رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

كارثة الطائرة الروسية وكيفية إدارة الأزمة

كثيرة هي كوارث الطيران التي وقعت لأخطاء فنية أو نتيجة أعمال إرهابية. لكن الطيران يبقى هو الأكثر أمانا والأقل في حوادثه بين كل وسائل النقل. وبعد كل كارثة في مجال الطيران كانت الحياة تستمر. وربما تكون أبرز الحوادث الإرهابية في مجال الطيران هي تلك التي وقعت في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر عام 2001. ففي تلك الكارثة العملاقة التي تضمنت عددا من الكوارث المتزامنة تمكن الإرهابيون من اختراق إجراءات الأمن في المطارات الأمريكية، وأدخلوا كميات كبيرة من الأسلحة والإرهابيين الذين اختطفوا عددا من الطائرات. وتم استخدام الطائرات المخطوفة في تدمير برجي مركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية. وبمجرد أن فتحت الولايات المتحدة مطاراتها للعمل تدفقت الطائرات من كل العالم ولم يتم إيقاف الرحلات. ولم تتوقف السياحة إليها. ووفقا لبيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم، بلغ عدد السياح الذين استقبلتهم الولايات المتحدة عام 2001 نحو 45,5 مليون سائح يشكلون 6,5% من إجمالي السائحين في العالم في ذلك العام. وبلغت عائدات الولايات المتحدة من السياحة الداخلة إليها نحو 72,3 مليار دولار في العام المذكور. وفي العام التالي 2002 ورغم تعقد إجراءات دخول الولايات المتحدة وحالة التربص والعداء للسياح القادمين من الدول العربية والإسلامية بما قلل أعدادهم، استقبلت الولايات المتحدة 41,9 مليون سائح شكلوا 6,1% من إجمالي السياح في العالم في ذلك العام. وبلغت إيراداتها السياحية نحو 66,6 مليار دولار.

والأمر نفسه تكرر عند سقوط طائرة لوكيربي في بريطانيا أو الطائرة الفرنسية في النيجر أو الطائرة الماليزية في أوكرانيا، حيث استمرت حركة الطيران وحركة السياحة بين الدول بلا توقف فالأمر الطبيعي هو أن الحياة تسير وتستمر. والعالم يعمل بشكل تلقائي وعنيد على حرمان الإرهابيين من أغراضهم. فإذا كانوا يهدفون لإثارة الهلع من الطيران أو إيذاء هذه الدولة أو تلك أو تخريب قطاع السياحة فيها، فإن إرادة الحياة والانتصار على الإرهاب تدفع البشر والدول إلى الاستمرار في استخدام الطائرات للسفر وإلى زيارة الدول المستهدفة بالإرهاب. ومن البديهي أنه إذا كشفت أي حادثة عن ضعف أو خلل في إجراءات التأمين فإنه تتم معالجته لحماية أرواح المسافرين.

أما ما يحدث إزاء كارثة سقوط الطائرة الروسية فى مصر فهو أمر عجيب بالفعل. فقد استبق الكثيرون فى الغرب التحقيقات بتأكيد أن الحادثة ناتجة عن عمل إرهابي. وعملت التصريحات وأجهزة الإعلام الغربية وبعض القنوات الخليجية على توجيه التحقيقات والأنظار إلى أن العمل الإرهابى ناتج عن انفجار على متن الطائرة بسبب قنبلة وضعت عليها، وليس بسبب صاروخ أطلق عليها، لأن الاحتمال الأخير سيوجه أصابع الاتهام إلى إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة حيث لا يملك الإرهابيون أسلحة قادرة على الوصول إلى طائرات مدنية تطير على ارتفاعات شاهقة. وإسرائيل لديها سابقة إجرامية فى تدمير طائرة مدنية فوق سيناء فى فبراير عام 1973 التى كان ضمن ضحاياها الشاعرة والإعلامية المتميزة سلوى حجازي.

وجاء السلوك البريطانى خلال زيارة الرئيس المصرى لها متسما بدرجة من الجلافة السياسية عبر إعلان قرار سحب السياح البريطانيين من مصر وترجيح سقوط الطائرة بسبب عمل إرهابى دون أى دليل على ذلك أثناء زيارة الرئيس. وكان من الممكن لبريطانيا أن تعلن ذلك قبل زيارة الرئيس ليكون لديه الفرصة لاتخاذ الموقف الملائم بالقيام بالزيارة أو تأجيلها دون تحويل الأمر لأزمة كبيرة. وكان الأوقع أن يتجه النشاط الدبلوماسى المصرى شرقا، وليس غربا فى تلك الحالة.

إن مصر تحاول دائما نسيان التاريخ اللصوصى والإجرامى لبريطانيا التى احتلت ونهبت مصر وأعملت اعتقالا وتعذيبا وتقتيلا فى أبناء شعبها لمدة 72 سنة. وذلك من أجل بناء علاقات قائمة على تبادل المنافع. وحقق الطرفان نجاحات كبيرة فى هذا الشأن فالاستثمارات البريطانية المباشرة فى مصر تأتى فى المرتبة الأولى بما يعادل ربع الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة فى مصر. وهو أمر طبيعى لأن الشركات البريطانية لديها دراية ومعلومات تاريخية عن موارد مصر وفرص الاستثمار فيها بحكم الماضى الاستدماري، والتعبير هنا مأخوذ من الأشقاء فى الجزائر وهو ليس من باب الخطأ ولكنه التعبير الأنسب لحقبة الاحتلال والنهب والاستغلال، لأن تسمية الاستعمار توحى بأن تلك الدول الغاصبة كانت تقوم بأى تعمير.

وفى العام المالى الماضى 2014/2015 بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التى ضخها رأسماليون بريطانيون إلى مصر نحو 5.4 مليار دولار وهى تعادل 78.3% من إجمالى الاستثمارات المباشرة التى ضختها دول الاتحاد الأوروبى مجتمعة لمصر فى العام المذكور. وهى استثمارات تحقق منها بريطانيا فوائد عظيمة قبل ان تكون مفيدة لمصر.

أما التجارة البريطانية مع مصر فهى أقل أهمية بكثير حيث بلغت قيمتها عام 2013 نحو 2370 مليون دولار تعادل نحو 2.5% من قيمة التجارة الخارجية لمصر حسب بيانات صندوق النقد الدولى فى تقريره عن اتجاهات التجارة العالمية (Direction of Trade Statistics Yearbook 2014). وفى مجال السياحة تبتعد بريطانيا عن الصدارة كثيرا حيث تتصدر روسيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا ودول عربية.

ورغم هذه العلاقات القائمة على تبادل المصالح فإن بريطانيا تصر على خلق حساسيات غير مطلوبة وغير مقبولة بمحاولة توجيه إساءة بالغة لمصر ولقطاع السياحة ولملايين العاملين به وبالصناعات والخدمات المرتبطة به، دون أن تقدم دليلا واحدا على ادعاءاتها التى تبدو مجرد محاولة للتخريب والتدمير وليس لاستجلاء الحقيقة التى يبحث عنها خبراء من مصر وروسيا وألمانيا وفرنسا. وحتى لو أفضت التحقيقات إلى أن حادث الطائرة الروسية كان بسبب عمل إرهابى فإن المطلوب هو التضامن العالمى فى مواجهة الإرهاب وتكثيف الإجراءات لمواجهته وليس التشفى واستباق التحقيقات بنتائج ذات طابع تشهيرى وانتقامي.

والحقيقة ان روسيا أثبتت فى حملتها ضد إرهابيى داعش وجبهة النصرة وأشباههم فى سورية والتى وجهت لهم ضربات مؤثرة أنها القوة الأكبر التى تواجه الإرهاب باستقامة وجدية، خلافا للحملة الأمريكية «ضد» داعش والتى امتدت لعام وعدة أشهر ولم تثمر سوى تمدد التنظيم الإرهابي، فضلا عن إلقاء الطائرات الأمريكية بالأسلحة لمقاتليه الإرهابيين على سبيل «الخطأ» المتكرر!!

وإزاء ذلك المسلك الروسى القوى والمستقيم فى مواجهة قوى الإرهاب المدعومة إقليميا وغربيا والتى تهدد وحدة واستقرار وأمن البلدان العربية، كان من الطبيعى لمصر كقوة قائدة فى إقليمها ان تدعم تلك المساعى الروسية الداعمة لسورية فى مواجهة الإرهاب المدعوم من تركيا وبعض الدول الخليجية والغربية لتدمير الدولة السورية والانطلاق منها لتخريب المنطقة بأسرها. وذلك الموقف المصرى المؤثر فى الاتجاهات الشعبية والرسمية فى المنطقة العربية لم يكن على هوى القوى الدولية والإقليمية المنشئة والممولة والمسلحة والداعمة للإرهاب.

وتناثرت التصريحات عن أن المخابرات المركزية الأمريكية رصدت اتصالات حول عمل إرهابى كبير فى سيناء، أو على حد المنشور فى موقع قناة رسمية بريطانية مخطط لتفجير طائرة روسية، ثم رصدت بعد ذلك اتصالات بين الدواعش فى سورية وسيناء للتهنئة بالعملية على أساس أن ما حدث هو من صنعهم.

وكان مذهلا بالفعل فى تغطية القناة البريطانية يوم السبت الماضى أن يشير تقرير لها بالنص إلى أن تفجير الطائرة هو صفعة لروسيا بسبب قصفها لداعش فى سورية. وأن بريطانيا أرسلت طائرات لإعادة مواطنيها بينما روسيا لا تفعل ذلك لمواطنيها بالسرعة نفسها. وتبدو لهجة التشفى فى روسيا متدنية وكأن المطلوب منها أن تتوقف عن قصف داعش فى سورية وأن تفعل مثل الدول الغربية الكبرى أى تتواطأ مع إرهاب ذلك التنظيم الدنئ والمعادى للإنسانية حتى لا تتلقى ما أسموه صفعة. أما معايرة روسيا بأن بريطانيا أسرع فى إعادة مواطنيها فهو تحريض للمواطنين الروس ضد حكومة بلدهم التى يتهمونها ضمنيا بالتقاعس فى سحب سائحيها من مصر، وتحريض لكل السياح للانسحاب من مصر بصورة أقل ما يقال عنها أنها معادية لمصر ولقطاعها السياحي. وإمعانا فى التحريض لدرجة الاستخفاف ظهرت تقارير من صحف بريطانية عن تفادى طائرة ركاب بريطانية لصاروخ فوق سيناء وكأن ذلك الديناصور الطائر لديه أى فرصة للمناورة لو كان هناك صاروخ يستهدفه فعليا!! وبعد أن أصبح الموضوع محلا للسخرية تم تعديل الرواية إلى أنهم شاهدوا وميضا قريبا مجرد مشاهدة!

وتدرك بريطانيا أن مصر تواجه مشكلة موروثة من سنوات سابقة ولا يتم اتخاذ إجراءات حاسمة حتى ولو كانت مرة لمعالجتها حتى الآن وهى عجز الموازين الخارجية والذى يؤدى لتآكل الاحتياطى والاستدانة، والذى يتطلب ترشيدا صارما للواردات السلعية التى تجاوزت 65 مليار دولار فى العام وكذلك الأمر بالنسبة للواردات الخدمية مع العمل على تنشيط مصادر النقد الأجنبي. وتتمثل مصادر النقد الأجنبى فى مصر فى إيرادات الصادرات السلعية التى تبلغ نحو 28 مليار دولار. وتحويلات المصريين العاملين فى الخارج والتى بلغت نحو 19330 مليون دولار عام 2014/2015، وإيرادات قناة السويس وهى تتحرك بشكل مرتبط بحركة التجارة العالمية وتدور حاليا عند مستوى 5.4 مليار دولار فى العام وتتسم حركتها بالتغير البطئ نسبيا. أما إيرادات السياحة فإنها تتسم بالتغير السريع هبوطا وصعودا بالتوازى مع مستويات الأمن والاستقرار السياسي. وهذه الإيرادات بالذات كانت مصر تعول كثيرا على تطويرها فى الفترة القادمة. ونجحت مصر بالفعل فى زيادة عدد السياح من نحو 8 ملايين عام 2013/2014 بإيرادات سياحية بلغت نحو 5.1 مليار دولار، إلى نحو 10.24 مليون سائح بإيرادات سياحية بلغت نحو 7.4 مليار دولار عام 2014/2015. أى أن عدد السياح ارتفع بنسبة 28% وارتفعت الإيرادات بنسبة 45% فى عام واحد. وهى مؤشرات كانت تبشر بإمكانية حدوث تطور سريع لقطاع السياحة وتحسن إيرادات مصر منه خاصة فى ظل توفر بنية أساسية سياحية ممتازة، وخدمات سياحية متميزة. وكان هناك تعويل كبير على زيادة الحركة السياحية تأتى من روسيا والتى قام نحو 3.5 مليون من أبنائها بزيارة مصر فى العام المالى الماضى بما شكل أكثر من 34% من إجمالى عدد السياح الذين زاروا مصر فى العام نفسه. كما أنهم يستمرون لفترة أطول بما يجعل نسبتهم من عدد الليالى السياحية أكبر من تلك النسبة.

ولأن قضية الطائرة الروسية المنكوبة والتى خلفت وراءها مآسى إنسانية موجعة وتستحق التوجه بأحر التعازى للشعب الروسى الصديق، هى قضية بالغة الأهمية فإنه من المهم بحث كل الاحتمالات المتعلقة بها. فإذا كان هناك صوت فى آخر ثانية فى تسجيلات الصندوق الأسود فإنه يمكن أن يكون انفجارا ناجما عن انفجار المحرك نفسه، أى خلل فى الطائرة نفسها. ويمكن ان يكون ناجما عن قنبلة وضعها إرهابيون. ومن الصعب حسم هذا الأمر سريعا فالتحقيقات فى قضية الطائرة الماليزية فى أوكرانيا لم تصل إلى نتائج تم نشرها إلا فى شهر اكتوبر 2015 أى بعد أكثر من عام من تحطمها فى 17 يوليو 2014.

ورغم ان الإجراءات الأمنية فى المطارات المصرية تستوفى المعايير الدولية، فإنه حتى لو جاءت النتائج بأن سقوط الطائرة ناتج عن عمل إرهابي، فإن ذلك سيتطلب المزيد من تشديد الإجراءات الأمنية وليس الانكسار امام إرادة الإرهابيين. كما أنه يعنى أن روسيا التى تواجه الإرهاب وقواه الرئيسية فى سوريا، ومصر التى تدعم الجهود الروسية فى هذا الشأن مدعوتان للمزيد من القوة والصلابة فى مواجهة الإرهاب والقوى الدولية والإقليمية الداعمة له. وحسنا فعلت الحكومة بالسماح بزيارة وفود أمنية من الدول الموردة الرئيسية للسياح للتعرف على الإجراءات الأمنية. ولأن روسيا هى رأس الحربة العالمية الحقيقية فى مواجهة الإرهاب، فإن هناك ثقة كبيرة فى عودة السياحة الروسية لمصر سريعا خاصة فى ظل التعاون الوثيق بين الدولتين فى كافة المجالات، وهو ما يمكن أن ينسحب على تعزيز الإجراءات الأمنية.

وفى هذه اللحظة الحرجة فإن مصر التى تعمل على استعادة وتعزيز استقلال قرارها الوطنى ودورها الإقليمى القائد عليها أن تتخذ إجراءات صارمة لترشيد وارداتها وتحقيق التوازن فى موازينها الخارجية، وأن تشرك اصدقاءها الحقيقيين والذين اختبرتهم عند المحن واللحظات التاريخية الحرجة وبالذات عندما واجهت العدوان الثلاثى الغادر عام 1956، وفى حربها الدفاعية عام 1973، فى معالجة المشاكل الراهنة بتعاون وثيق معهم دون أى إضرار بالعلاقات القائمة على تبادل المصالح بشكل عادل وحر مع أى دولة فى العالم تحترم كرامة وسيادة واستقلال مصر وتدرك معنى كونها الدولة القائدة فى الإقليم العربي.


لمزيد من مقالات أحمد السيد النجار

رابط دائم: