رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الزواج السودانى.. من «قولة الخير» إلى «الجرتق»

◀ سعاد فقيرى : باحثة دكتوراه بجامعة القاهرة معهد البحوث والدراسات الإفريقية
هناك عادات تجمع كل القبائل السودانية بشتى أطيافها مع اختلاف طفيف، وعادات الزواج السودانية عبارة عن طقوس تقيمها الأسر السودانية مناسبات الزواج، وفى الغالب تختلف الطقوس حسب المناطق والقبائل لتعدد الأعراق والأجناس.

وتعود هذه العادات إلى أصول بعيدة، منها الفرعونى فى مناطق الشمال، ومنها الأفريقى فى الجنوب.

ونتيجة لاختلاط الدم العربى بالدم الإفريقى تألقت هذه العادات، وباتت طقوس الزواج نموذجاً لا مثيل له، ونستعرض بعضها هنا:

ـ قولة الخير : جلسة يجتمع فيها أكابر العائلتين بقصد التعارف والتأكد من عراقة الأسرتين، ويتقدم فيها عادة أعمام العريس أو والده بطلب يد العروس لإبنهم.

ـ الخطوبة : والخطوبة كثرت فى الآونة الأخيرة فقط، لكنها لم تكن بهذا الانتشار فى السابق، لأن الزواج سابقا لم يكن يخرج عن نطاق الأسرة، أو الجيران، والخطوبة تتوج علاقة المخطوبين بقبول المجتمع والأسرة.

سد المال : ما يعرف بالمهر، وفى هذه المرحلة تبدأ التجهيزات الفعلية للزواج، ويتكون سد المال من الملابس والثياب السودانية والعطور والأحذية (شيلة)، بالإضافة للمال، وتتفاوت التجهيزات حسب مقدرة العريس المالية.

ـ الحنة : وفيها تتم دعوة أهل العروس والعريس كل على حده، ويتم فيها تخضيب أرجل وأيدى كل من العريس والعروس بالحناء، ويقدم فيها الطعام وتعقد جلسات الغناء والأنس.

ـ العقد : عقد الزواج على يدى المأذون بحضور ولى العروس ووكيل العريس، ويتم تلاوة القرآن الكريم وتذكير الحضور بفائدة الزواج على المجتمع، ويعلن ولى العروس الموافقة ويرد وكيل العريس بالقبول على الصداق المسمى بينهم.

ـ وليمة العقد : غالباً تكون غداء، وتتم دعوة الأهل والأقارب والأصدقاء لمباركة هذا الزواج، وفى غالب الأحيان فى «صيوان» مجاور للمنزل.

ـ الحفلة : وتتم دعوة الناس على طعام العشاء، ويستمعون إلى المغنين، وتكون الحفلة مسائية وتمتد إلى الحادية عشرة مساء كحد أقصي.

ـ بخ اللبن : يأخذ كل من العريس والعروس بعضا من لبن فى إناء ويقوم ببَخِه (نفثه) فى وجه شريكه المستقبلي.

ـ قطع الرحط : تأتى العروس متحزمة بحريرة على وسطها فيقوم العريس بقطعها ورميها للحضور.

ـ الجرتق : وهى عادة زواج تجمع الطقوس والبهجة، وعلى تتعدد عادات الزواج وتقاليده لكنها كلها تلتقى فى «الجرتق»، وهو طقس عجائبى يعتقد الكثيرون، خاصة النساء أنه «فأل حسن» يضمن استمرارية الزواج.

و«الجرتق» تقليد سودانى « تعتز به الأسر اعتزازاً يفوق الوصف، لأن الأسرة تؤمن بأنه ركن مكمل للزواج لا يختلف عن وثيقة الزواج، ويبدأ الطقس عادة فى نفس ليلة عقد القران، وتنطلق الاستعدادات لـ «الجرتق» بتجهيز «فستان أحمر اللون» و«ثوب حريرى موشح بالزخرف الذهبى»، و«طاقية من الذهب الخالص» توضع على شعر العروس، و«عقد من الأنصاص أو الفرجلات أو الجنيهات الذهبية»، مع قماشة من «الحرير الأحمر»، تتوسطها خرزة كبيرة ذات لون تركوازي، تربط حول معصم الزوجة، وتعتقد كثير من النساء السودانيات، خاصة كبيرات السن أنها تحمى العروس من السحر، وتمنع إصابتها بمكروه، والأسر السودانية العريقة تؤمن بالذهب الخالص لذلك الطقس العامر بالبهجة وأغانى البنات. وتجلس العروس يومها على «عنقريب» (سرير خشبي) مفروش بالأحمر، وعلى حافته قطعة قماش مزركشة، ثم تأتى أسرة العريس بصحبته مُحمَّلة «بسبحة اليسر السوداء»، و«هلال ذهب مطرز على منديل»، ويربط على جبين العريس شريطة أن يلتحف «ثوب السرتى» المشهور، حاملاً سيفاً مذهباً، يهزه فى فرح للحضور، ويهتز طرباً مع أغانى الجرتق الحماسية.

وتعرض أسرة العروس العنقريب الفاخر بفرشه الجميل مع قطعة حديدة مستديرة فضية اللون عليها أطباق الحلوى والتمر الفاخر والعطور السودانية المتنوعة، على رأسها «الصندلية»، و«فلور دامور»، وعطور باريسية بجانب «مسحوق الصندل والمحلب وأكواب الحليب والحلوى وأبخرة» تصنع خصيصاً من أعواد الصندل الأصيل لتعبق أجواء الأمسية التى يزايد الإقبال على حضورها لأهميتها الكبرى.

وتبدأ كبيرات السن من الأسرتين بإلباس العروس «غطاء الرأس المذهب» و«السبحة السوداء» و «الحرير الأحمر» على المعصم اليمين، ويضعن قليلا من عجينة العطر السودانى الأصيل الخُمرة (بضم الخاء) وسط شعر العروس قبل أن يجلس العريس قبالتها ليتبادلا الحلوى والتمور لسبع مرات، يتناول ما تعطيه له فيعيده إليها ثانية وعند المرة السابعة ينهض العريس ليوزعها على الحضور.

وفى نهاية الطقس يتراشق العريس وعروسه بالحليب وسط فرحة وتصفيق الحضور، ثم يرش العطر الفواح على الحضور الذين يشاركون فى الغناء بصوت جماعى جميل لتظهر العروس فى زيها الأحمر اللافت وتتبادل الرقص بإيقاع وأغنيات مخصصة فقط لأمسية الجرتق، معلنة نهاية الطقس والزفاف.

تقول «نجوى على» صاحبة «صالون الجرتق»: «فكرت فى الصالون عندما لاحظت أمى أن زيجات هذا الزمان أصبحت تعتمد على الفستان الأبيض، مع أنه ليس سودانياً، وما أن يفرغ الفنان من غنائه تتوجه العروس مع عريسها إلى المطار لقضاء شهر العسل، بعيدا عن «عنقريب الجرتق»، ومن دون الرقص على أنغام «العديل والزين»، ففكرنا فى تعويض هذا كله. والزواج عند النوبة السودانية له عاداته وتقاليده التراثية، ولا تختلف بين منطقة وأخرى إلا فى تفاصيل صغيرة، لكن الأساسيات واحدة عند النوبيين فى شمال السودان، وهى لا تختلف كثيراً عن تقاليد النوبيين فى جنوب مصر. ولعل الاختلاف الكبير بينهما أن نوبيى السودان تأثروا بأفريقية السودان أكثر. والغناء فى أفراح السودان يزخر بكثير من المطربين والموسيقيين الشعبيين وأغانيهم العاطفية الشجية التى تختلف عن غناء نوبة مصر. وقد شاهدت أفراحا نوبية أثناء إقامتى لخمس سنوات فى مصر، وهى فى مجملها قريبة الصلة بأفراح السودان الشمالي، لكنها فى روحها عصرية مصرية، أما فى السودان فهى أكثر بذخاً فى المراسم، ولا تظهر فيها التأثيرات الأفريقية الموجودة فى السودان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق