآخرين بيقولوا مكروهة، والناس تايهة مش عارفه تصدق مين».

ورغم هذه التحذيرات من الخطباء فى المساجد، وغيرهم من الوعاظ الجدد، مازال الكثير من أبناء قرية برنبال، بكفر الشيخ، وقرى مصر يحرصون على زيارة المقابر صباح أول أيام عيد الأضحى المبارك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق