رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أيات الحب فى القرآن

اسمحوا لي أن أتجرأ وأتجاسر وأن أخترق هذا الجدار النوراني الحاجز المانع بأستاره وأسراره وممنوعاته ومحظوراته التي طال زمانها.. وآن لها أن تنحني وتترك لأصحاب الأقلام والأوهام والأحلام أمثالي ممن حملوا هموم الإنسان.. وأولهم الإنسان المصري الذي عاني دهرا بل دهورا بلا عدد.. وتحمل سواد الأيام ولؤم اللئام.. وحزن الليالي وصبر السنين.

اسمحوا لي أن أخترق حجب الأيام ومحاذير الأئمة العظام الذين أفتوا في الدين وفي السنة وفي القرآن وقالوا لنا هذا حرام.. وصمتوا دهورا وحقبا وأعواما بلا عدد.. لم ينطق منهم أحد ليقول لنا هذا حلال زلال.. وهذا إفك محال..

قولوا ما شئتم وتداولوا الأحكام فيما بينكم في حرية وحب بلا ذرة كره أو تجني أو افتراء..

آسف وأعتذر عن هذه المقدمة الطويلة التي تحذر وتنذر وتمنع بل وتعلي تلال الغضب.. هذا حلال زلال.. فالتفوا حوله.. وهذا حرام محال لا تجلسوا تحت شجرته الخبيثة ولو ساعة زمان واحدة.. لانها شجرة بلا ظلال وبلا خصال وبلا ثمر!

لقد نزلت في ليلة ساحرة مقمرة.. من سحابات الغيب ومن عالم لا ندري ما هو مهما حاولنا الاجتهاد.. إلي عالم تركته وشدت رحالها إلي اله العلا.. في wpf] من رحلوا عن دنيانا قبل نحو خمسة وثلاثين قرنا من الزمان ويزيد.. وكانت القمر المنور وقرة عين كل من رؤوها وسمعوها وشاهدوها تتمختر بجمالها وتتبختر بدلالها ورقتها وحسنها الفتان..

هل عرفتموها؟

أكاد أسمعكم تقولون: انك تعني زليخة التي فتنها حبا سيدنا يوسف عليه السلام.. وصاحبة العبارة الشهيرة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم: وغلقت الأبواب وقالت هيت لك..

لنجد الرد جاهزا علي لسان سيدنا يوسف الذي وهبه الله جمالا وخصالا لم توهب لأحد من قبله ولا من بعده..

قال لها عبارة واحدة صادمة حاسمة: معاذ الله انه ربي الذي أحسن مثواي!

ويلوموني ـ القول قول زليخة ـ أنا بل اللوم كله علي حسنه.. وجميل خصاله وطلعته البهية.. وخصاله الذكية..

ولا تسألوني لماذا غلقت الأبواب وقلت له: هيت لك.. قبل أن تلوموني اسألوا حسنه هو القاطع الذى لا مرد له.. وجماله الحاكم الذي لا يرد ولا يصد.. وبهاءه الناهي والذي قال لها عبارة واحدة.. معاذ الله!

قلت لها: ولكنه أبي وتمنع!

قالت: نعم وقام من مكانه يقصد الباب وقال لي عبارة واحدة مانعة صادمة: معاذ الله.. إنه ربي الذي أحسن مثواي!

أنا صامت أسمع إمرأة عزيز مصر الذي كان حسنها وجمالها حديث نسوة المدينة كلهن وأهل منف كلهم.. ومعهم كل صبايا البنات ونسوة وعجائز أهل مدينة «أون».. أعظم مدن الدنيا حضارة وعلما.. ونورا.. قبل الزمان بزمان والتي كان فيها بيت سيدنا يوسف الذي عاش فيه.. مع زوجته الأولى وأم أولاده ابنة «قوطفير» كاهن أون العظيم..

وأنا شخصيا للعلم زرت فى عين شمس هذا البيت الذي عاش فيه نبي الله قبل نحو خمسة وثلاثين قرنا من الزمان.. ولكن قبل أعوام مضت والعلماء أيامها كانوا يبحثون عن خفايا وخبايا مدينة أون العظيم!

..............

..............

ولأن قصة زليخة وسيدنا يوسف عليه السلام هي بالقطع أجمل وأروع قصص القرآن الكريم.. فقد فتحت أمامها آيات بديع السماوات والأرض.. وقلت لها: لقد أنصفك الله تعالي في محكم آياته التي نزلت علي سيد الخلق أجمعين.. أظنك تعرفينها الآن؟

قالت: نعم وقد قرأت آيات الله تعالي عني.. ولكن بعد صعودي إلي السماء بألفي عام ويزيد.. وقد شرح القرآن الكريم قضيتي وقصتي مع يوسف نبي الله.. الذي لم أكن أتصور يوم طلبت وصاله.. أنه نبي كريم وأنا لا أعرف..

أسألها: ومتي عرفت إذن؟

قالت: عندما تمنع وأبي وقال جملته الشهيرة: اني أخاف الله!

قلت لها: دعيني أسألك سؤالا حرت في تفسيره: لماذا جمعت نسوة المدينة في بيتك كما قال الحق في محكم آياته لكي يرونه رأي العين؟

قالت: لكي لا يلومنني أحد في حبه وعشقة الذي لا يقاوم.. والحمد لله الذي زوجني منه في آخر أيام حياتي.. بعد رحيل زوجي عزيز مصر..

كما جاءت ذهبت كحلم جميل.. يحدث مرة واحدة ولا يتكرر في العمر أبدا..

...............

..............

< أنا لست فقيها متفقها فى بحور الشريعة وأصول الدين.. ولست زاعقا ماحقا من فوق منابر بيوت الله فى كل صلاة.. بالفتاوى والدعاوى.. ولم أكن يوما متشدقا بآيات العذاب.. أو مهددا من يخرج أو من تخرج عن عباءة الدين بالويل والثبور وعظائم الأمور، وبنار تشوى ألسنتها الوجوه وتبدل الجلود..

ولم أكن يوما من قبيلة من يلونون وجوههم بألف لون ولون.. ويلوون لسانهم بالعوج والمرج.. ويملأون العرائظ بحكاوى ودعاوى.. أول سطر فيها أنهم وحدهم من يملكون مفاتيح أبواب الجنة التى لن يفتحها خزنتها.. إلا بتعاليمهم هم ومحاذيرهم هم.. بل إن بعضا من هؤلاء ـ كما سمعته بأذنى من فوق منبر جامع صغير قصير القامة عظيم الهامة.. يلقى فى سمع وروع الغلابة المكسورين الخاطر من خلق مصر.. أن بينه هو وبين رضوان حارس الجنة قرابة ونسبا!




كما أننى لست حبرا ـ بفتح الحاء ـ من أحبار اليهود ولن أكون.. كما أننى لست كاهنا من الكهان أتلقى الدعوات وأوزع البركات وأتلقى الهبات أينما ذهبت وأينما جلست وأينما حللت.. فى وجهى ـ كما يدعون ويقولون ـ الرضى والقبول.. وفى خطواتى كما أزعم فتح كل الأبواب وهز صعب الأعتاب!

ولقد قالت اليهود إن عزيز ابن الله،وقالت النصارى إن المسيح ابن الله.. كما جاء فى محكم آيات القرآن الكريم..

ولكن القرآن نزه الله أن يكون له ولدا.. وقال فى آية قصيرة السورة: «قل هو الله أحد الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفوا أحد» صدق الله العظيم

والقرآن قال لنا: لكى تكون مسلما حقا لابد أن تؤمن بما تقدم من أديان أنزلها الله تعالى على الإنسان.. كما قال الحق عز وجل فى سورة البقرة: «والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون».

يعنى بصريح العبارة.. نحن المسلمون نؤمن بتوراة موسى وإنجيل عيسى الذى أرسله الله وجيها فى الدنيا والآخرة، وبصحف إبراهيم، وبمزامير سيدنا داوود.. وبكل صحف الأنبياء والرسل لا تفرق بين أحد منهم.. وهذا هو الفرق بين الإسلام وكل أديان السماء التى نزلت على الإنسان..

هم على الجانب الآخر من النهر لا يؤمنون إلا بدينهم.. وقد قال بديع السماوات والأرض فى قرآنه الكريم: لكم دينكم ولى دين..

.....................

.....................

ومن بديع الإسلام.. أنه لا واسطة بين العبد وربه.. يعنى الطريق مفتوح للدعاء وبث الشكوى والمناجاة والشفاعة والتشفع.. بين الإنسان وربه..

وعندما نزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة المنورة.. فإننا نزوره للتبرك وللدعاء.. ولكى يشفع لنا كلنا نحن المسلمين المؤمنين بكتابه ورسله يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.. عمل الإنسان وحده هو كتابه وهو مفتاح دخوله جنة عرضها السماوات والأرض.. أو العياذ بالله إلى حفرة من حفر النار..

وفى الوقت نفسه، فإن الإنسان لا يهدى إلى طريق الرشد والصواب من يحب ويهوى ويعشق.. ولكن الله هو الذى يهدى إلى طريق الصواب.. وفى ذلك نزلت الآية الكريمة: »أنك لن تهدى من أحببت.. ولكن الله يهدى من يشاء...« صدق الله العظيم..

ولأننى عادة أقرأ كل ليلة قبل أن أنام عشرين صفحة من كتاب الله.. وأتممت حتى الآن والحمد لله قراءة القرآن الكريم قرابة ثمانين مرة.

كما أننى قرأت الكتاب المقدس.. بتوراته وأناجيله ست عشرة مرة حتى الآن.. واكتشفت أنها كلها حقا وصدقا.. كتاب الله..

واسمحوا لى فى هذه الأيام التى تهل علينا بالبركات فى العام الهجرى الجديد.. والعام الميلادى الجديد أيضا.. أن أقدم لكم ولكل مؤمن بكتب الله ورسله لا نفرق بين أحد منهم.. ماذا تعلمت؟.. ماذا حفظت؟.. وماذا فهمت؟.. وماذا استوعبت من قراءاتى فى كتاب الله.. الذى أنزله بديع السماوات والأرض على آخر رسله فى الأرض؟..

ولأن حواء بوصفها أمنا وأم أولادنا تشغلنى دائما، فقد اخترت اثنتين ممن ذكرهن من يعلم خائنة الأعين فى كتابه العزيز.. وأعنى بهما: امرأة العزيز الذى شغفها نبى الله يوسف عليه السلام حبا وعشقا وهياما.. وبلقيس ملكة سبأ تلك التى شغلها وشاغلها نبى كريم هو سيدنا سليمان عليه السلام.

...................

....................

تعالوا نرجع بذاكرتنا وأحلامنا وخيالاتنا إلى الوراء كثيرا كثيرا نحو خمسة وثلاثين قرنا من الزمان.. لنعيد معا رؤية هذا المشهد الميلودرامى العجيب الذى صوره لنا القرآن الكريم فأبدع تصويره واختيار كلماته.. فالخالق عز وجل هو نفسه صاحب هذا المشهد وصاحب كلماته من عظيم فكره وكامل حكمته.. كمات صورتها لنا آيات كتاب الله:

»وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت: هبت لك.. قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى.. أنه لا يفلح الظالمون.

ولقد همت به وهم بها لولا الذى رأى برهان.. كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء.. إنه من عبادنا المخلصين،،

واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألقيا سيدها لدى الباب.. قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم..

قال: هى راودتنى عن نفسى.. وشهد شاهد من أهلها: إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين..

فما رأى قميصه قد من دبر.. قال: إنه من كيدهن.. إن كيدهن عظيم.. يوسف أعرض عن هذا.. واستغفرى لذنبك.. إنك كنت من الخاطئين..

وقال نسوة فى المدينة: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه.. قد شغفها حبا.. أنا نراها فى ضلال مبين..

فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن واعتدت لهن متكئا.. وأتت كل واحدة منهن سكينا.. وقال: أخرج عليهن..

فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن.. وقلن: حاشا لله ما هذا بشر.. إن هذا إلا ملك كريم..

قالت: فذلكن الذى لمتنى فيه.. وقد راودته عن نفسه.. فاستعصم ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين..

قال: رب السجن أحب إلىّ مما بدننى إليه وإلا تصرف عن كيدهن أصب إليهن وأكون من الجاهلين.. فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.. إنه هو السميع العليم..

بقى أن أقول هنا إن هذا المشهد الميلودرامى القرآنى البالغ الروعة والحكمة والحبكة والموعظة الحسنة.. جرى فوق تراب مصر.. قبل نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة سنين عددا.. ولقد زرت المكان الذى جرى فى حضنه هذا المشهد العجيب هنا فوق تراب مصر فى مدينة أون العظيمة عاصمة مصر أيام مجدها وعزها وفخارها.. والتى تربض أنقاصا أو أثارا أو أطلالا تحت ما نعرفه الآن باسم عين شمس..

.....................

.....................

مازال كتاب الله.. قرآنه العظيم.. آخر كتبه وآخر رسالاته بين أيدينا..

لعله أخطر نبأ فى هذا الزمان الغابر.. ترى من صاحب هذا النبأ الخطير يا ترى؟

ـ إنه الهدهد.. ماذا قال هذا الهدهد؟

إنه ليس مثل كل الهداهد فى هذه الدنيا.. أنه هدهد سيدنا سليمان عليه السلام الذى علمه الله منطق ولغة الير وكل ما يطير بجناحين، وكل ما يمشى على الأرض بأرجل من مخلوقات الله..

هذا الحوار جاء فى سورة النمل فى محكم آيات كتاب الله.. آية فى الحكمة والفطنة والمنطق..

أليس كاتب الحوار هو الحق عز وجل نفسه وبقلمه؟

تعالوا نشاهد معا هذا المشهد العجيب:

سيدنا سليمان عليه السلام يتمشى فى حدائق قصره فى القدس.. تفقد الطير فقال: مالى لا أرى الهدهد.. أم كان من الغائبين؟

ثم راح سيدنا سليمان يتوعد الهدهد بالعذاب الأليم: لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين..

وعاد الهدهد بعد أن مكث غير بعيد فقال: احط بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين.. إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم.. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم.. فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون..

نظر سيدنا سليمان عليه السلام فى ريبة إلى الهدهد.. وقال: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم.. ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون؟

......................

......................

المشهد الثانى فى قصر الملكة بلقيس فى مملكة سبأ:

الملكة بلقيس توجه حديثها إلى كبار رجال دولتها:

قالت: يا أيها الملأ.. إنى إلقى إلىّ كتاب كريم.. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.. ألا تتلو علىّ وإتونى مسلمين..

ثم نظرت الملكة بلقيس إلى رجالها وقالت: يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون،،

قالوا: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظرى ماذا تأمرين؟

قالت بمكر ودهاء المرأة: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.. وكذلك يفعلون.. وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون..

ولكن سيدنا سليمان عليه السلام.. كان له رأى آخر مخالف تماما.. قال لها ولقومها: بل أنتم بهديتكم تفرحون.. ثم نادى على الهدهد قائلا له: ارجع إليهم.. فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها.. ولنخرجهم منها أذلة وهم صاغرون..

ثم جلس سيدنا سليمان بين رجال دولته ومعهم نفر من الجن تحت طاعته ورهن إشارته،. قال: أيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين؟

قال عفريت من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك. وإنى عليه لقوى أمين..

قال الذى عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.

فلما رآه مستقرا عنده قال: هذا من فضل الله ليبلونى أأشكر أم أكفر.. ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنه إلى غنى كريم.

قال: نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من لا يهتدون.. يعنى جهزوا لها عرشها..

فلما جاءت.. قيل أهكذا عرشك؟

قالت: كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين.. وحدها ما كانت تعبد من دون الله.. إنها كانت من قوم كافرين..

..............................

..............................

مازلنا فى قصر سيدنا سليمان عليه السلام..

قيل لها ادخلى الصرح.. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها وقال: إنه صرح ممرد من قوارير.

قالت: ربى إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين..

القرآن الكريم هنا قال كلمته عن قصة بلقيس وسليمان عليه السلام.. ولكن الألسنة الطوال والأقاويل طيلة ثلاثين قرنا ويزيد لم تترك الملكة بلقيس وسيدنا سليمان على حالهما.. ولكن تلك حكاية أخرى..

...................

...................

كأنه حلم.. وربما حقيقة فى صورة حلم يتردد صداه بين اليقظة والخيال.. وربما هو حلم أقرب إلى الحقيق.. أو قل الحقيقة فى صورة حلم..

ياه.. أيها الخيال العظيم.. ما أجملك.. وما أروع ما تصنع وما أعظم ما تصوغ. ها هما تنزلان زمامى ترتديان غلالة رقيقة شفافة فى لون الشفق.. أشبه بما ترتديه الملائكة التى تهبط على الإنسان من حجب الغيب.. كما هبط سيدنا جبريل عليه السلام على سيد الخلق أجمعين وهو جالس يتعبد وحيدا فى أخريات الليل فى غار حراء فوق جبل أجرد من جبال مكة الموحشة لا ماء فيه ولا زرع.. وكما هبطت الملائكة على النورانية مريم ابنة عمران أطهر نساء الأرض .. فى الغسق الأخير من الليل وقالت لها: إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك من بين نساء العالمين ليهب لك غلاما زكيا

وكما هبط الملاك على سيدنا زكريا ليبشره بغلام اسمه يحيى لم يكن من قبل سميا..

قالتا فى صوت واحد: لقد جئناك لكى تبرىء نفسينا من إفك أهل الأرض وبهتان المنافقين وافتراء من فى نفسه عوج..

هل عرفتموها؟

أسمعكم تقولون: إنها من راودت سيدنا يوسف عن نفسه.. وغلقت الأبواب وقالت له: هيت لك.. فكان رده: معاذ الله..




أما الثانية فإنها بلقيس ملكة سبأ.. التى ذهبت بنفسها إلى عرين الأسد.. وكان اسمه فى ذلك الزمان البعيد سيدنا سليمان عليه السلام.. نبى ابن نبى من عند الله تعالى.. ومن على أهل الأرض.. وعرشه فى أورشليم أقدم مدن الأرض.. ليس كأى ملك.. وليس كأى نبى.. فقد سخر له الله الجن والمردة والعفاريت والرياح والأعاصير تحت إمرته وطوع بنانه.. كما سخر لأبيه سيدنا داوود عليه السلام..

سألت الملكة فى البداية فهذا حقها علينا كملكة: هل صحيح ما يردده المؤرخون من أنك تزوجت من الملك سليمان بعد أن زرته فى قصره؟

الملكة بلقيس بهدوء وروية وهى تختار كلماتها بعناية: لقد وجدتني مسلوبة الإرادة لا أرد لسيدنا سليمان بعد أن أسلمت وأصبحت على دينه نعبد الله بعد أن كنا نعبد الشمس من دون الله الواحد الأحد!

نعم تزوجته.. بعد أن عرفت أى ضلال كنا.. وأى إفك أمسينا أنا وقومى وأصبحنا كافرين..

قلت لها: إن الله يهدى من عباده من يشاء.. الصالحين منهم

تقاطعنى بأدب شديد: والصالحات أيضا..

.......................

.......................

سؤال واحد أخير كان على لسانى قلته لزليخة التي راودت نبينا عن نفسه وغلقت الأبواب: هل تزوجت حقا سيدنا يوسف عليه السلام وهو متزوج ابنة قوطفير الكاهن؟

قالت: نعم ورزقنا الله بالخلف الصالح..

قلت: آن للمهاجر أن يرجعا.. وآن للقريب أن يهجعا.. وأن للكافى فى الغربة أن يعود إلى عشه.. صدقينى.. تلك إرادة الله.. وقد يجمع الله الشتيتين بعد أن يظنا كل الظن ألا تلاقيا..

قالت: ألا تلاقيا..
..........................
..........................
كما جاءتا.. ذهبتا.. كأنها طيف حلم أو صفحة فى كراسة تلميذ صغير.. بعد أن انتهى الدرس.. أغلق الكراسة.. ونسى القلم.. وجرى مسرعا مع رفاقه الصغار مثله.. ليلعب معهم لعبة »الاستغماية»{!

 

********************************************


  هذه صفحات مجهولة من صفحات الاهرام عبر مشوار صحفى طوله نحو 140 سنة.. للاجيال الصحفية التى تبشر بخير كثير فى رحلة الشقاء والمعاناه وحب مصر

Email:[email protected]

Email:[email protected]
لمزيد من مقالات عزت السعدنى

رابط دائم: