رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الجورنالجي الذي سافر ليلمس مخطوطات ابن خلدون

أمـــل الجيــــار
حينما تصبح الحكايات عن أشخاص كبار عاشوا بيننا‏..‏ عرفناهم أو سمعنا عنهم أو إلتقينا بهم أو حتي قرأنا لهم أو التقينا بمن عرفهم وسمع منهم‏,‏ تصبح الحكايات أكثر إنسانية وثراء وعطاء‏..‏

فما بالنا ونحن نخطو داخل جريدة الأهرام ونجلس ونكتب في مكاتب وبين جدران عاش فيها هؤلاء الأشخاص وتنفسوا وأبدعوا وساهموا في كتابة التاريخ وصنع الأحداث فهنا تصبح الحكايات أكثر حميمية ومصداقية خاصة حينما تكون الحكايات عن الجورنالجي الأستاذ المؤرخ والصحفي العبقري محمد حسنين هيكل‏,‏ وهو موضوع حكايتي هذا الأسبوع‏..‏
‏.........................................................................................................................‏
وهذه المرة لن يدور الحديث حول وثيقة بعينها بل عن كنز من الوثائق والحكايات والأخبار‏..‏ كنز كان يحيا ويتنفس إلي وقت قليل مضي ولكنه رحل عن عالمنا منذ ما يقرب من أربعين يوما ليترك خلفه ثروة من الوثائق والورق والحكايات تحتاج لمن يجمعها ويصنفها ويحافظ عليها لتكون شاهدة علي حقبة مهمة من حياة مصر‏..‏ وهيكل الذي أتحدث عنه لا يحتاج الي تعريف فبطاقته الصحفية والإنسانية معروفة للكافة فهو من مواليد القاهرة‏3291‏ وتخرج من الجامعة عام‏3491‏ وبدأ حياته الصحفية محررا في صحيفة إجيبشيان جازيت وقد اختاره رئيس تحريرها ليشارك في تغطية بعض معارك الحرب العالمية الثانية فكانت بداية لإنطلاقتة الصحفية‏.‏
ثم عمل في عدة مجلات صحفية مثل روزاليوسفو آخر ساعة‏,‏ ثم عمل لفترة في صحيفة الأخبار وقد تنقل هيكل كمراسل صحفي وراء الأحداث من الشرق الأوسط إلي البلقان وإفريقيا حتي قامت ثورة‏2591,‏ وعندما تولي عبد الناصر السلطة عين هيكل رئيسا لتحرير الأهرام وقد شغل أيضا منصب رئيس مجلس الإدارة فيما بين‏9591‏ و‏4791‏ وفي هذه الفترة ذاعت سمعة الصحيفة بحيث أصبحت تعرف بنيويورك تايمز العالم العربي‏,‏ بسبب مقالته الأسبوعية التحليلية‏(‏ بصراحة‏)‏ التي كان يكتبها وكانت تغطي أحيانا صفحة كاملة‏.‏
ويقول المؤرخ الأثري أحمد عبد الفتاح إن تميز هيكل بدأ قبل ثورة‏2591‏ وقبل علاقته بجمال عبد الناصر وأن هيكل صنع أسطورته بنفسه وليس بسبب قربه من جمال عبد الناصر ومن الحكم‏,‏ فهيكل كان يؤرخ لمرحلة المثقف المصري في عهد الملكية والاحتلال الإنجليزي‏..‏ هذا المثقف الذي كان يعاني من الإحتلال وكان أسير انطباعات طاغية ولكنه أستطاع أن يتحداها ويتغلب عليها ويقهر الاحتلال ويطرده‏,‏ وعن علاقته بالوثائق يقول عبد الفتاح أن هيكل كان يتفرد بشئ نادر يميزه عن باقي الصحفيين وحتي الباحثين الجادين وأساتذة الجامعة والمؤرخين هو شغفه وحبه الشديد للأوراق حتي إنه كان يسعي جاهدا للحصول علي نسخة أو مسودة من أي ورقة تقع تحت يده في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية مما جعله قائما علي خزائن أوراق ووثائق مصر خاصة في الحقبة الناصرية حيث كان جمال عبد الناصر حريصا علي إرسال نسخة من كل الأوراق للأستاذ للإطلاع عليها‏..‏ فكان هيكل متجاوزا للصحافة التقليدية وبدا ذلك واضحا في مقالته الأسبوعية بصراحة والتي اختار لها هذا الاسم الذي كان يضعه علي الكتيبات التي كانت تنشرها القوات المسلحة وإدارة التوجيه المعنوي في الخمسينات من القرن العشرين والتي كان يكتبها بنفسه وكانت تلاقي إقبالا ورواجا كبيرا من الشارع المصري وأهمية ما كان ينشره هيكل كان يأتي منكونه مستندا الي وثائق وليس مجرد كتب‏..‏ أي أنها معلومات موثقة ومؤكدة وليست متواترة ومنقولة عن أشخاص وبالتالي فلا يمكن لأي مؤرخ أو كاتب في الوقت الحاضر أن يتجاهل هيكل كمؤرخ عن الحقبة الناصرية حتي وإن إختلف معه وخاصة في تحليلاته وكتبه‏(‏ عبد الناصر‏:‏ وثائق القاهرة‏),‏ و‏(‏الطريق إلي رمضان‏),‏ و‏(‏خريف الغضب‏),‏ و‏(‏حرب الثلاثين سنة‏)‏ وملفات السويس ويقول عبد الفتاح أنه بعد قيام ثورة‏2591‏ وبينما سعي الكثيرون للحصول علي كنوز العائلة العلوية لم يفعل هيكل ذلك ولكن لفت نظره شئ غاية في الخطورة في قصر عابدين هو كراسات عابدين وكانت بمثابة حوليات أو يوميات تسجل كل ما يدور في القصر من أحداث يومية سياسية وإجتماعية منذ إنشائه في عهد الخديو إسماعيل وحتي قيام ثورة‏2591‏ وكان حسن يوسف باشا وقتها وكيل الديوان الملكي قائما عليها‏,‏ فأعجبته فكرة تسجيل الأحداث اليومية فما كان منه إلا أن إستعان بالرجل في إنشاء مركز الدراسات بالأهرام‏,‏ ويعتبر هيكل واحدا من القلائل في مصر الذين يمتلكون مجلد وصف مصر وهو المجلد الذي خلع قلب المصريين خوفا عليه عندما تعرضت فيلته في برقاش لحريق جراء هجوم الأخوان عليها في أغسطس‏3102,‏ ويضيف أحمد عبد الفتاح أن قبلة الأستاذ في أي مدينة كان يسافر اليه لم تكن المزارات السياحية بل كانت مقر الأرشيف الخاص بالدولة أو مكتباتها الضخمة مثل الأرشيف البريطاني أو مكتبة الكونجرس حيث كان يحرص علي تصوير كل ما يقع تحت يديه من وثائق ومستندات عن مصر بالإضافة عما رواه هو بنفسه في إحدي اللقاءات التليفزيونية من حكاية سفره خصيصا الي القيراوان سعيا وراء الوثائق الأصلية ومخطوطات إبن خلدون وهو ما توصل اليه بالفعل ليلمسها بيديه ويشم رائحتها‏..‏ وللوثائق القديمة رائحة مميزة تفتح شهية الباحثين وتثير فضولهم وتدفعهم الي التوقد والإبداع وهو ما كان يحدث في حالة الأستاذ وليس أدل علي ذلك مما نشره بنفسه في كتاب خريف الغضب من بيان أو قائمة بالقطع الأثرية التي تم إهداؤها لملوك ورؤساء العالم من قبل الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر والسادات وهي معلومات لم تنشر من قبل ولم يكن من السهل الحصول عليها من قبل الصحفيين‏.‏
وفي النهاية يمكن القول إن هيكل كان مؤرخا ذو مذاق خاص‏,‏ سياسي واقتصادي وحتي اجتماعي ويظهر ذلك في وصفه لحال القاهرة أثناء حفلات أم كلثوم‏..‏ ويقول عبد الفتاح إن هيكل تفوق علي المقريزي وابن تغري بردي والرافعي فالمقريزي كان يرصد فقط ما يراه مثل الشوارع والبنايات ومقياس النيل وابن تغريبردي يصف ويروي ما سمع عنه من وقائع والرافعي يكتب من خلال ما قرأه من مراجع أما هيكل فهو مؤرخ كان يملك وثائق ويشارك في صنع بعض الأحداث ويعيش ويحكي عن بعضها الآخر‏.‏

رابط دائم: 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق