رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مديـوكر

كائن محدود متوسط القدرات، هذا هو المديوكر، لم يكن الأصل اللاتينى للتسمية، يشير فى البداية الى صفة سلبية، بل الى درجة محمودة من الكياسة، هى حكمة البقاء فى الوسط الذهبى، aurea Mediocratis، ولكن الانسانية غيرت موقفها بعد ذلك، عندما تكشفت قدرة المديوكر على حقن البلادة فى تفاصيل الحياة كلها ، وعلى جر العالم الى كوارث كونية إذا ما وصل الى سدة القرار، كان نيرون يعزف على قيثارته وروما تحترق بفعله، كان عازفا بليدا بلا جدال،كما كان هتلر رساما رديئا وموسولينى أديبا بلا موهبة، وهذا أمر يخصهم، فإذا لم يكن الخبز جيدا سنأكله لأنه ضرورة.

أما القهوة فلن نشربها، واعتقد أن هذا قياس مقبول، فالمديوكر هم جسم الحياة العريض، ولكن حضوره فى مجالات الابداع خاصة فى الفن، كريه مثل القهوة الرديئة. ولذا تنتقم الجماهير منه بالتجاهل، ويرد هوالصاع بالالحاح والكم ، وهكذا نكون بصدد مباراة عادلة، أما عندما يتم تصعيده ليصبح مسئولا وبيده سلطة تخص حياة الآخرين، فلا يمكن الاكتفاء بالتجاهل والسخرية، لأنه سيدفع بالجميع الى الهاوية. السلطة وسطية غالبا، المديوكر هم قاعدتها، الابداع فيها أشبه بالمعجزة، فلا يملك المديوكر أن يصبح كبيرا أو صغيرا فهو دائما هناك فى الوسط، فى وسط كونه مديوكر بلا زيادة، ولكنه يتوغل رغم ذلك فى كل فراغ متاح، ويسد الطريق بجدارة على الفكرة الرائعة وعلى فرط البهجة وعلى المشاعر التى تزلزل القلوب, وهو مولع بتقمص أداء أصحاب القامات الفريدة، ولذا تكون سخرية المبدعين القاسية منه مدفوعة أيضا بالخوف من التشابه والالتباس.

السلطة هى قبلة المديوكر، بها يتحرر من وصمة تكوينه الهش، لأنها تمنحه القدرة على فرض الأمر، ولذا يشحذ كل همته لتسلق مسارات الصعود، وهم يعشقون المعارك الكمية، كالانتخابات مثلا، لأنهم يدركون أنهم الأقرب، فالجماهير تتعرف على نفسها فيهم بلا مشقة، أما المتميزون فهم قلقون بطبعهم ولا يشبهون سوى أنفسهم. هكذا تمكن موسولينى من قيادة شعب بالغ الذكاء، كما نجح هتلر فى أن يؤجج المشاعر الوطنية لدى أبناء دولة مثقفة وقوية مثل ألمانيا، وهو الذى هرب بنفسه من تأدية الخدمة العسكرية فى بلده ووطنه الأصلى: النمسا، وبدأ حياته كلاجىء غريب يستهلك وقته فى مشاحنات داخل الحانات المعتمة. يصعد المديوكر الى تلك المواقع الرفيعة بدعم غير مشروط من المواطن البسيط، وتحديدا باللعب على عواطف هذا الكائن الصغير. بيرلوسكونى وهو أسوأ من وصلوا الى موقع رئاسة الوزراء فى إيطاليا كان يرد على من يتهمونه بالسطحية هكذا: »الشعب الإيطالى ليس جموعا من المثقفين، فالشخصية الغالبة والأكثر دلالة بينهم، هى شخصية طالب فى السنة الثانية الإعدادية، طالب متوسط الذكاء، لا يجلس على المقاعد الأمامية فى فصله، والى هؤلاء أتوجه بالحديث«.

يدرس المديوكر إذن سبل الغواية، و يصبح هكذا عميقا فى سطحيته، ويدرك قيمة الجمع بين كاريزما البدء من القاع كفرد والخطر المهدد للجماعة، لابد إذن من قصة كفاح شخصى وخطر كبير، وهكذا يداعب حلم كل فرد البسيط بالصعود ويحقق انتصارا وهميا للجماعة المهانة. السلطة تعشق تكرار ما هو قائم ، وهذه منطقة البراعة لدى المديوكر، الخصم الأكثر عداء للتغيير. المديوكر يهبط أيضا بالدين من روحانيته وعلاقته بالمطلق، ومن كونه رسالة سامية للجميع ، ويدعو الى شكل بيروقراطى للتدين، يقدس التفاصيل والشروح والهوامش، يختار موقعا متعاليا لعقيدته، يتربص من خلاله بالآخرين. فلا نتوقع منه أن يتأمل مثلا، الدعوة لمد العون الى «ابن السبيل»، فقط لكونه مجرد عابر بغض النظر عن هويته ودينه، فهى دعوة لتوسيع الروح . ونتفهم لماذا يكره المديوكر تلك الطاقة المنفتحة على الحياة، التى يدهشنا بها الصوفيون الجامحون كالعباقرة والمجانين والفنانين والثوار والعشاق والأطفال.

على الضفة المدنية، تطرح السلطة نوعا موازيا للإيمان، الايمان ببطولة القائد، وعظمة الوطن وبالمستقبل المشرق، وهكذا تضمن تدفق العواطف، فى القناة الرسمية للأشواق، ولكن بدون شراكة وفى غياب معايير مقبولة للنجاح والصعود ، يفتح البسطاء مسارات تخصهم، انها دروب الشعوذة، والطوق الى النقلة المباغتة التى ستنجو بهم من المدارات التعيسة. آه لو لعبت يا زهر واتبدلت الأحوال / وركبت أول موجة فى سكة الأموال

فى غياب آلية جادة لتوليد واختيار كوادر نوعية. وصلنا معا الى هذا النفق الضيق، بلا نخب سياسية فاعلة، بل ونفتقد الى الكائن السياسى عموما، ولا نملك طبقة معتبرة من المدراء والقيادات، فقد تكفل الاستبداد الطويل بتصحير المجتمع وتبوير الكفاءات، هذا الفراغ يجتهد المديوكر لسده بخفتهم المعهودة، ولهذا نقول اننا فى خطر، وسندخل بالضرورة فى حلقات مهلكة من الاخفاقات، حيث يخضع وطن عريض لإرادة مجموعة من الوسطيين تصعدهم مؤسسات القوة، أو ترشحهم أواصر القرابة والتصاهر بين أسر معدودة راكمت ثرواتها قى عقود النهب، أو بدفع من الجهات السيادية، أومن أكاديميات ومؤسسات منهارة فى الأصل. ومن معامل التفريخ الرسمية بتسمياتها المختلفة: منظمة الشباب، الاتحاد الاشتراكى، التنظيم الطليعى لجنة السياسات جماعة المستقبل مستقبل وطن.. الخ هؤلاء جميعا يعادون السياسة والأفكار، لأنهم أدوات مؤقتة فى نهاية الأمر، الشرط الضرورى لتوليد القيادات من خارج هذه الدوائر هو فتح المجال العام وتوطين السياسة، بدلا من البلاغة الفارغة والوعود المؤجلة وخطاب الانجازات. النظم القائمة بعد الربيع العربى تستبعد من حلموا بالتغيير وبالحرية، وتواصل الهجوم على من شاركوا فى إيقاظ الشعوب من نعاسها الطويل، وكأنهم قد ارتكبوا فى حقها جريمة لا تغتفر، بؤس الأحوال فى بلادنا سوف يطول، طالما ظلت النظم القائمة تعتمد على جحافل من المديوكر الذين يمدونها بأنصاف الأفكار، ويصيغون دعايتها المملة، لأنهم توأم الروح المخلص لمصالحها والمتاح دائما.


لمزيد من مقالات عادل السيوى

رابط دائم: