رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ماذا بعد ضرب .. «قلب العروبة النابض»؟!

هذا هو التعبير الذى كان يستخدمه جمال عبد الناصر إشارة الى الشقيقة سوريا! فقد قال فى خطاب فى دمشق، فى 24 فبراير 1958: «كنت دائما أتمنى فى السنين الأخيرة أن أزور دمشق؛ لأننى كنت أشعر فى كل وقت بأنها قلب العروبة النابض؛ ففيها تتفاعل القومية العربية، ومنها تتصاعد مُثُل القومية العربية، وقلبها يخفق بالوحدة وتدعيم القومية العربية».

ولم يكن هذا تعبيرا عاطفيا بقدر ما كان مستندا الى التاريخ، فقد أكد ناصر للضباط السوريين الذين أتوا سرا الى القاهرة يطالبون بعودة الوحدة، فى 23 إبريل 1962.. «فى أيام الحرب العالمية الثانية كانت الخطط كلها متجهة لتفتيت سوريا، وحتى الآن سوريا هى مفتاح الموقف فى الشرق الأوسط»!

واعترف عبد الناصر، الذى خبر سوريا عن قرب لمدة ثلاث سنوات ونصف.. من 22 فبراير 1958 حتى 28 سبتمبر 1961 – عندما كان رئيسا للجمهورية العربية المتحدة - للضباط السوريين فى الاجتماع السرى الأول معهم، فى 14 يناير 1962: «إن طبيعة سوريا صعبة جدا، والاتفاق على رأى صعب، والانفصال ضَرَب الفكرة العربية. مشاكل سوريا كانت تضايقني؛ مشاكل اقتصادية، علاقات بين الناس.. إلخ؛ أكثر من مشاكل مصر عشرات المرات!

إن سوريا مفتاح لكل الشقاء؛ لأنها تجمع تركيا ولبنان واسرائيل والأردن والعراق. لذلك الصراع فى سوريا عنيفا؛ خصوصا أن شعب سوريا صعب! والتاريخ يبين أن سوريا باستمرار كان فيه خطة للقضاء عليها وتقسيمها – ولازالت هذه الخطة – ليدخَّلوها ضمن كيان آخر موال»!

وماذا عن النظام الاجتماعى فى سوريا؟ روى عبد الناصر للضباط السوريين فى نفس الجلسة.. «القوتلى قال لي: سوريا ليس فيها إقطاع! إن سوريا فيها أكبر إقطاع ورأسمالية! إن هذا التناقض الاجتماعى يؤدى الى سيطرة طبقة»!

وكتب ناصر بخط يده.. «سوريا فيها ظلم اجتماعى عنيف؛ فيه إقطاع ورأسمالية. وكل السياسيين والاقطاعيين آخذون سلفيات من البنوك! إن البنوك فى سوريا ليست إلا أفرعا لبيروت، وشركات التأمين فى سوريا ودائعها فى الخارج! وقد تم إطلاق حرية النقد؛ وذلك معناه أن رأس المال المستثمر يستطيع أن يأخذ من عرق الناس أموالا، ثم ينقلها الى الخارج»!

حقا هذا الكلام وهذه التجربة مر عليها أكثر من خمسين عاما، إلا أن قواعدها ظلت منطبقة حتى حدثت مأساة سوريا منذ ما يزيد عن أربعة أعوام، ومازلنا نعيش فصولها حتى الآن.

ألم يجرى خلال هذه الأعوام تقسيم سوريا وتفتيتها تحت دعاوى مختلفة، أيديولوجية وعرقية واقليمية؟!

والسؤال الطبيعي.. من المسئول عن تلك المعاناة التى تهدد شعبا عربيا بأكمله؛ فقد منه أكثر من نصف مليون، وهاجر منه أكثر من أربعة ملايين من أشقائنا فى ظروف لا إنسانية، رقت لها قلوب الأجانب ونحن العرب قلوبنا حجر؟!

من الذى كان يتولى الحكم عندما بدأت هذه الأحداث الدامية؟ أليس هو حزب البعث الذى ضيع العراق من قبل، وقضى على الوحدة المصرية السورية، ونقض ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق فى إبريل عام 1963؟! أليس هو الحزب الذى تعامل مع المعارضة الاسلامية بالحديد والنار؛ على نمط سياسة الرئيس حافظ الأسد قبلها بأكثر من ثلاثين عاما؟! وهل نلقى الاتهامات هنا على المؤامرات الخارجية ولا نلوم الحكم فى الداخل؟! أو نتغاضى عن أخطائه – بل خطاياه – التى أدت الى ضياع سوريا وتشتيت أهلها؟!

هل يعقل أن تعامل المعارضة فى أى بلد فى العالم بمثل ما حدث فى سوريا؟! تُضرب بالمدافع والطائرات والصواريخ والبراميل المتفجرة، ويقتل الأبرياء بدون جريرة؟!

إن المألوف أن تكون المعارضة داخل البرلمان، ويتم علاج الخلافات بالمناقشات والحوارات السياسية. أما من يرتكب عملا إرهابيا فمكانه أمام القضاء؛ يُتهم ويحاكم ويعاقب طبقا للقانون.

وحمدا لله أن هذا هو المنهج الذى اتبعه الرئيس السيسى فى مصر، فهل ممكن أن نتصور مثلا الحكومة المصرية تضرب أحياء برمتها بالطائرات، يموت من يموت، ثم تطلب السلام الاجتماعى أو استمرار نظام الحكم؟!

إن مؤيدى المعارضة الاسلامية فى مصر هم أولادنا وإخوتنا وجيراننا، لا نتفق معهم، ولكن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية. وكنت أتوقع أن ينطبق نفس النموذج فى الشقيقة سوريا، ولكننى مؤمنة بما قاله والدى عام 1962: «إن المبادئ هى التى تعطينا قوة، لا الجيش ولا الأساطيل؛ هذا هو الفرق بين الرسالة والاحتراف».

لقد أصبحت سوريا – تحت دعوى محاولة القضاء على الدولة الاسلامية – مستباحة لكل من هب ودب؛ تُضرب أرضها بالطائرات، ويُقتل أشقاؤنا بالآلاف، وتدمر البنية التحتية للبلد بلا رقيب ولا محاسب! أين الحكومة؟! وهل هناك فعلا حكومة؟! ثم يتحدثون عن بقاء النظام أم تغييره! أى نظام؟! أين الوطنية؟!

الآن على الأرض السورية وفى سمائها عتاد حربى من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وتركيا وإيران واسرائيل، ومن يعلم من أين أيضا؟!

والسؤال.. لماذا هذا الإقبال فجأة على تدمير هذه القطعة الثمينة من أرض العرب، وإبادة وتشريد إخواتنا فى العروبة؟!

لقد تعلمنا من دروس التاريخ أن المشارك له نصيب من الغنيمة فى النهاية، وهذا هو التفسير الوحيد للتكالب الدولى على سوريا، وكذلك على العراق؛ فلا يجب أن ننسى الثروات البترولية فى كلا البلدين، ثم خط أنابيب البترول السوري، وأخيرا الموقع الاستراتيجى لسوريا وسط العالم العربي.

لقد استطاع أخيرا الغرب والشرق – للأسف – تحقيق الآمال القديمة فى القضاء على القومية العربية، التى حاربوها فى الخمسينات والستينات وفشلوا. وقد صدق عبد الناصر عندما قال: «فى رأيى أن ضياع فكرة القومية العربية، يُحدث تفتتا للعرب، والقضاء الكامل عليهم من الناحية المبدأية».

وأتساءل.. كيف يمكن الخروج من هذه السقطة التاريخية، ومعالجة هذه المأساة الإنسانية؟

وأتعجب! ما الذى من الممكن أن يوحد العالم العربى أكثر من هذه الكارثة، التى تحمل فى طياتها معانى كثيرة؛ أقلها أن يحدث لباقى الدول العربية ما حدث لسوريا والعراق وليبيا؟! يصبح أهلها لاجئين، وتصير أرضها منتهكة للجميع عسكريا وإنسانيا، وينتقل الصراع بين الكتلتين الى مواجهة فى أراضينا كما يحدث الآن!

فى مقال سابق، دعوت جامعة الدول العربية للتدخل من أجل الحل، ولكن لا حياة لمن تنادي! وأجد من الصعب على أن أعيش فى منزلى وأهنأ بالغذاء والسلام، وأشقاؤنا السوريون يُقتلون أو يهاجرون بلا أمل الى بلاد تلفظهم وتعاملهم معاملة غير آدمية!

أيضا سبق أن أوصيت بدعوة الأشقاء السوريين الى مصر – بلدهم الثانى – حتى تنتهى هذه الفترة الحرجة من الحرب الأهلية، ولم أجد تجاوبا!

واليوم.. ومع بداية عام جديد أقترح عقد مؤتمر للقمة العربية تُبحث فيه قضية سوريا. ولا يهم إن حضر الأسد أم لا، وليس للخلافات بينه وبين بعض الزعماء العرب أهمية؛ فهو فى الواقع لا يسيطر إلا على جزء محدود من سوريا! وبالتالى يمكن الطعن فى أنه الحاكم الفعلى لها!

إن القضية الآن أخطر كثيرا من قضية مواجهة التحدى الاسرائيلى للعرب بمشروع تحويل مجرى نهر الأردن؛ التى دفعت عبد الناصر الى الدعوة الى اجتماع الملوك والرؤساء العرب فى يناير 1964؛ للتدارس حول هذا الخطر واتخاذ الإجراءات الفعالة لإفشال مؤامرة اسرائيل.

وأرى أن الأوضاع داخل العالم العربى اليوم أفضل كثيرا عن منتصف الستينات؛ حيث كان الصراع العسكرى بين مصر والسعوديه فى اليمن, والنزاع بين الجزائر والمغرب, وكان الجنوب العربى والخليج العربى محتلا تملؤه القواعد العسكرية البريطانية والأمريكية.

إذاً أحوالنا الآن تشجع أكثر على عقد هذا المؤتمر, ومخاطرنا تنصب حاليا على وجودنا ذاته؛ وكل ذلك يجب أن يدفعنا الى استخدام آلية مؤتمرات القمة التى توقفت منذ وقت طويل.

ولنبحث ما هى هذه المخاطر التى تهدد العالم العربى أو ما تبقى منه؟! بعد أن ضاعت العراق وليبيا وسوريا, ماذا تبقي؟ مصر التى نجت بعناية الله وإصرار وحيوية أهلها, وإقدام قيادة الجيش ممثلة فى الفريق أول عبد الفتاح السيسي، ثم السعودية فى الشرق. أما دول الخليج, فتستطيع أى قوة طامعة أن تحتلها بكل سهولة! والجنوب العربى مازال – مع اليمن – مطمعا لبريطانيا والولايات المتحدة!

إن ما أقوله لا يقلل من قيمة أى من هذه الدول العربية، ولكن ينبغى مواجهة الواقع بشجاعة.

وإذا انتقلنا الى المغرب العربي، فبعد أن تفككت الدولة فى ليبيا، وخَرّب المتطرفون الاسلاميون الاقتصاد التونسي، فلا تبقى إلا المغرب!

ونرجع الى مؤتمر القمة المقترح، الذى أعتقد أيضا أن ظروفه أيسر من مؤتمر قمة الخرطوم بعد عدوان 5 يونيه 1967، الذى عقد فى 26 أغسطس 1967؛ إن مشكلة اليوم هنا أيسر من معضلات الأمس التى عشناها؛ إذاً ما الذى يمكن عمله؟

أتصور إجماع الزعماء العرب على تحرير سوريا من كل من الطرفين اللذين فشلا فى حماية وحدة أراضيها ودماء وكرامة مواطنيها؛ وهما حكومة بشار الأسد والمعارضة المسلحة. وممكن أن يتم ذلك عن طريق تكوين ما يشبه القيادة العربية الموحدة – تساهم فيها كل الدول العربية بعدد محدد من القوات – ويتم دعوة كل الأطراف الأجنبية الى الانسحاب من الأراضى والسماء السورية. وفى نفس الوقت تتولى الأمور هناك هذه القيادة العربية الموحدة خلال فترة انتقالية، يتم بعدها إقامة حكم وطنى يعبر عن كل الأطراف فى هذه الأزمة، وذلك بعد إجراء انتخابات بإشراف دولي.

وهنا يتم التأكيد على أن المعارضة – حتى ولو كانت عقائدية – مكانها البرلمان والصحافة وباقى أجهزة الإعلام؛ فالوطن يجب أن يتسع للجميع.

وهنا يثور تساؤل.. وماذا عن بشار الأسد وداعش؟ كيف يمكن التعامل معهما؟

أعتقد أن الرؤساء العرب يستطيعون إقناع بشار بالتنحي، وكنت أفضل أن يقوم الشعب السورى بهذه المهمة، ولكن أين إرادة شعب سوريا؟! وأخطاء من هى التى أدت الى هذا الوضع؟!

أما بالنسبة لداعش، فيترك أمرها الى الجيش العربى وقيادته الموحدة التى سوف تنبثق عن مؤتمر القمة العربي، وتحارَب داعش فى سوريا كما تحارَب فى كل بلد آخر!

وأرى أنه ينبغى الإسراع فى إيجاد حل فى إطار مؤتمر القمة العربي، حتى لا تُحتل سوريا رسميا أو أجزاء منها من قبل كل من تركيا والدول الغربية، وحتى روسيا!

وأحب أن أشير هنا الى حقيقة أثبتها د. عبد الوهاب المسيرى فى كتابه «الصهيونية والحضارة الغربية»؛ وهى أن الحضارة الغربية نمت وانتعشت فى الماضى بسبب الاستعمار وأعتقد أن هذه الحقيقة تفسر إهتمام الغرب الآن بإفريقيا وغيرها من الدول التى كانت تستعمرها من قبل. إن الاقتصاد الغربى فى أزمة، يتوقع ألا يقوم منها فى العشر سنوات القادمة. وأعتقد أن الحل بالنسبة لهم يوحيه اليهم الماضي؛ وهو الاستعمار الجديد لدول العالم الثالث والاستيلاء على خيراتها. فإذا كانت الدول العربية من أغنى دول العالم فى الموارد الطبيعية مثل البترول، إذن لماذا لا يسيطرون عليها تماما؟! بتفكيكها وإنهاء وحدة الدولة فيها، ثم القضاء ليس فقط على القومية العربية وإنما على الشعور الوطنى الذى يجمع السكان معا!

إن مهمة مؤتمر القمة العربى المقترح لن تكون سهلة، ولكننا مررنا بالأصعب منها، وهذه المرة الوجود العربى كله على المحك!

وبصراحة، فإنه فى مواجهة كل هذه الأهوال التى يتعرض لها أشقاؤنا السوريون، تهون العقائد، ويبقى الوطن الذى يضم ويحمى الجميع.

ثم يأتى الحديث عن كيفية إعادة بناء سوريا وبنيتها التحتية، بل إعادة سكانها المهاجرين، وعلاج مشكلاتهم النفسية الناتجة عن فقدان الأحباء وتخطى الأهوال! وهنا أيضا نحن فى حاجة الى خطة تشارك فيها كل الدول العربية، وتكفر بذلك عن خطيئة الصمت والسلبية لأكثر من أربع سنوات أمام هذا الهوان العربي!

ولنتذكر مرة ثانية أن «سوريا هى قلب العروبة النابض»، وقلب الصراع فى العالم العربي؛ فهى المدخل من جانب إيران لشبه الجزيرة العربية، والطريق للعراق، ولشاطئ البحر المتوسط، كما تتربص بها اسرائيل من الجنوب؛ ولذلك ففى إنقاذها حماية للوطن العربى كله.

«إننا لا يمكن أن نساوم، وإلا.. ضياع رأسمالنا! نحن عندنا مبادئنا التى تعطينا قوة».. جمال عبد الناصر.

لمزيد من مقالات د.هدى جمال عبدالناصر

رابط دائم: